نحو تنمية ثقافية عربية

ليلى الشمري كاتبة عراقية –

استنادا إلى حقيقة تضافر كل العوامل في تحقيق التنمية بوصفها مظهرا حضاريا، تحقق أمل بعض المجتمعات في ان تعيش في ظروف توفر لها كل وسائل العيش الكريم في ظل وجود مظاهر حقيقية للتحضر تغني الإنسان وتنقله من مستهلك إلى منتج، فان التجارب العالمية في العالم المتحضر اجتازت أشواطا بعيدة، وفي الوطن العربي برزت محاولات في هذا المضمار، ما زالت بحاجة إلى المزيد من الجهود لتكون بمستوى التجارب الأخرى.
طبقا لباحثين ومختصين فان تحقيق التنمية الثقافية في المنطقة العربية يتطلب تفعيل دور العديد من المؤسسات في مقدمتها منظمات المجتمع المدني بوصفها ذات طابع اجتماعي مستقل عن الدولة والحكومة، وتجسد مظاهر الديمقراطية الحديثة التي ترتكز على الحرية، والكرامة، والعدالة، والمساواة، والأخوة، والإيمان بحقوق الإنسان. وبالتالي، لا يمكن للمجتمع المدني أن يشتغل إلا في مجتمع ديمقراطي يحترم حقوق الإنسان، ويعمل على تثبيتها وتكريسها في جميع المجالات والأصعدة والمستويات، كما أن المجتمع المدني، من حيث المبدأ، نسيج متشابك من العلاقات التي تقوم بين أفراده من جهة، وبينهم وبين الدولة من جهة أخرى. وهي علاقات تقوم على تبادل المصالح والمنافع والتعاقد والتراضي والتفاهم والاختلاف والحقوق والواجبات والمسؤوليات. ثم إن هذا النسيج من العلاقات يستدعي، لكي يكون ذا جدوى، أن يتجسد في مؤسسات طوعية اجتماعية واقتصادية وثقافية.
المجتمع المدني عبارة عن هيئات حرة ومستقلة، تقوم بأعمال تطوعية اختيارية لصالح الإنسان، بتنسيق مع الدولة، أو في استقلال عنها، من أجل تحقيق التنمية الشاملة، وما يهمنا في هذا المجتمع المدني هو ما يقوم به الأفراد، ولا سيما المثقفون منهم، من أدوار ثقافية كبيرة ومؤثرة ومهمة، في مختلف الميادين والمجالات والفنون والمعارف والآداب، لتوعية المواطنين ذهنيا ووجدانيا وحركيا، ونشر الثقافة بينهم للقضاء على الأمية والتخلف والجهل والفقر والبطالة. بمعنى أن الثقافة تؤهل الناس لكي يزاولوا أعمالا إيجابية منتجة وهادفة وبناءة، تكون في خدمة الوطن والأمة والإنسانية جمعاء.
أما دور الجمعيــات الثقافيـــة فلها دور في خدمة التنمية البشرية المستدامة، فهي التي تقوم بتأطير الأفراد تأطيرا مهاريا أو سلوكيا أو عمليا، وتوعيتهم توعية دينية وأخلاقية وسياسية ووطنية وقومية، وتغيير سلوكهم تغييرا إيجابيا، وتكوينهم تكوينا تخصصيا نوعيا، أو تكوينا شاملا وموسوعيا أحيانا . بل تقوم هذه الجمعيات بدور تثقيفي وتنموي وتوعوي لافت للنظر في إطار مبادرات فردية أو جماعية. كما تساهم هذه الجمعيات في تحقيق الأمن والاستقرار والطمأنينة في البلاد لما تقوم به من مهام علاجية نفسية واجتماعية وإرشادية، بغية توجيه الأطفال والشباب والبالغين نحو المواطنة الصالحة. وقد تكون هذه الجمعيات الثقافية مدعمة أو غير مدعمة، لكن هدفها الوحيد هو توعية المواطن، وتكوينه تكوينا مهاريا مفيدا، وتأطيره سياسيا واجتماعيا وثقافيا وعقديا، وتوجيهه وجهة حسنة.
ولتحقيق التنمية الثقافية لابد من توفير أرضية مناسبة لكل النشاطات، بما في ذلك معاهد فنية ومختبرات وحلقات عمل ومتاحف ومكتبات، فضلا عن بناء قاعات المسرح والسينما، وتشجيع الناس على الإقبال عليها بأعداد كثيرة، لأن الثقافة أداة للتوعية والتنوير والتثقيف، ووسيلة لمحاربة الأمية والجهل والتخلف. وتعد الثقافة كذلك، بفنونها وآدابها وعلومها، مسلكا حقيقيا للإفادة والإقناع والإمتاع والتسلية والتثقيف. ولا يمكن للتنمية الثقافية أن تحقق نتائجها المثمرة إلا بتشييد المركبات الثقافية الواسعة والرحبة، وإنشاء المعاهد التابعة لها للتعليم والتكوين والتأطير. علاوة على ذلك، لابد من توفير المسارح والمتاحف وقاعات السينما، وقاعات للتدريب. وينبغي أن تخضع تلك المركبات الثقافية، في هندستها المعمارية، للخصوصية الحضارية هوية وتأصيلا، وبما ينسجم مع طبيعة المجتمع وحضارته وثقافته وهويته وخصوصياته المحلية والروحية والمعنوية، مع الانفتاح على الحداثة أو ما بعد الحداثة، بشرط الحفاظ على الموروث الأصيل الخاص بالمجتمع. لذا لابد للدولة أو المؤسسات الخاصة أن تدعم، بكل إمكاناتها المتوفرة، ما يقوم على البحث والابتكار والاستكشاف، لأن الإبداع هو أساس النهضة الثقافية الحقيقية، ونواة التميز والتفرد عربيا وعالميا. وبتعبير آخر، ينبغي على الدولة أن تشجع، بكل ما أوتيت من إمكانات وطاقات، مختلف الأنشطة الثقافية ماديا وماليا ومعنويا، من أجل أن ينتج هذا الفعل الثقافي، بواسطة الطاقات الإبداعية المتميزة والعبقرية والذكية، نظريات وممارسات متفردة أو جماعية، أو يقدم لنا إنتاجات إبداعية نموذجية وحداثية، لها قصب السبق محليا أو جهويا أو وطنيا أو قوميا أو عالميا.
يمكن للدولة أن تدخل في شراكات داخلية مع الجمعيات أو المجتمع المدني لتحقيق التنمية الثقافية الشاملة. كما يمكن للمجتمع المدني أن يدخل في شراكات خارجية، بعد استشارة الدولة والتنسيق مع مؤسساتها المعنية، لتحقيق التنمية المجتمعية الشاملة والمستمرة، وتمكينها في المجتمع على جميع الأصعدة والمستويات، وفي مختلف الميادين والمجالات وفنون المعرفة.
تنبني التنمية الثقافية على الإبداع والابتكار والإنتاج، في جميع المجالات والحقول العلمية والمعرفية والأدبية والفنية. وتستلزم المقاربة الإبداعية أن يكون الإنسان المواطن مبدعا، والمجتمع مبدعا، وتساهم المؤسسات الاجتماعية الصغرى منها أو الكبيرة في تحقيق هذه الأهداف باعتبارها واجبا أخلاقيا وإنسانيا ومجتمعيا وقوميا، يلتزم بها الإنسان في حياته اليومية من أجل تحقيق التقدم والتنمية والازدهار.
أن التنمية الحقيقية أو التنمية الشاملة القائمة على العلم والتكنولوجيا، لا يمكن تحقيقها عن طريق نقل التكنولوجيا أو استيرادها جاهزة من الدول المتقدمة، فلابد من الاعتماد على النفس، وتمثل فلسفة الإبداع والتجديد والابتكار. ولا يتأتى ذلك إلا بالمقاربة الثقافية التي تعمل على توعية المجتمع في شتى نواحي الحياة، وتسعى إلى ترقية مستوى الفكر لدى الشعب، وتربية الذوق الفني، وترقية الإحساس الجمالي في التعامل مع الأشياء والمنتوجات الثقافية والفنية والأدبية والتقنية. أن العلم والتقنية الجديدة كلاهما من المكونات العضوية في الثقافة. وهما لا يصبحان مرتبطين اجتماعيا ومنتجين اقتصاديا إلا إذا تم دمجهما في البيئة الثقافية.
في ضوء ما تقدم ومع توفر الإرادة الحقيقية وبوجود البرامج المعدة من جهات رصينة بالإمكان تحقيق التنمية الثقافية عربيا، خصوصا ان العرب يمتلكون تراثا كبيرا، تم نقله الى مجتمعات أخرى، وكان احد عوامل نهضتها الحضارية.