التمني.. ونيل المطالب

مصباح قطب –

انتهى سيل الأمنيات على خير، وتطلع من تطلع الى عام افضل، وتشاءم من تشاءم  ،وها هي الأيام تواصل دوراتها غير عابئة بالجميع. لقد لفت انتباهي قول احد المعلقين الماليين العرب المعروفين منذ ايام ، على صفحات التواصل ، ان الوضع الاقتصادي تعقّد الى درجة لم يعد ينفع معها سوى انتظار فرج رب العالمين.
من الطبيعي ان ننتظر كرم الله وعطفه ولطفه في حالي الضيق والفرج. ومن الطبيعي في كل الأحوال ان نعقلها ونتوكل . غير ان اللافت هنا ان المعلقين ، ومعظمهم من ابناء الطبقة المتوسطة العليا ، أي انهم شريحة حسنة التعليم ولديها القدرة العقلانية على التحليل ، ويفترض انها تملك إرادتها وأدواتها لمواجهة التحديات بما يلزم لها ، قد ذهب بعضهم الى القول بانهم لم يعودوا يملكون إلا الدعاء.
قديما قرأنا عند المقريزي كيف ان المصريين كانوا يدعون الله أيام الاحتلال العثماني قائلين 🙁 يارب يا متجلي اهلك العثماني) . وعندما جاءت الحملة الفرنسية الى مصر أفاق المصريون من غفلتهم ، وعرفوا ان الدنيا تقدمت بينما كانوا غفلا ، وعرفوا ان الطريق الى الدفاع عن ترابهم ووطنهم وعرضهم ومالهم ودينهم هو المقاومة ، ومن هنا كانت ثورتا القاهرة الأولى والثانية ، وتتالت بعد ذلك الصفحات . تملك البلاد العربية إرثا واضحا تعززه خبرات حديثة ، وما زالت ماثلة أمام الأعين والعقول، يقول بأن التواكل شيء والتوكل على الله شيء آخر. وفي هذه الأثناء وفي عالم يموج باضطرابات هائلة لا حل الا الثبات واليقظة وشحذ الهمم.
في العالم الذي نحياه تشتعل الحروب الإلكترونية بين الدول الكبرى الى حد يمكن معه القول بان الصراع العالمي سيتمحور حول تلك النقطة. من يغفل عن ذلك سيدفع ثمنا فادحا. في مثل تلك المعارك لا يجب ان تغفل العقول برهة. الخسارة تتم في واحد على ألف من الثانية ، وتكلفتها افدح من ان يتحملها احد. فماذا اعددنا للأمر؟ وأين عدتنا كعرب؟ . أتصور ان تدعو منظمة الوحدة الاقتصادية العربية او جامعة الدول العربية او مجلس وزراء التكنولوجيا والاتصالات العرب ، بسرعة، الى مؤتمر عربي لتبادل الخبرات ووضع خطط عملية لمواجهة هذا الخطر على الصعيدين القطري والقومي.
في العالم الذي نحياه تندلع حروب العملات فتنسف في طريقها ثروات أمم وتقوى أخرى، تحقق مكاسب هائلة لأطراف وخسائر هائلة ايضا – وبنفس القدر- لآخرين . حروب تستخدم فيها كل الحيل النقدية والمالية والاقتصادية ، وبلا أي التزام بمواثيق دولية فإلى أين تتجه سياساتنا النقدية والمالية وكيف تواجه تلك العاصفة يا ترى ؟ .
من المخاطر او التحديات التي تحدث عنها العقلاء وينتظر العالم اندلاعها في العام الجديد 2017  بأقوى مما كانت حروب الإرهاب على المنشآت النفطية والاقتصادية بغية إلحاق اكبر أضرار ممكنة بالدول المستهدفة. انه خطر آخر يأتي ليعمق من جراح الاقتصاديات العربية المرهقة بانخفاض عوائد النفط وعجوزات الموازنات العامة والديون الخارجية فضلا عن تراجع الاستثمارات. الإرهاب الذي تلقى ضربات حتى من بعض رعاته سابقا سيجن جنونه في 2017 وكما لم يحدث من قبل. لقد خسر الكثير من الموارد، ومن آبار النفط، كما ضاق الحيز أمامه للاتجار بالآثار والأطفال والسلاح وكل ما كانت تطاله يداه. فماذا نحن فاعلون للمواجهة؟  .
تزدد المخاطر بشكل يلح على التعاون والتكامل ولا أقول الاتحاد ، بينما يتعمق في كل دول العالم – ومنطقتنا – منطق: أنا ومن بعدي الطوفان ، وتزداد يوما بعد آخر الميول الانغلاقية والشعبوية والوطنية المتطرفة فكيف نتعامل مع ذلك؟. وأي مخزون من الحكمة يمدنا بما يجب عمله او بالصحيح الذي يحب اتباعه بعيدا عن الاغواء الذي تقدمه الحلول الانسحابية او الفردية. بل ان ما يأخذنا الى أغوار اعقد ان الطبقات الاجتماعية نفسها في حالة سيولة واضطراب شديدين ، وتتعرض الطبقة المتوسطة في كل الدول العربية لضغوط جبارة من نتاج الإصلاحات الاقتصادية ذات الطابع التقشفي ما يجعل قدرة المجتمع على التفاعل والتجاوب مع الإصلاحات بنفس طويل وبثقة اقل يوما بعد آخر . انها لمهمة شاقة على الجميع ان تحتاج الدولة – أي دولة – الى التفاف كل أبنائها حول حد أدنى من السياسات الوطنية والإقليمية ، وفي الوقت نفسه يتشظى المجتمع لحظة بعد أخرى بتأثير الأزمات،  ولم نعد ندري أيهما يسبق الآخر: هل نتوحد أولا ام يتم تقديم حد أدنى من موجبات الرضا والثقة حتى يصطف المواطنون تأييدا لتلك التوجهات أولا ؟ . وقد اختلفت تركيبة النخب في الدول العربية هي الأخرى اختلافا بيننا عما كنت عليه قبل أربعة عقود مضت. كان مجتمع المال والنفوذ والتجارة العربي ذات تكوين خاص بالفعل سواء في تعامله مع مجتمعه المحلي أو المجتمع العربي بعامة. شأنه شأن أي مجتمع “ بزنس” كان يهدف الى تحقيق أعلى أرباح ممكنة، لكن أولياته ظلت داخلية وعربية على وجه العموم. الآن تبدل الحال واصبح هناك تحالفات أقوى عابرة للحدود مع الرأس مال العالمي ..تحالفات لها انعكاسات عويصة على الداخل سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. وإذا كنا قد اعتدنا القول بان المال والسلطة يتساندان فإن المعادلة لم تعد بتلك البساطة ، وقد تدهور الدور الوطني والاجتماعي للرأسمال – أو لعل هذا هو طابع زماننا – بما زاد من العبء الملقى على عاتق الدولة في زمن تنسحب فيه الدولة – كل دولة -، اكثر واكثر، من المجال الاجتماعي ومن النشاط الاقتصادي تاركة الأمر في معظمه للقطاع الخاص طبقا لما يقوله كتاب العولمة الإجباري، فمن أين تأتي بمزيد من الموارد لتعويض غياب دور القطاع الخاص الاجتماعي يا ترى ؟ (لا أعني به العمل الخيري او ما يسمى بالمسؤولية الاجتماعية وحسب ولكن أساسا المساندة العامة والالتزام بالضرائب وسلامة الأداء) .
ورغم كل شيء استطاع عدد ليس بالقليل من الشباب العربي تأسيس وامتلاك شركات صغيرة الحجم عظيمة الأهمية قائمة على مبادرة او فكرة مبهرة وجديدة ، وبينما رحنا نتطلع الى آمال أبعد بنمو تلك الظاهرة ، وتأسيس مجتمع أعمال جديد يعظم المنافع الاقتصادية ويضيف قيمة اكبر الى الموارد المتاحة ، ويفتح بابا التحديث والابتكار واسعا ، اذ بنا نتفاجأ بهجمة شرسة من الشركات العالمية الكبيرة على ذلك النوع من الشركات ، بغية اقتناصه وبطرق يصعب على الشباب الواعد مقاومتها، هو معذور إذن لكن الدولة إجمالا لا يمكن ان تكون معذورة ، حين تهمل معالجة مثل تلك الظاهرة بما يحقق طموحات الشباب من جانب ويبقى على ملكية الشركات وطنية من جانب آخر ، ويحفز آلاف غير الحاليين من أصحاب الأفكار – المحبطين بسبب الأوضاع العامة وفساد البيروقراطية – على فتح شركات جديدة –
إن أخشى ما أخشاه في ظل السيولة الحالية ان تعجز الدول عن المضي قدما في سياسات الإصلاح ، وعن كسب جانب الجماهير معها ، كما أخشى ألا تصبر الجماهير نفسها على ما يطلب منها الصبر عليها ، بسبب الخوف من الغد وضيق المعايش . أوضاع العالم الفائرة مفتوحة على احتمالات شتى. هناك من يتحدث عن حروب تجارية عاتية ، او حتى حروب بالمعنى التقليدي ، وعن مواجهات محتملة بين الصين وأمريكا، ستترك – ان حدثت – آثارا مؤذية على الكافة . هناك من يقول ان عدم اليقين اصبح هو الأصل في السياسات الخارجية والداخلية، بل وفي سياسات الاستثمار والأعمال. هناك من لن يفعل شيئا غير الدعاء ، أو قد يقصر حتى في القيام به ، لكن الأمل ان تقوم فئة من اهل العزم والهمة بما هو أبعد … تدعو الله وتأخذ بالأسباب ، حتى يكون العالم العربي فاعلا في عالمه وليس مفعولا به.آمين .

mesbahkotb@gmail.com