ممارسة النقد الذاتي المعرفي

الســـيد يســــين –
eyassin@ahram.org.eg –

حين تعمقت في بحث سلبيات التجربة السوفيتية اكتشفت أن سماتها الديكتاتورية هي أهون الشرور لأن السبب الأعمق للفشل له في الواقع أسباب فلسفية عميقة أخطرها جميعا إنكار الطبيعة الإنسانية التي تنحو في كل مكان وبدرجات متفاوتة إلى تحقيق الصالح الفردي في المقام الأول قبل تحقيق الصالح الاجتماعي.
يمكن القول إنه استقرت تقاليد فكرية معينة في الثقافات المتقدمة من بينها أهمية ممارسة النقد الذاتي المعرفي الذي يقدم عليه المثقفون عموما والمفكرون خصوصا حين تتبدى لهم أوجه النقض في الإيديولوجيات التي يعتنقونها، والتي تحدد مواقفهم الفكرية واتجاهاتهم السياسية، أو حين تظهر السلبيات الخطيرة في تطبيق هذه الإيديولوجيات.
ومعنى ذلك أن النقد الذاتي المعرفي لإيديولوجية مفكر ما قد يأتي نتيجة تحليل نقدي متعمق لأسس هذه الإيديولوجية، أو بسبب ظهور السلبيات الجسيمة في ممارستها الواقعية.
وحتى لا يكون حديثنا على سبيل التجريد سنتناول بالتحليل النقد الذاتي المعرفي للماركسية باعتبارها الإيديولوجية التي هيمنت على القضاء الفكري العالمي بعد اندلاع الثورة البلشفية في روسيا عام 1917 بقيادة «لينين»، والذي أسس الاتحاد السوفييتي. ومنذ هذه اللحظة التاريخية الفارقة اندلعت ما يمكن تسميته «الحرب الباردة الفكرية» بين الماركسية وأنصارها من ناحية، والرأسمالية وأتباعها من ناحية أخرى سواء على مستوى الدول أو على مستوى نخبها الفكرية والسياسية.
ويمكن القول ان هذه المعركة الشرسة بين الماركسية والرأسمالية استمرت طوال القرن العشرين إلى أن انتهت بالهزيمة الكاملة للماركسية، وخصوصا بعد انهيار الاتحاد السوفيياتي والذي كان المعقل الرئيسي لها نظرية وتطبيقا. ولن تدخل الآن في المناقشة المهمة الخاصة بأسباب الانهيار المتعددة سياسية كانت أو اقتصادية أو ثقافية فذلك يتجاوز حدود مقالنا الوجيز.
ولو تأملنا المعارك الفكرية التي دارت بين الماركسية والرأسمالية لاكتشفنا على الفور أن الممارسة السياسية للماركسية على الطريقة اللينينية وصفت بأنها تطبيق سيئ للنظم السياسية الشمولية التي تلغي الفرد باعتباره فردا له حقوق سياسية واقتصادية وثقافية، كما هو الحال في ظل الرأسمالية وتذيبه في المجموع بحيث يصبح أشبه ما يكون «بترس» في آلة الدولة الاشتراكية الضخمة.
من ناحية أخرى وجهت للماركسية في تطبيقها السوفييتي انتقادات اقتصادية عنيفة على أساس أن «اقتصاد الأوامر» الذي يلغي المنافسة – كما هو الحال في الرأسمالية – نظام فاشل وسيعجز عاجلا أو آجلا عن تنفيذ التنمية المستدامة من ناحية ، وتحقيق التقدم الحضاري من ناحية أخرى .
وقد أتيح لي باعتباري باحثا في العلم الاجتماعي أن أدرس التجربة السوفييتية دراسة عميقة من جانب، وأن أتعمق في دراسة التجربة الرأسمالية – وخصوصا في الولايات المتحدة الأمريكية – من جانب آخر.
وقد سمحت لي القراءات المتعمقة عن كلتا التجربتين – بالإضافة إلى زيارات ميدانية مهمة من خلال المؤتمرات التي حضرتها هنا وهناك أو الحوارات التي نظمتها حين كنت أمينا عاما لمنتدى الفكر العربي (1990-1992) وأهمها الحوار العربي السوفيياتي الأول – أن أمارس نوعا من النقد الذاتي المعرفي وخصوصا فيما يتعلق بإيماني الكامل بالمبادئ الرئيسية للماركسية التي تعمقت في التعرف عليها وأنا في بواكير الشباب من واقع قراءاتي للأدبيات الماركسية باللغة الإنجليزية وأهمها على الإطلاق كتابات «كارل ماركس» «ولينين» و«بليخانوف» وغيرهم من فلاسفة الماركسية.
وكنت قد انجذبت للنظرية للماركسية وذلك في بداية الخمسينيات بحكم انشغالي الشديد بمشكلة العدالة الاجتماعية قبل ثورة يوليو 1952 حين كانت الفروق الطبقية بالغة العمق بين من يملكون ومن لا يملكون في ريف مصر وحضرها مما أدى إلى شيوع الفقر الشديد بين الطبقات الدنيا والوسطى.
غير أن متابعتي الدقيقة للتجربة السوفيتية أقنعتني أن تطبيق الماركسية على الطريقة اللينينية ليست سوى فرض نظام ديكتاتوري على المجتمع يصادر الحريات السياسية للمواطنين، ويصبح الحزب الشيوعي هو مصدر الشرعية ومنبع القرارات الكبرى في المجتمع. وهكذا أصبح ممثلو الحزب الشيوعي في كل مؤسسات الدولة لهم الكلمة العليا حتى ولو كانوا يفتقرون إلى الكفاءات والخبرات اللازمة.
وحين تعمقت في بحث سلبيات التجربة السوفيياتية اكتشفت أن سماتها الديكتاتورية هي أهون الشرور لأن السبب الأعمق للفشل له في الواقع أسباب فلسفية عميقة أخطرها جميعا إنكار الطبيعة الإنسانية التي تنحو في كل مكان وبدرجات متفاوتة إلى تحقيق الصالح الفردي في المقام الأول قبل تحقيق الصالح الاجتماعي.
وقد رجعت إلى مرجع معتمد نشر بالإنجليزية وتضمن كل المراسيم الاشتراكية التي أصدرها زعيم الثورة البلشفية «لينين» توجهت أن المرسوم الأول هو مصادرة الملكية الخاصة مصادرة كاملة، والمرسوم الثاني إلغاء الصحافة الحرة بزعم أنها تعادي الثورة.
وتبين لي أن إلغاء الملكية الخاصة تماما هو السبب العميق وراء الفشل النهائي للتجربة السوفيياتية. وذلك لأنه لا يستطيع زعيم سياسي يتبنى أيديولوجية كالماركسية ويفسرها على هواه ، ليّ عنق الطبيعة الإنسانية وإجبارها إجبارا على العمل مظهريا للصالح العام وإهدار الصالح الخاص تماما. ومن هنا ساد الفساد كل المؤسسات السوفييتية لأن مندوبي الحزب الشيوعي أرادوا تحقيق مصالحهم الذاتية الخاصة ولو على حساب الصالح العام.
وعلى العكس تماما في النظم الرأسمالية التي تفسح المجال واسعا وعريضا لتحقيق الصالح الخاص فإن الفردية المطلقة قضت في التطبيق على العمل للصالح الاجتماعي، ومن هنا سادت الأنانية وانتشر الاستغلال لدرجة أن الغش التجاري أصبح وكأنه مهارة مطلوبة للنجاح!
ومن هنا يمكن القول ان هذا «الحفر الفلسفي» الذي أجريته في عمق الإيديولوجية الماركسية أوصلني إلى أن الموقف المبدئي من «الطبيعة الإنسانية» هو المسؤول في المقام الأول عن فشل التجربة السوفييتية، وهو المسؤول في المقام الأول أيضا عن النجاح الجزئي للإيديولوجية الرأسمالية.
غير أن هذا النجاح الجزئي سرعان ما تبين أنه فشل تاريخي في الواقع لأن عددا من كبار المفكرين الأمريكيين وعلى رأسهم «شومـﭘيتر» في كتابه الرائد «الرأسمالية والديمقراطية والاشتراكية» سبق له منذ الأربعينيات أن تنبأ بسقوط الرأسمالية لسبب عميق مؤداه التناقض الجوهري فيها بين «جماعية عملية الإنتاج وفردية الاستحواذ على الفائض» مما سيجعلها تتفجر من داخلها كنظام اقتصادي.
وهذه النبوءة المبكرة تحققت عام 2008 حين انفجر النظام الرأسمالي الأمريكي وكادت الدولة الأمريكية أن تعلن أمام العالم عن إفلاسها الكامل.
وهكذا يمكن القول ان التحليل الفلسفي المتعمق حول أنسب موقف ينبغي اتخاذه إزاء الطبقة الإنسانية هو الموقف الوسطي الذي يحاول إقامة التوازن بين تحقيق الصالح الخاص وإشباع الصالح الاجتماعي بحيث لا يجور أحدهما على الآخر مع الاعتراف بأن هذا الموقف الوسطي هو أصعب المواقف على الإطلاق لأنه يقتضي المراقبة الدائمة حتى لا تميل الكفة إلى أحد الاتجاهين.
وهكذا يمكن القول ان كلا من أنصار الماركسية وأتباع الرأسمالية عليهم أن يمارسوا النقد الذاتي المعرفي لكشف العيوب الفلسفية العميقة لما يعتنقونه من إيديولوجيات ولا يكتفون فقط بنقد الممارسات السياسية السلبية.