دبليو إس ميرون بعيدا عن العالم وفي قلبه

حوار: إدوارد هيرش –
ترجمة: أحمد شافعي –

ذهبت لزيارة دبليو إس ميرون في بيته بـ هاإيكو في هاواي في أقصى الساحل الشمالي لماوي في منتصف يونيو سنة 1986. يعيش آل ميروِن (وهم وليم وزوجته باولا وكلبهما الصغير ماولي) قرب نهاية طريق ترابي صخري ملتو ينتهي مغلقا بصدع معلق أعلى المحيط الهادي. لديهم ثلاثة أكرات من الأرض يزرعها ميروِن. أرضها بركانية حمراء استهلكتها زراعة الأناناس الاستنزافية منذ خمسين سنة. هو وباولا الآن يرعيان أرضهما رعاية أبوين لأبناء لهم تاريخ مع المرض، صحيح أنهم الآن أصحاء لكنهم بحاجة إلى رعاية مستمرة. وبسبب جهوده هذه، تبدو الأرض حية وخصبة بنباتات محلية، ففيها أشجار ضخمة من المانجو والموز والبايايا، ونخلات شاهقة فلطحت الرياح سعفها، وزهور وردية وصفراء، وخبازيات حمراء، ونبتات جاردينيا بيضاء، وزهور حمراء عملاقة تبدو كأنها منحوتة من الشمع، وعصافير جنة بيضاء، وسرخسيات من كل صنف ولون. هناك حديقة خضراوات واسعة وحوض صغير للنباتات المحلية- منها ما يعد سلالات مهددة بالانقراض في هاواي- يحتفظ بها ميرون في أصص بلاستيكية تحت حماية سقف من سعف النخيل والأسلاك الشبكية.
البيت الذي صمّمه ميرون بنفسه مسيج بأشجار الأوكالبتوس. عالي السقف، ذو أرضية من خشب أشجار الأوكالبتوس، ونوافذ وأبواب جانبية زجاجية. تحيط به أخاديد عميقة ملآنة بنباتات في أصص وقنوات لتغذية للطيور. وثمة إحساس دائم بحضور المحيط الهادي في البعيد.
أثاث البيت في الغالب ينتمي إلى الطراز الريفي الفرنسي (خزانة قديمة، ومائدة طعام خشبية ثقيلة) يذكِّر بالسنين الكثيرة التي قضاها ميرون في ريف فرنسا. وفي جميع غرف البيت تقريبا أرفف خشبية تتكدس عليها الكتب. والكتب نفسها متنوعة تتوزع على مجالات معرفية واسعة، غير أنها في الوقت نفسه تكشف عن اهتمام ميرون الكبير ببوذية الزن، والبيئة (أحصيت ستة نسخ من أمريكا المسمومة، منها خمسة جاهزة لمن يطلبها)، وعلم النبات، والبستنة، والزراعة، والتاريخ- في حياة سكان أمريكا الأصليين وغيرهم من المجتمعات القبلية، وتاريخ هاواي نفسها أيضا. والبيت وما حوله من أرض يمنح إجمالا إحساس عالم كلي كبير محتو.
ولد وليم ستانلي ميرون في نيويورك سنة 1927 ونشأ في يونيون سيتي بولاية نيوجيرزي وكذلك في سكرانتن بولاية بنسلفانيا. أصدر اثني عشر كتابا شعريا حتى اليوم [نشر الحوار سنة 1987]: قناع لجينوس (1952)، والدببة الراقصة (1954) والأخضر مع الحيوانات (1956) وسكران فلورنسا (1963) والقمل (1960) حامل السلالم (1970) الذي نال عنه جائزة بولتزر، وكتابات صحبة لم تكتمل (1973) وزهرة البوصلة (1977)، والعثور على الجزر (1982) وفتح اليد (1983) ومطر في الشجر (1987). يشتهر ميرون بعمله مترجما، فقد نشر ما لا يقل عن خمسة عشر كتابا من الشعر المترجم منها «ترجمات مختارة، 1948 ـ 1968» (1969) الذي نال عنه جائزة بين للترجمة، وترجمات مختارة 1968 ـ 1978» (1979). نشر كذلك أربعة كتب نثرية «أبناء عامل المنجم الشاحبون» (1970)، و«بيوت ومسافرون» (1977) و«أصول بلا أطر» (1982)، و«مناطق الذاكرة: نثر لم ينشر من قبل، 1949 ـ 1982» (1986). ويعمل حاليا على إنهاء ثلاث مخطوطات: كتاب شعري جديد يصدر عن أثينيوم، وكتاب ترجمات من الشاعر الأرجنتيني روبرتو خواروس Roberto Juarroz، وآخر تعاون فيه مع سويكو شيجنماتسو ويضم ترجمات من أعمال أستاذ الزن ومصصم الحدائق الياباني القروسطي ميوسو سوسيكي Muso Soseki وينتظر صدور كليهما عن نورث بوينت. كما أنه يعمل منذ بضع سنوات على العديد من المقالات عن تاريخ هاواي وأثره على الحاضر. عاش ميرون في أماكن عديدة بمرور السنوات- كأسبانيا وإنجلترا وفرنسا والمكسيك وكذلك في مدينة نيويورك، ولكنه مستقر حاليا ـ وبصورة دائمة على ما يبدو- في هاواي.
أجري حوارنا هذا في يومين متعاقبين من يونيو في غرفة مكتب ميرون. وفي كلتا المرتين التقينا في آخر العصر في الساعة التي يدخرها عادة للعمل في الحديقة. كانت الإضاءة في المرتين ساطعة مشعة، والمحيط يلتمع في الخلفية. وفي كلا اليومين كان ميرون حافيا (ومن الأدب في بيوت هاواي أن تترك حذاءك لدى الباب) ويرتدي بنطالا قصيرا من الكاكي، وهذا هو لبسه المعتاد في بيته. هو طويل في اعتدال، ذو شعر رمادي متماوج، وعينين صافيتين حادتي النظرة، وفي التاسعة والخمسين من العمر لا يزال يبدو صبيا بصورة لافتة ووسيما ـ مثالا للشاعر.
• في السنوات الأربع والثلاثين الماضية أصدرت اثني عشر كتاب شعر، وثلاثة كتب نثرية، وما لا يقل عن خمسة عشر كتابا مترجما. ومع ذلك قلت أخيرا إن «الكتابة شيء لا أعرف عنه الكثير». كيف يتأتّي هذا؟
الكتابة التي تعني لي أكثر مما سواها هي التي لا يمكنك أن تتعلمها. فهي دائمة الظهور مما لا أعرف لا مما أعرف. أعثر عليها وأنا في طريقي. بمعنى ما، أغلب ما يمكن تعلمه لا يعدو العادات السيئة. إنك تبدأ طول الوقت من جديد.
• هل تكتب كل يوم؟ نصحك «إزرا باوند» يوما أن تكتب خمسة وسبعين بيتا في اليوم؟ هل اتبعت نصيحته؟
مرون: لم أكتب قط خمسة وسبعين بيتا في اليوم، ولكنني أحاول منذ سنوات أن أحملق في ورقة بيضاء لبعض الوقت كل يوم. هذا يجعل المرء يبدو أقرب إلى مسخ.
• المحاور: كيف هذا؟
مرون: يكون عليك أن تتسم بالقسوة فتزيح من طريقك أي شيء آخر. فعل الكتابة هذا، الذي لا يضمن أي شيء، يغدو ذا أهمية طاغية ودائمة.
• هل لك أن تتكلم عن الترانيم التي كنت تكتبها لأبيك؟ هل كانت تلك أولى قصائدك؟
أفترض هذا. كنت في الخامسة تقريبا حينما كتبتها. كتبتها من تلقاء نفسي، وأحبطني كثيرا عدم إنشادها في الكنيسة.
• لديك وعيك بيئي كبير. متى بدأ؟
ـ حاولت مرارا أن أتبيَّن متى بدأ وكيف. ربما يكون من المستحيل أن أعرف ذلك. فهذه الخصال تأتي قبل أغلب القرارات، في تقديري. لكنني أتذكر أمرين. الأول أنني عشت طفولة مقموعة إلى حد ما. رُبِّيت على أن لا أقول لا لأي أحد، وأن لا أقول لشيء لا يعجبني إنه لا يعجبني، وألا أرد. ولكن ذات يوم، ولا بد أنني كنت في حوالي الثالثة، جاء رجلان وشرعا يقطعان غصون شجرة في الفناء الخلفي، ففقدت أعصابي وخرجت إليهما وانطلقت أضربهما. وأثارت هذه الانفجارة إعجاب الجميع، فقد كانت انفجارة غضب حقيقي، لدرجة أن أبي لم يعاقبني عليها قط. والأمر الثاني أنني كنت مفتونا بالألوان المائية في كتاب عن الهنود فبدأت تعليم نفسي قراءة تعليقات الصور. بدا لي أن الهنود يعيشون في مكان وبطريقة يمثلان لي أهمية هائلة. فارتبط عندي تعلم القراءة ـ وقراءة الإنجليزية بالذات ـ بالرغبة في معرفة الهنود. ولا زلت إلى الآن أكبر على هذا. لم يكتمل كبري قط. كان الهنود يمثلون لي عالما أوسع وأكثر تماسكا من العالم الذي كنت أراه حولي ويسلِّم به الجميع. نشأت وسط مناظر مدينة نيويورك، وكلما كان يسألني أحد عما أريد أن أفعله، كنت أقول الذهاب إلى الريف. وكنت قد ذهبت إلى الريف في صغري فكان الريف هو المكان الذي طالما وددت بعد ذلك أن أرجع إليه. لا أتذكر منشأ ذلك، ولكنني على يقين من أنه شديد القدم. شعوري ذلك تجاه الريف جعلني أطرح أسئلة أفترض أنها غريبة على كثير من المعاصرين لي، ولكن غرابتها تقل وتقل بازدياد جسامة المأزق الذي تعيشه سلالتنا. في طفولتي، كان لدي خوف سري ـ وكابوس متكرر- من أن يصبح العالم كله مدينة، فيكتسي كله بالأسمنت وتمتلئ الشوارع بالعمارات. ولا يبقى ريف. ولا تبقى غابات. لا يبدو ذلك العالم بعيدا، ولكنني لا أعتقد أنه قادر على البقاء، ومن المؤكد أنني لن أرغب أن أعيش فيه.
• كان والدك قسا مشيخيا. هل تعتقد أنك ورثت عنه دافعا مشيخيا إلى تحسين العالم؟
لا أعتقد أن الأمر كان دافعا إلى تحسين العالم. بل دافع إلى حب واحترام شيء في العالم بدا لي أجمل وأندر وأبهى من قدرتي على الوصف، وبدا لي في الوقت نفسه معرضا لخطر الإهمال والهلاك. أعتقد أنني شعرت بذلك وأنا طفل صغير للغاية. وإن كنت لا أعرف إلى أي مدى أدين في ذلك لأبي أو عائلته. لم يبد لي العالم المحيط بي مشبعا. كان في عالم الشوارع والأرصفة والأسمنت شيء ناقص، وكان لي دافع هائل إلى زرع النباتات والأشجار، ولا أزال أفعل ذلك إلى الآن. أتذكر سيري في شوارع نيويورك ونيوجيرزي قائلا لنفسي، على سبيل الطمأنة، إن الأرض موجودة بالفعل. حاولت أن أتكلم أو أكتب في ذلك، وأشعر أنني لم أبدأ بعد. ولكن ذلك الجوع، وتلك الحالة الاستوائية، شيء لا أعتقد أن لنا حياة بدونه، وإن لم ندرك مدى ما نفقده، وإن لم يدرك أكثرنا بذلك. نحن الآن نفقده. نحن الآن محرومون من شيء ضروري.
• أهي رابطة عميقة بالعالم الطبيعي؟
– الرابطة قائمة- دماؤنا مرتبطة بالبحر. إنما الأمر هو معرفة تلك الرابطة. والإحساس بأننا مرتبطون ارتباطا حميميا مطلقا بكل شيء حي. لسنا مرغمين أن نكون عاطفيين تجاه الأمر، أو ورعين، ولكن ليس بوسعنا أن ندير ظهورنا للحقيقة فننجو بذلك. نحن عندما نحطِّم ما يقال له العالم الطبيعي من حولنا، إنما نحن ببساطة ندمر أنفسنا. وأعتقد أن هذا أمر غير قابل للإصلاح.
• هل ترى رابطا بين الشعر والصلاة؟
ـ أعتقد أن الإجابة اليسيرة هي نعم، حتى لو أن السبب هو اعتقادي بأن الشعر سعي إلى استعمال اللغة في أكمل صورة ممكنة. ولو أنك راغب في ذلك فمن الواضح أنك لا تنشغل باللغة كزخرف، أو اللغة كتسلية، برغم أنك بالتأكيد تريد من اللغة أن تكون ممتعة. والمتعة بعض الكمال. أعتقد أن للشعر علاقة بكمال الحياة، وكمال علاقة المرء مع تجربته، وإكمال المرء تجربته، واستيضاحه إياها، وفهمه لها.
• ماذا عن أثر الزن على عملك؟
– عندما تتكلم عن الصلاة بالمعنى اليهومسيحي، فالصلاة عادة ما تقام وكأنها نوع من العمل الثنائي. إذ أنك تصلي لشخص ما من أجل شيء ما. الصلاة بالمعنى الغربي غالبا ما تقام بوصفها إقامة رباط. لا أعتقد بضرورة إقامة هذا الرباط، لأنه قائم أصلا. لعل للشعر علاقة بإدراك ذلك الرباط، لا بمحاولة إقامة شيء غير موجود.
• في قصيدتك التذكارية إلى جون بيريمان، تتذكر قائلا إنه «اقترح أن أصلي لربة الشعر/‏‏ أن أجثو على ركبتيّ وأصلي/‏‏ هناك في الركن وقال/‏‏ إنه يعني ما يقول». ما رأيك في النصيحة؟
ـ أعتقد أنها نصيحة ممتازة. كتابة الشعر ليست بأي حال عملا عمديا تملك عليه سيطرة كاملة. من المهم أن ندرك أن الكتابة واقعة تحت رحمة مختلف أشكال القوى، وأن من هذه القوى ما لا تعرف عنه أي شيء على الإطلاق. يمكنك أن تصفها بأنها أجزاء من ذاتك إن شئت، وقد تكون كذلك، ولكن هناك طرقا كثيرة لوصفها وهي لا تقل جودة، إن لم تفضلها: ربات الشعرـ اللاوعي الجمعي. طرق أكثر إيحاء، ومن ثم أكثر دقة. كل وسيلة تستفز هذه القوى جيدة، في حدود ما يعنيني.
• ما الذي تعلمته من بيريمان وأنتما طالبان جامعيان في برينستن؟
ـ حاولت أن أضع بعض ذلك في القصيدة التي كتبتها عنه، بعض الإرشادات التي كان يقولها لي. العناد كان من تلك الإرشادات. علمني شيئا عن التعامل مع الشعر بمنتهى الجدية. كان بالقطع أحد أذكى شخصين أو ثلاثة أشخاص بين جميع من عرفت، وكان إحساسه باللغة قويا وينطوي على زخم هائل. وسلامته كانت مطلقة. كان رجلا غريبا، لكن تفانيه كان أشبه بلهب مصفى لا ينطفئ، فكان مثالا عظيما بالنسبة لي.
• كتبت سيرة محبة للغاية عن آر بي بلاكمير R. P. Blackmur بعنوان «المختلف حلو المعشر». هل كان قدوة لك ككاتب ومفكر؟
ـ هذا رجل أجلّه. كان بالنسبة لي مرشدا وأبا، ولكن العلاقة بيننا لم تكن حميمية، وكان فيها قدر كبير من الرهبة. أعتقد أن بلاكمير كان لديه من نواح عديدة ذكاء أدبي لم أعرف مثيلا له في فتنته. كان كذلك ناقدا من نوع جليل ولم يكن يقصد من آرائه خدمة نفسه. كان يرى الناقد بيتا شاغرا في انتظار ساكنه. مرت سنوات طويلة ولم أعد قراءة مقالاته، ومع ذلك فقد قال فيها أشياء وذكر فيها مواقف كان هو نفسه تجسيدا لها، فلم أنسها قط. أعرف أنه كان لديه قلق عميق ومع ذلك فقد كان على قدر عظيم من الاستقلال. كان وجوده مطمئنا لي. كان يشجعني على الإيمان بأن توقي البالغ إلى الاستقلال أمر لا بأس به.
• كان يشجعك إذن على اتباع طريقك الخاص؟
ـ أعتقد أنه فعل ذلك مع كثيرين. لا أعرف كم واحدا امتثل لنصيحته. أعتقد أنني حتى لو لم أمتثل لنصيحته لما كنت انسجمت في الوسط الأكاديمي. أنا عموما لا أرتاح إلى المؤسسات طويلا. تصيبني بالتوتر. كأنها زنازين للحبس الانفرادي.
• من أول الشعراء الذين عرفتهم من مثل عمرك؟
ـ يعني، عرفت جالاواي كينيل في الجامعة، جامعة برينستن، ولكننا لم نقرأ قصائد أحدنا الآخر كثيرا. جيمس ميريل جاء مرة ليرى بلاكمير. لم أعرف شعر المعاصرين لي كثيرا إلا بعد أن رجعت من إنجلترا وأقمت في بوسطن. كنت تقريبا في الثلاثين.
• فكنت إذن قد تكونت كشاعر إلى حد ما؟

– إلى حد ما. حتى ذلك الحين كان التأثير الأكبر عليّ هو تأثير باوند وجميع شعراء جيله، القامات الكبرى في ذلك الجيل. وباوند وجَّهني إلى الشعر القروسطوي.
• يبدو كثير من شعرك الأول متبعا البرنامج الباوندي. إلى أي مدى كان مثالا مركزيا بالنسبة لك؟
ـ كان في غاية الأهمية. أُذُن باوند كانت إلهاما لي وأنا في الثامنة عشرة والتاسعة عشرة. أعني أنني كنت أستمع فعلا إلى شيء شديد الوضوح حينما أقرأ شعره. شعراء كثيرون بعد باوند سمعوا في شعره شيئا نقيا ونافذا. أنا شخصيا لا أقبل كثيرا من الأساطير المحيطة بباوند. حاولت. أهمية باوند لدي تجعلني راغبا في الإعجاب به. رسوخ أعماله الفكري أمر لم أعد قادرا على الإيمان به. أعتقد فعلا أنه كان فوضويا للغاية، ومشتتا، ومضطربا. لا أعتقد أن ما استنبطه هيو كينر وآخرون من كتابات باوند يمثل إضافة إلى الكمال المعماري الأصيل البصير في هذه الكتابة. في لحظة أراه فاتنا، في التالية لها أراه محبطا، ومثيرا للغضب في أغلب الحالات. مثال الكتابة من وحي ما تسمع لا من وحي رأيك كان أمرا طريفا، لقد كان رجلا شديد العناد، وذلك هو الجانب الذي راقني فيه. أتصور أنه كان أشد استثنائية في ما يفعله مني في ما أفعله الآن. الآن أشك أن جميع الشعراء ينطلقون مما يسمعون. ويبقى تفاني باوند في الشعر واللغة وأذنه التي لا مثيل لها.
• هل تحب أن تتكلم عن زيارتك التي اعتبرتها حجًّا إلى باوند في مستشفى سان إليزابث في الأربعينات؟
ـ كنت مقيما مع أصدقاء في واشنطن، وفي إجازة عيد الفصح، ذهبت لزيارته. استقبلني في عنبر مفتوح يتجول فيه من يفتحون الطرادات في مراحيض خيالية. كان جالسا في مقعد عميق فاردا ساقيه. كنت في الثامنة عشرة، ولم يكن لدي كثير أقوله لباوند، فحكى لي كل شيء عن كيفية كتابته النشيد المائة وموعد انتهائه منه، وكيف أنه باكتماله استقر كل شيء في موضعه، وما إلى ذلك. كان ذلك أشبه بوضع حجر الوسط في قنطرة، أو العارضة أعلى العتبة. وكان كريما فكتب لي بطاقات بريدية بعد ذلك. كتب يقول لي «اقرأ البذور لا الغصون. إ. ب.». وأسدى لي نصيحة بسيطة عن الترجمة، وكيفية التعامل معها بجدية على سبيل التدريب، وعن تعلم اللغات ومحاولة الوصول إلى أقرب ما يمكن من معنى الأصل وشكله. لم أعرف ما الذي كان يقصده بكثير من ذلك إلى أن بدأت الممارسة بالفعل، وحاولت أن أعمل بما قال.

يتبع
نشر الحوار في مجلة ذي باريس ريفي، عدد 102، ربيع 1987، وهو الحوار الثامن والثلاثون في سلسلة فن الشعر