واقعية فلسطينية .. ومصير غامض لمسارات التسوية

العزب الطيب الطاهر –

,, خلال الأشهر الماضية وضعت اللجنة الوزارية الرباعية المعنية بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي برئاسة سامح شكري وزير الخارجية المصري نصب أعينها الانتهاء من صياغة ملامح مشروع قرار لمجلس الأمن لإدانة الاستيطان ووقفه في الأراضي الفلسطينية، وذلك استجابة لطلب دولة فلسطين التي كانت تلح في هذا الاتجاه سعيا لوقف نزيف الأراضي المحتلة بما في ذلك القدس التي تخضع لمشروع نتانياهو الاستيطاني ,,  وفي هذا السياق عقدت اللجنة -والتي تضم وزراء خارجية فلسطين والأردن والمغرب الى جانب الأمين العام لجامعة الدول العربية في الثالث من أكتوبر الماضي سلسلة من الاجتماعات كان آخرها الذي عقد في التاسع عشر من شهر ديسمبر الماضي والذي تقرر فيه تكليف المجموعة العربية في نيويورك للعمل مباشرة طرح مشروع قرار في مجلس الأمن لتجديد الإجماع الدولي ضد سياسة ونشاط الاستيطان الإسرائيلي في أرض فلسطين المحلتة عام 1967 بما فيها القدس الشرقية ويشمل أسس حل القضية الفسلطينية بشكل عادل وشامل. وبعد ذلك بأيام معدودة – تحديدا يوم الجمعة قبل الماضية 30 -12 – 2016 – أثمرت الجهود العربية في الدفع بمشروع القرار الى مجلس الأمن عبر أربع من الدول الأعضاء فيه وهي ماليزيا والسنغال ونيوزيلندا وفنزويلا والتي التقطت اللحظة التاريخية بعد سحب مصر مشروع القرار ذاته يوم الخميس 29 – 12 – 2016 ، في ضوء المعلومات التي كانت متاحة أفادت بأن واشنطن لن تلجأ الى استخدام حق النقض – الفيتو- وإن كانت المندوبة الأمريكية لدى الأمم المتحدة قد تبنت قبل التصويت سياسة الغموض فلم تفصح عما إذا كانت ستتجنب استخدام الفيتو أم ستقوم باستخدامه وهو ما أعطى أملا بإمكانية عدم اللجوء الى هذا الحق الذي ما فتئت الولايات المتحدة تستخدمه على مدار العقود المنصرمة فقد لجأت اليه في تاريخها “79” مرة،منها 41 لصالح إسرائيل ومصالحها و33 ضد القرارات الفلسطينية وهو ما شكل مؤشرا قويا على أن الولايات المتحدة تلقي بكامل ثقلها خلف دولة الاحتلال وتجلت المفاجأة في تمرير مشروع القرار بإجماع 14 عضوا بمجلس الأمن مع امتناع المندوبة الأمريكية عن التصويت ، ما شكل تحولا نوعيا في مسار القضية الفلسطينية
وإن كانت المعضلة تكمن فيما إذا كان المجلس قادرا على تطبيق القرار أم أنه سينضم الى سلسلة طويلة من القرارات التي أصدرها ضد إسرائيل ، وما زالت حبيسة ملفاته ولم تخرج الى النور؟ ولعل الرئيس الفلسطيني أبو مازن الذي على الرغم مما أبداه هو ومعاونوه من ابتهاج بالقرار كان الأكثر استيعابا لتداعيات هذا القرار ما جعله يحرص على التعبير بأنه يمثل انتصاراً معنوياً فقط ، ممّا يعني بأن هناك إقراراً منه بأن هذا القرار غير قابل للتنفيذ عملياً ولا يتمتع بصفة الإلزام محاولاً بذلك تهدئة الأجواء المتوترة التي أحاطت بهذا القرار، وفي الوقت ذاته توجيه رسائل سياسية للحث على فتح الباب مجدداً أمام المفاوضات! حيث قال: إن هذا القرار لا يعني أن القضية قد حُلَت، وإنما ذلك يعني أن الباب قد فُتِحَ من أجل المفاوضات ومن أجل السلام ومن أجل الوصول إلى حل الدولتين دولة فلسطينية على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية ، ودون القدس لا توجد دولة فلسطينية في رسالة سياسية منه – تحديدا – إلى الرئيس المنتخب دونالد ترامب الذي عبر أثناء حملته الانتخابية عن عدم ممانعته للاستيطان في الأراضي الفلسطينية وعن نيته نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس التي يرى أنها يجب أن تكون موحدة كعاصمة لدولة إسرائيل . وحظي طرح أبو مازن بإسناد عربي تجلى في تأكيدات جامعة الدول العربية التي جاءت على لسان أمينها العام أحمد أبو الغيط في ضرورة أن يولد هذا القرار زخما وقوة دفع يسمحان بأن تشهد الفترة القريبة المقبلة تكثيفا للاتصالات الرامية لدفع الجانب الإسرائيلي للالتزام بما جاء في هذا القرار وأيضا بمختلف القرارات الدولية ذات الصلة بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وبالتوصل إلى حل شامل وعادل للقضية الفلسطينية، وهذا يعني – وفق منظوره – أن قرار مجلس الأمن يشكل خطوة أولى ضرورية نحو استئناف العملية السلمية انطلاقاً من مبدأ الأرض مقابل السلام وعلى أساس المُبادرة العربية للسلام والقرارات الدولية ذات الصِلة.
بيد أن ذلك يتطلب الإعلان عن مرجعيات العملية السلمية من جانب المُجتمع الدولي بحكم أن ذلك مرتكز أساسي يُعد لا غنى عنه من أجل وضع التفاوض بين الفلسطينيين وإسرائيل على المسار الصحيح، وفي الآن نفسه فإنه من الضرورة بمكان – كما يضيف-أن يتواصل الإجماع الدولي الرافض للسياسات الإسرائيلية خلال الفترة القادمة وأن يتكلل بالإعلان عن مُحددات ومرجعيات التسوية النهائية خلال مؤتمر باريس الدولي للسلام المُزمع عقده منتصف يناير الحالي،حيث أنه لا ينبغي تفويت الفُرصة التي ولدها الزخم الإيجابي الحالي ، ومن ثم يتعين العمل بكل سبيل ممكن من أجل التوصل إلى تسوية شاملة ونهائية تقود إلى إقامة الدولة الفلسطينية المُستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية .
وتطرح هذه المعطيات على الرغم مما تجسده من إشارات إيجابية عدة إشكاليات يأتي في صدارتها أنه – القرار – لا ينطوي على إجراءات تنفيذية ولا يدعو إلى فرض عقوبات على الدولة القائمة بالاحتلال وبالاستيطان ، الأمر الذي يجعل قيمته معنوية وإن كان يتيح ضمنا ملاحقة المنتجات التي تصدر عن المستوطنات بوصفها غير شرعية ، ويمكن ملاحقة ساكني هذه المستوطنات أو عسكرييها واتهامهم بانتهاك القانون الدولي ،كما يمكن للسلطة الوطنية الفلسطينية أن تبني عليها انتصاراً معنوياً لطالما انتظرته، لذلك ليس بمستغرب أن يؤكد أبو مازن أن ما بعد القرار 2334 – رقم قرار وقف الاستيطان – ليس كما قبله ، وبالتالي فهو يعطي الفلسطينيين حقاً قانونياً لطالما انتظروه.
والإشكالية الثانية تتمثل فى أن كل الإدارات الأمريكية كانت ترى الاستيطان غير شرعي في الأراضي المحتلة عام 1967،وأن تسوية الحدود بين الفلسطينيين و«الإسرائيليين» أمر يقرره الطرفان على طاولة المفاوضات، وبالتالي فإن امتناع إدارة أوباما في أواخر أيامها عن التصويت على القرار عوضا عن استخدام الفيتو لا يعني أنها ستتخلى عن حليفها الاستراتيجي الحقيقي في المنطقة وهو إسرائيل وهو ما يعني أنها لن تلجأ الى ممارسة الضغوط على الجانبين لاستئناف مسار المفاوضات المتوقفة منذ عام 2014 بل ستظل تبعث برسائل غير حقيقية وغير جادة في الوقت نفسه وهو ما بدا واضحا في خطاب جون كيري وزير الخارجية الأمريكي مساء الأربعاء الماضي والذي كرر فيه التشديد على حل الدولتين بحسبانه «السبيل الوحيد الممكن لإقامة سلام عادل ودائم بين الإسرائيليين والفلسطينيين» لكنه رغم لهجة بدت نوعا ما متشددة تجاه إسرائيل لم يتضمن الخطاب تصورات عملية ، بل إنه واقعيا غير قابل للتطبيق لاسيما أنه هو ورئيسه باراك أوباما وكل إدارته سيغادون السلطة في العشرين من يناير الجاري لتتسلمها إدارة ترامب الراعي الجديد بقوة لدولة الاحتلال والاستيطان، والأهم من ذلك أن نتانياهو نفسه رفض مضمونه ووصفه بـ «المنحاز» ضد إسرائيل، في حين أن أبو ما زن سارع في تعقيبه على الخطاب بإبداء الاستعداد لاستئناف مفاوضات السلام إذا أوقفت الحكومة الإسرائيلية الأنشطة الاستيطانية ، وهو أمر لن يتحقق ما دام قرار مجلس الأمن صدر، بمنأى عن البند السابع لميثاق الأمم المتحدة الذي يتيح للمجلس استخدام القوة لتطبيقه وهو أمر ما كان للإدارة الأمريكية أن تمرره أبدا على هذا النحو وأظن أن تمريره بالصيغة التي ظهر بها كان نوعا من ذر الرماد في العيون ليس أكثر، ومجرد تعبير عن شعور بصحوة ضمير متأخرة لأوباما بالذات الذي حمل على عاتقه منذ مجيئه للبيت الأبيض في العام 2008 حل الدولتين، وتعهد في خطاب شهير بجامعة القاهرة بإنهاء القضية الفلسطينية وفق محددات هذا الحل، غير أنه ظل على مدى فترتي رئاسته يتمتع بقدر كبير من الكلام، وإن اتخذ أقدم خطوة على الفعل في الاتجاه الصحيح، فإنه كان يتراجع عشرات الخطوات،ويكفيه فخرا أنه منح دولة الاحتلال والاستيطان صفقة أسلحة في عام رئاسته الأخير بقيمة 38 مليار دولار، وبالطبع فإن ترامب سيأتي ليضيف المزيد الى رصيدها من الإسناد السياسي والاستراتيجي، ما يؤشر بوضوح الى دخول عملية التسوية بالنسبة للقضية الفلسطينية الى دائرة الغموض على نحو لا يسعف أحدا بالتكهن بمساراتها .