الدول العربية في مؤشر الابتكار العالمي 2016

حيدر بن عبد الرضا اللواتي –

حصلت معظم الدول العربية على نقاط تقل عن 40 نقطة من 100 نقطة في مؤشر الابتكار العالمي لعام 2016، حيث احتلت دولة الإمارات العربية المتحدة المرتبة الأولى عربيا والـ41 عالميا بحصولها على 39.35 نقطة فيما جاءت السعودية في المرتبة الثانية عربيا والـ49 عالميا بحصولها على 37.79، بينما جاءت دولة قطر في المرتبة الثالثة عربيا والـ50 عالميا بحصولها على 37.47 نقطة، ثم البحرين في المرتبة الرابعة عربيا والـ57 عالميا، ثم الكويت الخامسة عربيا والـ67 عالميا، تليتها لبنان في المرتبة الـ70 عالميا ثم المغرب في المرتبة الـ72 عالميا. أما السلطنة فقد جاءت في المرتبة الثامنة عربيا والـ 13 على المستوى الإقليمي والـ73 عالميا بحصولها على 32.21 نقطة. وهي بالتالي تقدمت 7 درجات في التصنيف العالمي لمؤشر الابتكار العالمي لهذا العالم مقارنة بمؤشر العام الماضي.
وقد أظهر مؤشر الابتكار العالمي لعام 2016 الذي أطلق مؤخرا في المقر الأوروبي للأمم المتحدة بمدينة جنيف تصدّر سويسرا عالميا في المؤشر، تليها السويد في المرتبة الثانية، ثم بريطانيا ثم أمريكا، وحلت فنلندا في المرتبة الخامسة ويقيس مؤشر الابتكار العالمي بنسخته لهذا العام أداء 128 بلداً واقتصاداً في مجال الابتكار، تمثل النسبة العظمى من قوة العمل العالمية والناتج المحلي الإجمالي العالمي، وذلك استناداً إلى 82 مؤشراً فرعياً، بما يسهم في تحسين طريقة قياس الابتكار وفهمه بوصفه محركاً للنمو والازدهار الاقتصادي. ويلقي تقرير مؤشر الابتكار العالمي 2016 الضوء على استكشاف الحصة المتنامية للابتكار المُنجز من خلال شبكات الابتكار العالمية. ويفحص استناداً إلى مجموعة وافية من البيانات، الطريقة التي يمكن أن يساعد بها الابتكار على إنعاش حركة الاقتصاد العالمي المتباطئة، باعتباره مصدراً للإنتاجية والنمو في المستقبل.
ويصدر التقرير عن جامعة كورنيل والمعهد الأوروبي لإدارة الأعمال (الانسياد) والمنظمة العالمية للملكية الفكرية (الوايبو). ويقول المدير العام للوايبو فرانسس غري أن الاستثمار في الابتكار أمر ضروري للنهوض بالنمو الاقتصادي على المدى البعيد. ففي ظلّ المناخ الاقتصادي الحالي، يعد الكشف عن مصادر نمو جديدة والاستفادة من الفرص التي يتيحها الابتكار العالمي أولويات بالنسبة إلى كل أصحاب المصالح. ومن بين الأوائل في مؤشر 2016، تحتل 4 اقتصادات لكل من اليابان والولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وألمانيا الصدارة من حيث جودة الابتكار، وهو مؤشر من المستوى العالي يراعي حجم الجامعات وعدد المنشورات العلمية وإيداعات البراءات الدولية، فيما انتقلت الصين إلى المرتبة الـ17 من حيث جودة الابتكار، بما يجعلها في مقدمة الاقتصادات المتوسطة الدخل فيما يخص ذلك المؤشر، متبوعة بالهند التي تجاوزت البرازيل. كما يشير سوميترا دوتا عميد كلية الأعمال بجامعة كورنيل وأحد المشاركين في وضع التقرير، إلى أن الاستثمار في تحسين جودة الابتكار أمر ضروري لسدّ الفجوة القائمة في مجال الابتكار. وفي الوقت تسعى فيه المؤسسات إلى إقامة الإطار الأساسي الذي يدعم ذلك الاستثمار والابتكار فانه لا بد للاقتصادات التركيز على إصلاح التعليم وإنماء قدراتها البحثية للتمكن من منافسة غيرها بنجاح في عالم سريع التغيّر تسوده العولمة.
وقد اتخذ المؤشر هذا العام شعارا هو أن (جني الأرباح من الابتكار العالمي)، حيث يستكشف التقرير الحصة المتنامية للابتكار المنجز من خلال شبكات الابتكار العالمية، مستنتجا أن المكاسب المحققة بفضل الابتكار العالمي يمكن تقاسمها على نطاق أوسع بالنظر إلى تزايد تدفقات المعارف والمواهب عبر الحدود، كما يستنتج التقرير أن ثمة الكثير من الفرص السانحة لتوسيع نطاق التعاون في مجال البحث والتطوير بين الشركات والمؤسسات العامة بغرض تعزيز النمو الاقتصادي في المستقبل. وفي هذا الصدد يؤكد برونو لانفان المدير التنفيذي المسؤول عن المؤشرات العالمية بالانسياد وأحد المشاركين في وضع التقرير على أن البعض يمكن أن ينظر إلى العولمة كظاهرة تسعى إلى الانتعاش، ولكن التقلّص النسبي الذي تشهده تدفقات الأنشطة التجارية والاستثمارية العالمية يعطي المزيد من الأهمية الاستراتيجية لجانبي الابتكار العالمي كليهما، فيلاحظ من جهة، تزايد عدد البلدان الناشئة التي تتحول إلى بلدان مبتكرة ناجحة، ويلاحظ من جهة أخرى، تعاظم حصة منافع الابتكار المحصلة من التعاون العابر للحدود.
ويتناول التقرير الوضع على الصعيد الوطني ويشير إلى لزوم أن تدعم سياسات الابتكار، بشكل صريح التعاون الدولي ونشر المعارف عبر الحدود، كما يشير إلى ضرورة أن تسعى هياكل الحوكمة الدولية الجديدة إلى زيادة نقل التكنولوجيا إلى البلدان النامية ونشرها بين تلك البلدان. ويقول جوهان أوريك، الشريك الإداري في شركة كراني المساهمة في المؤشر، لقد أصبحت الرقمنة المحرّك الأساسي لتطوير الاستراتيجيات وإنجاز الابتكارات لفائدة الأعمال في كل القطاعات تقريبا، مقتنعا بأنه يكمن التحدي المطروح، لا سيما أمام المنظمات القائمة في إيجاد السبل التي تتيح الابتكار الناجح باستخدام الموارد والممارسات الموجودة وتحويلها، وإحراز النجاح في المشهد الحالي الجديد الذي يتطلب استراتيجيات تفكير استباقية مبتكرة تتبنى الرقمنة وتستجيب لضرورة تغيير أساليب العمل الأساسية في الشركات.
وفي السنوات الأخيرة انضمت الصين إلى المؤشرات الدولية وإلى قائمة الاقتصادات الأكثر ابتكارا، حيث يمثّل انضمامها إلى قائمة الـ25 الأوائل أول مرة، باعتبارها بلدا متوسط الدخل وإلى اقتصادات بالغة التطور. وقد ظلت تحتل الصدارة باستمرار في مؤشر الابتكار العالمي (المؤشر) طيلة السنوات التسع التي استقصى فيها القدرات الابتكارية لأكثر من 100 بلد في كل أرجاء العالم. والتقدم المحرز من قبل الصين إنما يبين تحسن أداء الصين الابتكاري فضلا عن اعتبارات منهجية أخرى مثل تحسن مقاييس الابتكار في المؤشر. وبالرغم من الصعود الذي حققته الصين، لا تزال هناك فجوة ابتكارية قائمة بين البلدان المتقدمة والبلدان النامية، ومنها معظم الدول العربية، وسط تزايد وعي واضعي السياسات بالأهمية التي يكتسيها تعزيز الابتكار بالنسبة إلى اقتصاد يتسم بالنشاط والتنافس. وكما هو معروف فان الابتكار يقتضي استثمارات متواصلة. فقبل أزمة عام 2009، كانت نفقات البحث والتطوير تنمو بوتيرة سنوية قدرها 7%. ويشير مؤشر 2016 أن تلك النفقات لم تنمُ على الصعيد العالمي سوى بنسبة 4% في عام 2014. وكان ذلك نتيجة تباطؤ النمو في الاقتصادات الناشئة وتقلص ميزانيات البحث والتطوير في الاقتصادات المرتفعة الدخل مما يظل مصدرا للقلق.
ولقد أشار التقرير العربي للتنمية المستدامة عند استعراضه لمؤشر التنافسية إلى أن الاستثمار الأجنبي المباشر يجلب تكنولوجيات وطرقا جديدة لتنظيم الإنتاج، حيث ارتفعت النسبة الصافية للاستثمار الأجنبي المباشر الوارد إلى المنطقة من الناتج المحلي الإجمالي. كما يتأثر النجاح بسلسلة الإصلاحات بشكل خاص بسرعتها، وتستدعي الاستدامة مراعاة ظروف الأجيال القادمة. ويتطلب من الدول العربية وضع استراتيجيات قطاعية متوسطة الأجل، وتستند تلك الرؤى الوطنية إلى ركائز محددة، وإلى مواضيع أهداف التنمية المستدامة كمرجعية لاستعراض التقدم نحو صون كرامة الإنسان ورفاهه في البلدان العربية، ومتطلبات تحقيق التنمية المستدامة في هذه المنطقة المضطربة. كما يتطلب الأمر القضاء على النزاعات الجارية، وتقوية مقوّمات الحوكمة وحقوق الإنسان والمؤسسات، وزيادة في قدرات التمويل والعلوم والتكنولوجيا والتجارة والإحصاء، بالإضافة إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة حيث يقتضي الأمر اتخاذ إجراءات عاجلة على المستويين الوطني والإقليمي، ووضع خطط متكاملة على المدى الطويل تستند إلى الوقائع وتوظيف استثمارات لمعالجة أسباب انعدام الاستقرار الذي تعيشه المنطقة.
إن الابتكار كما يؤكد الخبراء لم يعد يُنجز بشكل انفرادي، فهو الآن يعبر الحدود ويعتمد على التعاون بين كيانات مختلفة لتهيئة أفق مربح للجميع. وبالتالي فان جميع الدول العربية عليها أن تنتهج استراتيجية عالمية من أجل ريادة الابتكار على الصعيد الدولي، وجلب المزيد من الراحة والارتياح والسعادة في آخر المطاف للجميع. ‏ويؤمن شركاء المعرفة بالدور الذي يلعبه الابتكار في زيادة القدرة التنافسية للدول وتمكين النمو الاقتصادي ودفع التغييرات المجتمعية وبناء أسس مستقبل البلدان.