الإسكندرية ماريا وترابها زعفران

يوسف القعيد –
ما زلنا مع كتاب يوآخيم سارتوريوس الإسكندرية سراب الذي ترجمه عن الألمانية: فارس يواكيم. وراجعه: الدكتور خزعل الماجدي. ونشرته مؤسسة محمد بن راشد المكتوم ضمن سلسلة لنشر ترجمات إلى اللغة العربية في مشروع تحت عنوان: شرق غرب للنشر.
الكتاب كبير ويحوي الكثير من الموضوعات التي يجمع بينها أنها جميعا مكتوبة عن الإسكندرية. القسم الأول عنوانه: الإسكندرية أسطورة أدبية نقرأ فيه لجوستاف فلوبير الروائي الفرنسي المهم صاحب الرواية الأشهر: مدام بوفاري، له كتاب عن مصر. أخذوا من الكتاب الفصل الذي كتبه عن الإسكندرية. وعنوانه: الوصول إلى الإسكندرية. أما فيليو توماسو مارتيني فقد كتب: سحر مصر. وجوزيبي أونغارينتي ترجموا له 6 قصائد عن مصر.
أندرييه جيد الروائية الفرنسية من أصول مصرية ترجموا لها: دفاتر مصرية. وكونستنتيوس كفافيس. له 6 قصائد مترجمة. وكأن هناك حرصا على رقم 6 في عدد القصائد.
الروائي العالمي المعروف لورانس دارييل الذي عاش في الإسكندرية فترة من الوقت، وله رباعية شديدة الأهمية عن مدينة الإسكندرية نشروا له في هذا الكتاب رسائله التي كتبها من الإسكندرية إلى هنري ميللر. أما الروائي إي إم فورستر فقد ترجموا له مقاله: ثقافة البطالسة. وابن جبير نشروا له تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار. وفرانسوا رينييه دو شاتوبريان كتب: رحلة من باريس إلى القدس. والكتاب لا يهتم فقط بكتابات كبار الكتاب عن الإسكندرية. لكنه ينشر بطاقات بريد وصورا من الإسكندرية أرسلها من أقاموا في الإسكندرية سواء من أهلها أو من الذين زاروها وارتبطوا بها.
تلخص هذا الكتاب عبارة جمال حمدان الشهيرة: عبقرية المكان. فالكتاب كله يدور حول عبقرية المكان الذي أقيمت فيه الإسكندرية. وعبقرية الإسكندرية كمكان. ومدى الأثر الذي تركته في كل من زارها وعاش فيها وارتبط بها. وقد سمعت من نجيب محفوظ القاهري دما ولحما. القاهري إقامة ووجودا. حياة وقبرا. سمعت منه كلاما يصل لحدود الشعر عن الإسكندرية. وما زلت أذكر أنه عندما دخل مرحلة عمره الأخيرة، وتوقف عن السفر إلى الإسكندرية كان يشعر أنه خسر نصف ذاكرته، وأكثر من نصف ذكرياته.
فى سنة 1850م كتب جوستاف فلوبير عن الإسكندرية:
– الإسكندرية مدينة كبيرة، وفيها ميدان القناصل، هجين نصفه عربى ونصفه أوروبي، رجال يرتدون البنطال الأبيض والطربوش. حاقاقيم بك. عديل أرتين بك، كان يرتدى نظارة خضراء تجعله يبدو بأنفه الكبير مثل دابة رائعة. نصف ضفدع ونصف ديك. لكن يا له من زنجي صغير جميل.
مساء يوم وصولنا للإسكندرية. مجموعة من الناس يتجولون في الشوارع حاملين الفوانيس، أطفال يضربون أفخاذنا ضربات خفيفة بالعصي. في اليوم التالي حفلة طهور، جمل مغطى بقروش من ذهب، كل المهن ممثلة، قضيب متحرك، زيارة مسلات كليوباترا، واحدة منتصبة والثانية راقدة على الأرض بجوار مركز حراسة على يمين المدينة.
أندرييه جيد تكتب عن الإسكندرية يوم 19 مارس 1939:
– استقبال دافئ، لقيته من مدير مدرسة الليسيه في الإسكندرية، وكنت خلال توقفي القصير في رحلة الذهاب رأيته في لقاء عابر وأتيح لي فورا تبادل الحديث معه، وكان حديثا غير متكلف، وديا ومثمرا.
ومثلما كتب فلوبير عن الإسكندرية، وبعدها عن رشيد مباشرة. ويبدو أن الرحلة كانت مزدوجة إلى الإسكندرية ورشيد، فإن أندرييه جيد، تكتب أيضا عن الإسكندرية، وبعدها مباشرة عن رشيد:
– رحلة رائعة أمس إلى رشيد، ذهبنا بسيارتين لدى بلوغنا أول منحنى لنهر النيل، ركبنا قاربا لينقلنا إلى رشيد، مررنا بمسجد صغير، كانت تلال الرمل بلغت شرفة مئذنة. رسا القارب أمام مسجد آخر على مقربة منه ترتفع التلال الرملية تدريجيا الواحد يعلو الآخر.
وتكمل:
– في طريق العودة توشحت السماء بالغيوم، وبفعل الريح القوية مال القارب على جانبه، ما استوجب مناورة بحرية لإعادته إلى وضعه الطبيعي. استراحة في قرية رائعة كان موقعها الظاهر على شاطئ بحيرة قد بهرنا ونحن في طريق الذهاب. عند الجانب الآخر بحيرة لا نهاية لها يمخر فيها عدد لا يحصر من قوارب صيد السمك، تفقدنا القرية. واكبنا عدد من الأطفال بثياب رثة.
فى رسائل لورانس دارييل إلى هنري ميللر (1943 – 1945)، يكتب دارييل إلى ميللر، ليلة الميلاد سنة 1943:
– عزيزي هنري.
أين أنت الآن؟ وماذا تفعل؟ فرغت للتو من قراءة كتابك عن اليونان للمرة الثانية – الكتاب الذي يقصده دارييل، هو كتاب هنرى ميللر: عملاق ماروسى – أحاول شخصيا أن أؤلف كتابا عن زمن غريب عجيب مجنون. كم ابتعد أحدنا عن الآخر. كان آخر لقاء لنا في طرابلس ليبيا. في يوم انهمر فيه المطر كالسيل.
أنا الآن – يكتب دارييل لميلر – في الإسكندرية، وأعمل في برج صغير، وكل ما حولي أنيق وظريف. لكن الحرب التهمتنا حتى أنني لا أفعل شيئا على الإطلاق. هذه السنة بالنسبة لليونان هي السقوط فحسب، الموقف يفتت القلوب، جوع، مرض، فوضى داخلية، قتل واغتيالات في الشارع العام، تهانيا على الكابوس في الهواء المكيف – وهذه رواية أخرى من روايات هينرى ميللر – يصفها دارييل بقوله عمل كبير. بالمناسبة نحن نموت من الداخل ببطء ولا نأمل إلا في أن تؤول كل الظروف إلى النهاية قريبا.
كل الرسائل من اتجاه واحد. كلها من لورانس دارييل الموجهة إلى هنري ميللر، ولم يقل لنا أصحاب الكتاب هل كان ميللر يرد عليه بخطابات أخرى من عنده؟ أم أنهم لم يكن يعنيهم سوى رسائل دارييل لمجرد أنها مكتوبة من الإسكندرية. عموما رسائل الأدباء في بعض الأحيان لا تقل أهمية عن إبداعاتهم الأدبية. خصوصا عندما تكون من دارييل إلى ميللر، وهما من هما.
فى رسالة مكتوبة في 8 فبراير 1944م، ومرسلة من لورانس دارييل، وعنوانه في الإسكندرية: مكتب المعلومات، 1 شارع طوسون، الإسكندرية، مصر.
فى هذه الرسالة إشارة لرسالة أرسلها ميللر له. يكتب:
– سوف يسعدنى دائما أن أستلم منك بطاقة بريدية صغيرة. أو كتابا صغيرا ممهورا بخطك المميز، بزهوه وبهجته. اليوم بلغني نبأ المعرض الذي أقمته. أرجو أن يكون قد حقق نجاحا ماديا أيضا. أعتقد أنه انتهى الآن.
مكثت طويلا جدا لا أنتج شيئا. وخفت لأجل ذلك أن أخبرك أنني عاودت العمل من خوف أن أنفجر ببساطة، ثم أبقى راقدا في الجمود السكندري، هيأت ديوان شعر، وكتابا عن المعالم الجغرافية في اليونان، أنهيت نصفه. ليس كتابا كبيرا. وربما ليس بكتاب. لكنني أشعر أنه علي أن أنشر هذا العمل القديم. وأن أضبط ساعتي بدقة على زمن الماضي عندما يتحقق بالنسبة إلى زمن المستقبل.
أي تلخيص خيانة. خصوصا عندما نحاول تلخيص ما كتبه أدباء كبار، أصحاب أساليب ارتبطت بهم ودلت عليهم. وأعتذر ولن أستطرد أكثر من هذا، فلا بد من قراءة الكتاب نفسه، وأتمنى أن يتمكن القارئ من العثور عليه.