نفق سياسي .. بلا ضوء في نهايته !!

العزب الطيب الطاهر –

,, ما جرى في حلب خلال الأيام القليلة الماضية كشف المواقف الحقيقية لكل الأطراف في الأزمة السورية، أو بالأحرى عمق التعرية على نحو لا يمكن لأي منها أن يداري موقفه ,,   وخطورته الرئيسية – وفقا لرؤية أحمد أبو الغيط الأمين العام لجامعة الدول العربية – تكمن في تفاقم الأوضاع الإنسانية الناجمة عن الممارسات الوحشية التي تعرض لها السكان المدنيون، في المدينة الثانية من حيث الأهمية بالنسبة لسوريا، ما دفعه إلى مطالبة جميع الأطراف باحترام القانون الدولي الإنساني وأحكامه، والتوقف الفوري عن ارتكاب فظائع وإعدامات وممارسات من أطراف عدة، لا يمكن القبول بها أو السكوت عنها، لا من الناحية الأخلاقية ولا من الناحية القانونية.
وأضاف قائلا: في تصريحات أدلى بها للصحفيين المعتمدين لدى جامعة الدول العربية، وكاتب هذه السطور من بينهم: «إن ما يجري – وما زال يجري مع الأسف – تفوح منه رائحة الانتقام من جانب القوات الحكومية والميليشيات، التي تحارب إلى جوارها ضد المدنيين العزل، وهو أمر لا يمكن السكوت عنه.. ويجب على المجتمع الدولي أن يحمّل كل طرف مسؤولياته في هذا الخصوص».
وفي إشارة لما يمكن أن تقوم به جامعة الدول العربية في التعاطي مع ملف حلب، عبر أبو الغيط عن هذا الموقف من منظور واقعي موضحا أنه «حتى وإن كانت جامعة الدول العربية، لا تملك أدوات تأثير كبيرة في الأزمة السورية.. فإن صوتها لن يخفت في مواجهة ما ترى أنه ممارسات غير قانونية، وجرائم وفظائع تُرتكب بحق الشعب السوري أيًا كان مُرتكب تلك الجرائم، وسوف نستمر في لفت انتباه الجميع إلى معاناة هذا الشعب الصامد، من جراء الممارسات الوحشية التي تُرتكب بحق أبنائه، وسوف نستمر في التواصل مع الأطراف ذات التأثير، لمحاولة وقف نزيف الدم والجرائم البشعة».
ولم ينس أبو الغيط في هذه التصريحات، أن يطالب بإلحاح بوقف إطلاق النار وهو ما تعرض لانتكاسات عدة، بعد الاتفاقيات التي تمت بين أطراف إقليمية ودولية، نتيجة الإصرار على مسألة الحسم العسكري التي رأت الأطراف أنها، هي الأنجع في فرض الأمر الواقع على شرق المدينة المنكوب، الذي كابد على مدى أربعة أشهر من الحصار كل ألوان القصف والقتل والتدمير العشوائي، والانتهاكات التي وصفت من قبل المنظمات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة بأنها تصل إلى جرائم حرب بل هي جرائم حرب حقيقية من جانب مختلف الأطراف. لقد سقط شرق حلب في ظل حالة رخاوة من قبل الدول الغربية، وبالذات إدارة باراك أوباما في واشنطن، والتي ظلت تشاهد وقائع الحرب دون أن تحرك ساكنا، إلا من بيانات ومؤتمرات واجتماعات، بينما الحكم – مدعوم بروسيا التي استغلت الفراغ الأمريكي، تحديدا، في بسط حضورها العسكري برا وجوا وبحرا، وإيران التي استعانت بفصائل مرتبطة بها من لبنان والعراق وباكستان وغيرها – نجح في تغيير مسارات المشهد السوري لصالحه، على الأقل في حلب التي نظر إليها رئيسه بشار الأسد، بحسبانها بداية استعادة سلطته التي تقلصت في العديد من المناطق السورية.
وفي المقابل، فإن فصائل المعارضة المسلحة التي ظلت تدافع عن شرق حلب، وتضم بين 6 و8 آلاف مقاتل، ونجحت في بعض المراحل في فك الحصار عنه، افتقرت إلى منهجية التوحد والتنسيق وعانت من الانقسام والتناحر، بل للأسف خاضت معارك فيما بينها، ما أهدر قدراتها على الصمود، مع الإقرار بأن ميزان القوة العسكري لم يكن في صالحها، سواء من حيث العدد أو من حيث الكم أي العتاد العسكري، فقوات النظام وحلفاؤها يمتلكون أحدث الأسلحة الروسية، ومزودون بطائرات تصب حممها مستخدمة قنابل ارتجاجية وعنقودية وغيرها، وبعضها محرم دوليا تمكنت من تدمير البنية التحتية لشرق حلب، وهدم البيوت وقتل سكانها داخلها، فضلا عن لجوئها لتكتيك القوات البرية الكثيفة التي تضم آلافا من المؤدلجين تحمل شعارات وأسماء رموز دينية، في توظيف خاطئ وخطير قد يفضي إلى إحداث تغيير ديموغرافي في حلب وغيرها من المناطق السورية التي سقطت في قبضة الحكم .
ولكن السؤال الرئيسي يتعلق بمصير الحل السياسي الذي شكل مطلبا إقليميا ودوليا على مدى العامين الأخيرين بعد ما جرى في حلب؟..المؤكد أن الطرف العربي خاصة مع الاجتماع الطارئ لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية والذي عقد أمس الأول الاثنين 19 ديسمبر جدد الدعوة التي ما فتئ يرددها في كل الاجتماعات، سواء على مستوى القمم العربية أو الاجتماعات الوزارية، بضرورة البدء في خطوات الحل السياسي وفقا لبيان جنيف 1 وجنيف 2، وخطة خارطة الطريق التي أقرها مجلس الأمن نهاية ديسمبر من العام الماضي، ولكن ما تم في حلب يعكس حالة مراوغة وهروب من هذه الاستحقاقات، التي لو قبلوا بها لما تعرضت – ليس حلب فحسب – وإنما كل سوريا، لهذه الحالة من العبثية في القتل والتشريد والتهجير القسري، وإجبار نحو 13 مليون سوري إلى النزوح في الداخل واللجوء إلى الخارج، فضلا عن انتهاكات حقوق الإنسان التي باتت أمرا طبيعيا.
وفي ضوء منهجية الحسم العسكري التي يتمسك بها الحكم في دمشق وحلفاؤه والمعارضة ايضا، فإن السيناريو المرجح هو ألا يمضي باتجاه القبول بأي طروحات سياسية، وكيف يقبل بها بعد أن حقق هذا التقدم العسكري في حلب، ولكنه – الحكم – سيتجه حسب محللين إلى السيطرة على مدينة دوما في الغوطة الشرقية لدمشق، أو أن يتوجه إلى محافظة إدلب – التي تقع بين حلب واللاذقية بدءا من جسر الشغور قرب معاقله غرب سوريا، وسط توقعات من قبل السفير الأمريكي السابق في دمشق – روبرت فورد – أن تسقط في قبضته في غضون عام، غير أن ذلك لا يعني أنه بمقدور قوات الحكومة، الاستمرار في حالة الطمأنينة في السيطرة على ما يحلو لها وصفها بالمناطق المحررة، خاصة بعد نجاح تنظيم داعش من استعادة مدينة تدمر الأثرية بالتزامن مع تقدمها في حلب، إلى جانب ذلك فإن فصائل المعارضة المسلحة ستلجأ بالتأكيد، بعد إجبارها على الانسحاب – وفق الاتفاقيات الإقليمية والدولية الأخيرة – إلى مناطق الريف وستعيد النظر في استراتيجياتها وتكتيكاتها العسكرية والقتالية، على نحو يدفعها إلى شن حرب عصابات بدلا من السيطرة على مساحات من الأرض، تتعرض فيها للانكشاف مثلما حدث في حلب وفي حمص من قبل وفي غير منطقة.
ولا شك أن كل هذه المعطيات، خاصة شعور الحكم بنشوة الانتصار العسكري في حلب – لن يوفر بيئة مواتية، لاحتضان حل سياسي يعيد إلى سوريا استقرارها ووحدتها، والمحافظة على دولتها الوطنية ومؤسساتها وهياكلها التي انهارت، وذلك يعود في الأساس إلى التباينات الواضحة بين الطرفين الروسي والأمريكي، خلال الأيام الأخيرة من حكم باراك أوباما، والتي قد تتحول إلى تفاهمات بين موسكو وواشنطن مع تولي دونالد ترامب السلطة في العشرين من يناير المقبل، في ظل الود الواضح بينه وبين فلاديمير بوتين خاصة أن الأول قدم عربون صداقة له بعد تعيينه الصديق المقرب للرئيس الروسي، وله بالطبع، «ريكس تيلرسون» رئيس مجلس إدارة عملاق البترول «إكسون موبيل» وزيرا للخارجية في إدارته. كل ذلك يفضي بوضوح إلى أن نفق الأزمة السورية سيظل بلا ضوء في نهايته، إلا لو حدث تغيير في رؤية الحكم السياسية، على نحو يجعله يقبل بخيار المفاوضات مع المعارضة، التي أبدت استعدادها مؤخرا للانخراط فيها بدون شروط مسبقة، وبالذات فيما يتعلق بتشكيل هيئة حكم انتقالية تجمع الطرفين لمدة عام ونصف العام، يتم خلالها إعداد دستور دائم وإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، تحت إشراف دولي لإعادة بناء دولة على أسس وطنية ومدنية وديمقراطية، وهو أمر لا يبدو أن التطورات الأخيرة تدفع باتجاهه لا سيما أن فوهات المدافع وقصف الصواريخ والطائرات، ما زالت هي صاحبة الصوت الأعلى في المشهد السوري ولمدى زمني غير محدد.