مجلس التعاون بين التحديات الخليجية.. والمتغيرات الخارجية

جمال إمام –

عندما يهتم المراقب بالشأن الخليجي فإن أبرز ما يتصدر المشهد على مدى مسيرة مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي اختتمت قمتها السابعة والثلاثين قبل أيام في المنامة عاصمة مملكة البحرين هما ملفا الاقتصاد والأمن..
والواقع أن هناك تلازمًا شديدًا بين الملفين وإن تقدم ملف على الآخر فإن الملف الثاني هو بمثابة السياج الذي يوفر المناخ الضروري لتكامل ونجاح استراتيجية التعاون المشتركة التي تقوم عليها فكرة المجلس..
والواقع أن هناك أسئلة كثيرة تطرح نفسها من حين لآخر عبر محطات المجلس المختلفة التي شهدت مراحل تسريع لوتيرة التعاون أو حتى بالنسبة لتلك التي ربما كان بها بعض التباين في الطرح أو وجهات النظر..
وهي اليوم (هذه الأسئلة) أكثر إلحاحًا وبالطبع أهمية؛ لأنها ترتبط بمتغيرات كثيرة على صلة وثيقة بمسيرة المجلس وتطلعاته لإنجاحها والبناء على ما حققته خلال إنجازات هي بمثابة قوة دفع لما هو قادم..
في مقدمة هذه الأسئلة..
• ما يتعلق بالشأن الداخلي وأجندة المجلس السياسية والاقتصادية ورؤيته لمستقبل منظومة العمل في مجلس التعاون..
• ومنها ما يتعلق بالظروف السياسية والمناخ الإقليمي الذي يمر به المجلس اليوم..
• وأبرز تحديات المرحلة التي تواجهه الآن..
• وكيف يدير مجلس التعاون ويتعامل مع المتغيرات الإقليمية المختلفة ..
• ومدى قدرة مجلس التعاون على مجابهة الواقع الحالي على الصعيدين الداخلي والخارجي في الشرق الأوسط كجوار جغرافي والتأثير فيه..
والواقع أن القمة الخليجية الأخيرة قد أجابت بوضوح عن أسئلة القسم الأول عندما أكدت الكلمات النهائية التي تخللت القمة على صدارة الأمن والتعاون الاقتصادي للأجندة الخليجية..
وهو الملف البارز الذي تتمدد تداعياته وتنعكس على مجمل العلاقات الخليجية الخارجية كما كان واضحًا في تجديد رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي التي شاركت في أعمال القمة على قيمة وأهمية الشراكة الاستراتيجية مع دول الخليج وخاصة على صعيد الاستثمارات التجارية ودعم أمن الخليج ..
النقطة الأخرى تتصل باستقرار القرار الخليجي على استمرار صيغة التعاون الحالية
وهو ما يعني برأي مراقبين كثيرين أن المسافة مازالت كبيرة بين كثير من القناعات من ناحية وأن الوقت أيضا لا يزال مبكرًا للسير في هذا الاتجاه من ناحية ثانية لذلك تبقى برأيي أن صيغة التعاون هي الأكثر ملائمة الآن ليس فقط من حيث الشكل، ولكن أيضًا من حيث أهمية العمل على استكمال كل مقومات التعاون التي لم تحقق كامل أهدافها حتى الآن..
لذلك وجدنا في القمة الأخيرة التأكيد على دعم جهود التجارة البينية باتجاه السوق المشتركة ودعم الجهود لبناء ما وصف بـ«الجهوزية» الأمنية الخليجية لصد أي اعتداء وضمان الاستقرار..
والواقع أن هناك مؤشرًا على استمرار تبني سياسات التعاون والتنسيق داخل منظومة مجلس التعاون الخليجي يتمثل في تعامل دول المجلس بمرونة مع أزمة أسعار النفط الحالية بما يساهم في تعزيز قدرتها لتكون من أكبر القوى الاقتصادية بحكم القواسم المشتركة الكثيرة تجمع بينها..
حيث يقدر حجم اقتصاد المجلس مع بداية أزمة تراجع أسعار النفط (نهاية عام 2014) بنحو (1.7 تريليون دولار) متقدمًا بذلك على اقتصاديات كثير من الدول الصناعية..
فقد جاء الاقتصاد الخليجي في المرتبة الـ12 على مستوى العالم مستحوذا على ما نسبته 35.4 % من حجم الصناديق السيادية حول العالم إذ تقدر موجوداتها بـ2.3 تريليون دولار..
وهي مؤشرات جيدة على قوة ومتانة الاقتصاد الخليجي وأن الفرصة متاحة بمزيد من الدعم وتطوير أليات التعاون على أن تقفز إلى صدارة التكتلات الاقتصادية العالمية وهذا في حد ذاته هدف مهم على دول المجلس أن تعمل عليه كجزء من استراتيجيتها المستقبلية..
وفي هذا الإطار فإن من الأهمية بمكان أن يولي مجلس التعاون أهمية لمشروعاته المؤجلة على أجندته، وأن يعيد النظر في آليات تنفيذها وإعادة طرح رؤى جديدة للتعامل مع التحديات التي لم تفرض نفسها وتحتاج إلى حلول جذرية..
فالأولويات يمكن أن تكون لزيادة حجم التجارة البينية التي مازالت رقمًا لا يتناسب مع اقتصاديات دول المجلس والتي لا تصل إلى نسبة 10 % من قيمة إجمالي تجارتها الخارجية مع باقي دول العالم..
الأولويات لإعادة مناقشة وتنفيذ مشروع خط السكك الحديدية الذي يمكن أن يساهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية ويقرب كثيرًا من المسافات في الرؤى حول كثير من القضايا محل خلاف..
أما فيما يتصل بالتحديات الإقليمية والخارجية فإن المرحلة الراهنة بكل متغيراتها في الجوار، وفي محيطها الاستراتيجي يفرض على مجلس التعاون توحيد جهوده لتكون بمثابة حائط صد ضد محاولة جر دول الخليج لمواجهات تستنزف قدراتها المادية والبشرية وأن يكون إدارتها للأزمات يرتبط بقراءتها الجيدة لمدى أبعاد أمنها القومي ..
فلا يمكن لدول الخليج العربية أن تكون خارج المنظومة الجغرافية والاقتصادية للمنطقة ومن الأهمية بمكان أن تلعب دورًا مؤثرًا في تحقيق الأمن والاستقرار لها خاصة وأن دول الخليج شهدت على مدى العقدين الأخيرين استنزافا ماديا هائلا لوقوعها في قلب أحداث انعكست تداعياتها على أمنها واقتصادها ..
واليوم هي أيضا في قلب تحديات جديدة في سوريا وفي اليمن من ناحية، وفي مواجهة تراجع أسعار النفط، وفي مواجهة متطلبات جديدة لنمو سكانها وما يفرضه ذلك عليها من زيادة الاستثمارات في البنية الأساسية والخدمات ومجال التعليم والصحة والرفاهة الاجتماعية..
الأمر الذي يجعلها أكثر حاجة إلى التعاون والبناء على ما تحقق وتطويره وفتح آفاق جديدة للتكامل وبناء استراتيجية دفاعية وأمنية وتوسيع شراكاتها الإقليمية والدولية بما يعزز من فرص دفاعها عن مصالحها الخليجية .