السياحة صناعة ضرورية للنمو .. وليست ترفا

عماد عريان  –

هذه حقيقة مؤكدة منذ سنوات بعيدة وليست وليدة اليوم، السياحة وما يرتبط بها من أنشطة ومشروعات تمثل صناعة ضخمة، وليست مجرد ظاهرة ترفية أو ترفيهية، وهي كذلك صناعة تتداخل فيها عوامل سياسية واقتصادية وبيئية لتقدم في نهاية المطاف منتجًا اقتصاديًا خدميًا رفيع المستوى يلعب دورًا حيويًا في الناتج العالمي، والشيء ذاته في الناتج القومي للدول وموازين حساباتها الجارية بحيث أصبحت موردًا مهمًا في دعم معدلات النمو ويؤكد ذلك بدون شك ما جاء في أحدث تقرير لمنظمة السياحة العالمية حول الأرقام التي حققتها السياحة في مختلف دول العالم في العام الماضي 2015 والذي يشير إلى أن عدد السائحين في العالم بلغ 1.2 مليار سائح والعائد المادي لها 1.23 تريليون دولار، بما يوازي نحو 4 مليارات دولار يوميًا، وتأتي فرنسا في المركز الأول برصيد 84.5 مليون سائح، وقال التقرير: إن السياحة العالمية كصناعة قفزت العام الماضي لتحقق المركز الثالث في قائمة أكبر السلع التصديرية بعد الوقود والمواد الكيميائية، وبذلك سبقت صناعة المواد الغذائية التي جاءت في المركز الرابع، بينما جاءت صناعة السيارات في المركز الخامس.
هذه أرقام تبرز أهمية السياحة في دعم الاقتصاد العالمي وإنعاشه وكذلك في دعم الاقتصاد المحلي لأي دولة، وليس خافيًا أن هناك دولاً تعتبر السياحة مصدرًا أساسيًا لدخلها القومي وربما المصدر الأول لهذا الدخل، إلا أن هذا المنهج لا يقل خطورة في نتائجه عن إهمال هذا القطاع وعدم توفير كل المقومات والعوامل الضرورية لنجاحه، وتتمثل الخطورة الكبرى في تبني هذا المنهج في جعل الاقتصاد رهينة لنشاط واحد فيدخل في عباءة الاقتصاد أحادي الجانب، وسلبياته لا تختلف كثيرًا عن الاقتصاد الذي يعتمد على سلعة أو منتج واحد فقط عرضة لتقلبات كثيرة وأبرز نموذج لذلك هو النفط، وعلى قدم المساواة أيضا يجب ألا تكون السياحة نشاطا موسميا أو صناعة بديلة، ولكن لابد أن تكون هناك رؤية واضحة وإرادة دائمة تعتبر السياحة من عوامل التنمية المستدامة التي لابد أن يكون لها ركن أساسي في دعم عملية النمو بشكل دائم وأن يكون الحديث عن تنميتها مستمرًا ببرامج متجددة واستثمارات ضخمة وخطط علمية مدروسة يتم تنفيذها وفقًا لخطط متوسطة وطويلة المدى بشكل علمي مدروس.
وقد سبقت الإشارة في أكثر من مناسبة إلى أهمية الخطط التي تبنتها السلطنة من أجل تنويع نشاطها التنموي والإنتاجي بحيث تخرج من عباءة الاقتصاد أحادي الجانب، وتحد من اعتمادها الكبير على المنتج النفطي والثروات الأحفورية عمومًا، وبرغم أن النفط لا يزال يشكل الجانب الأعظم لمدخولات السلطنة إلا أن الاستمرار على النهج المستهدف في تنويع الأنشطة الاقتصادية سوف يؤتي ثماره على المدى الطويل، فإقامة قواعد صناعية أو مشروعات استثمارية كبرى عادة ما يحتاج إلى سياسة النفس الطويل فضلا عن حسن استخدام الموارد والإمكانيات المتاحة. ولعل من أهم الأنشطة الاقتصادية التي ينتظرها حاضرًا مثمرًا ومستقبلاً زاهرًا في الدولة قطاع السياحة الذي يبدو بالتأكيد أنه لم يستغل بعد الاستغلال الأمثل رغم طاقاته وإمكاناته الهائلة حيث يمكن القول فعلاً وبلا مبالغة إن السياحة بمقدورها أن تصبح أساس التنمية في السلطنة مستفيدة في ذلك من المقومات والعوامل التي تساعد على النجاح وتحقيق معدلات نمو رفيعة المستوى، ليس للقطاع وحده ولكن لكل القطاعات الاقتصادية، مع وجود إمكانيات كبيرة لتنوع الخدمات السياحية مستفيدة في ذلك من طقس متميز طوال العام وطبيعة بيئية متنوعة يصبح الحديث معها عن سياحة الشواطئ والجبال والكهوف والمروج والقلاع والفعاليات الثقافية، وحتى سياحة الصيد إذا ما تم تنميتها بالشكل الصحيح حديثا لا مبالغة فيه.
ولنتابع الحديث المتجدد في مواقع مختلفة عن السياحة في سلطنة عمان ومقوماتها السياحية العديدة والمتميزة وموقعها الوسيط كبوابة بين شرق العالم وغربه، وتاريخها وحضارتها القديمة التي تواصلت منذ وقت مبكر مع مراكز حضارية أخرى في عالمنا عبر البحار التي تفوق العمانيون في ارتياد آفاقها إلى أقصى الشرق والغرب، والكثير من المواقع الأثرية الشاهدة على عظمة هذا التاريخ ومكانة من صنعوه وصاغوا مفرداته، فضلاً عن التنوع البيئي ما بين السهل والجبل والنجد والساحل، ذلك الذي يتيح تباينا مناخيا يوفر شمسا ساطعة دافئة في الشتاء بالبوادي والحواضر، ونسائم عذبة خالية من الرطوبة مع حرارة معتدلة صيفا في الجبل الأخضر، مع الرياح الموسمية ورذاذ المطر والغيوم والنسيم المنعش في موسم الخريف بمحافظة ظفار. إضافة إلى ما تزخر به البوادي والمناطق الساحلية من مقومات الجذب السياحي لتنظيم رحلات السفاري الصحراوية، وممارسة الرياضات المائية بالشواطئ الممتدة النظيفة، ويضاف إلى ذلك كله تنوع الموروث الشعبي في الفنون والصناعات اليدوية التقليدية. ومن أبرز هذه المقومات أيضًا الاستقرار الأمني الناتج عن الاستقرار السياسي، ذلك الذي يتيح للسائح التجول بالسيارة في مختلف ربوع السلطنة آمنًا على نفسه وممتلكاته، ومصادفًا لكل أشكال العون والضيافة وحسن الاستقبال من المواطنين المعتادين على الترحيب بضيوفهم خاصة الأجانب.
ويعزز من هذا توافر عدد كبير من مشاريع ومنشآت الضيافة مثل الفنادق متعددة الدرجات والشقق الفندقية ومختلف المرافق التي تقدم الخدمات الضرورية للسياح والزوار، وإبراز ملامحها الثقافية والهوية الوطنية بالإضافة إلى استثمار إمكانات السلطنة في هذا المجال وزيادة إسهام هذا القطاع في التنمية الوطنية وتنويع مصادر الدخل القومي تمشيا مع الرؤية المستقبلية للاقتصاد العماني يقام مهرجان مسقط في شهر يناير من كل عام ولمدة شهر تقريبا ويعد جاذبا للسياح لما يحتويه من فعاليات ويتوزع في حديقتي النسيم والعامرات حيث تحتوي حديقة النسيم على العديد من الفعاليات الترفيهية والرياضية والثقافية المتنوعة إلى جانب مواقع الفعاليات الأخرى من شواطئ وغيرها.
السابق عرضه بالتأكيد يعكس كنوزًا فريدةً تتمتع بها السلطنة وتحتم تبني نظرة أخرى للسياحة فيها بحيث تتزايد نسبة مساهمة هذا القطاع المتواضعة في الدخل القومي العام حتى الآن على الأقل، تلك الكنوز جعلت موقعًا متخصصًا يعتبر السلطنة أفضل وجهة سياحية في العالم لعام 2015، وجاء هذا التصنيف نظرًا إلى التجربة السياحية العربية الممتازة التي تقدّمها السلطنة للسياح والتي تجمع بين عراقة الحضارة العربية التقليدية والحداثة العصرية. ويكتسب هذا التقدير أهميةً كبيرةً على مستوى جهود وزارة السياحة العمانية الرامية إلى ترسيخ مكانة السلطنة كوجهة سياحية رائدة في الشرق الأوسط من خلال تقديم باقات متنوعة من العروض المثالية للإجازات القصيرة بما في ذلك سياحة المغامرات والنشاطات الترفيهية العصرية.
ويأتي هذا التصنيف بالتزامن مع النتائج الصادرة مؤخرًا والتي تؤكد تحقيق نمو كبير في أعداد السياح الوافدين إلى السلطنة خلال السنوات الأخيرة، وأيضًا لما رصده تقرير أخير للموقع ذاته حيث أشار إلى نمو أعداد الركاب عبر مطار مسقط الدولي بنسبة 325% ليصل إلى تسعة ملايين راكب خلال عام 2014 بينما يرشح السلطنة لاستقبال 12 مليون سائح عام 2020 وهو أمر ممكن في ضوء ما تمتلكه الدولة من مقومات سياحية ومشاريع تطوير طموحة لهذا القطاع الحيوي . ويعزز من هذه التوقعات ما كشف عنه تقرير جديد أعدته مجموعة أكسفورد للأعمال بعنوان «عمان ٢٠١٦»، عن استعدادات السلطنة طويلة الأجل للمستقبل في حقبة ما بعد النفط، ويبرز التقرير مجموعة كبيرة من المشاريع الضخمة تشمل مبادرات واسعة النطاق للقطاعين العام والخاص من المقرر انطلاقها في السنوات القادمة، كما يقدم تغطية واسعة النطاق لجهود عمان الرامية لرعاية نمو المؤسسات والشركات الصغيرة ضمن حملةٍ لتشجيع روح المبادرة بين الأجيال الشابة في السلطنة، ويؤكد أن اقتصاد السلطنة مهيأ للتوسع في الخدمات اللوجستية والسياحة، كما يبرز المساعي الوطنية للرقي بالصناعات المحلية في خطوة من شأنها أن تساعد الشركات المحلية على أن تصبح أكثر قدرة على المنافسة وزيادة الإنتاجية.