تحديات .. وليست معوقات

علاء الدين يوسف –

يصعب الحديث عن وجود معوقات أو مشاكل كبرى في سبيل العمل الخليجي المشترك، فالحقائق والواقع الميداني يؤكدان أن التعاون والتنسيق والعمل المشترك كلها أمور قائمة بالفعل وتأخذ أشكالا متعددة في النواحي السياسية والاقتصادية والثقافية وحتى الرياضية، ويكفي أن مجلس التعاون الخليجي لا يزال حتى اليوم هو التجربة الوحدوية الأكثر نجاحا على الصعيد العربي وربما العالمي رغم مرور نحو خمسة وثلاثين عاما على إنشائه
وإذا ما كان الحديث عن الرغبة في تحيق مزيد من التكامل أو الاندماج أو تكثيف التعاون المشترك وتجديد دماء المجلس بما يحافظ على وحدته وقوته وفاعليته في السنوات والعقود المقبلة، فربما كان الأدق أن يكون الحديث عن التحديات – وليس المعوقات – التي تواجه المجلس حاضرًا ومستقبلاً ؛ لأنها في حد ذاتها ومع استمرارها بدون استراتيجيات أو آليات واضحة للتعامل معها أو حسمها ستظل هي في حد ذاتها العائق الأكبر أمام أي خطوات تلبي طموحات دول وشعوب المجلس في مزيد من التكامل، ومن الطبيعي أن تلك التحديات تحتاج في المقام الأول إلى عملية تجديد فكر شاملة لطرح رؤى جديدة تواكب التغيرات الإقليمية والدولية الحالية والمتوقعة مستقبلا، وهي عملية باتت حتمية وملحة في ضوء طبيعة المشاكل والتطلعات والظروف المحيطة بالمجلس والتي تختلف بكل تأكيد عن مثيلتها التي أحاطت بالمجلس يوم نشأته مطلع الثمانينات من القرن الماضي على الصعيدين الداخلي لكل دولة وكذلك الإقليمي.
وفي مقدمة ما يمكن رصده في هذا الشأن، ومن خلال الدراسات المتخصصة فإن التطورات الجديدة تعود لأسباب عدة بعضها داخلي والبعض الأخر خارجي وإن اختلف أثرها في حركة المجتمع، فالشعوب الخليجية أصبحت مؤهلة بالفعل للانتقال إلى علاقة جديدة بين المواطنين والدولة بعد أن ارتفـعـت مـستويـات التعـليم إلى درجات متقدمة وكذلك مـستويـات الـرفـاهـية التـي هيـأت لـهم التنقل بأعداد كبيرة إلى دول أخرى تسودها أوضـاع أكثر انفتاحا، كما أن حكومات دول مجلس التعاون الخليجي أخذت تقدر أن الإنفاق السخي قد يتراجع مع تقلب أسعار النفط، وإنفاقها العسكري الكبير ووارداتها المتزايدة،ولذلك جاء توسيع الحقوق السياسية للمواطنين ومؤسسات الدولة الرقابية والتشريعية . أما التطورات الخارجية ذات الأثر الإيجابي في ظل النظام العالمي الجديد فقد أصبحت مرتبطة بما ينبغي أن ينجز من استحقاقات داخلية، وما يتعين على العرب إن ينجزوه من تلك الاستحقاقات لمجاراة التطورات العالمية. أضف إلى ذلك سلسلة الأحداث الدولية والإقليمية التي وقعت مؤخرا وفرضت تحديات جسيمة على دول «التعاون» بما يستوجب معالجتها بمقاربات مختلفة ومن بينها:
أولاً: الإرهاب والطائفية، بهاتين الكلمتين تصدرت رؤية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز أعمال قمة المنامة، وبالفعل تعتبر الطائفية السياسية والإرهاب اللذان يعصفان بدول الجوار من أخطر التحديات التي تواجه دول مجلس التعاون، وبرغم أن خطر الإرهاب لا يشكل خطرًا كبيرًا في دول المجلس ، إلا أن نتائج الطائفية بدأت تظهر بشكل أوضح، وتتمثل خطورة ذلك في كون الطائفية والإرهاب توأمين متداخلين لا يمكن معالجة الأول دون ترك الآخر، كذلك فهما متشابهان في السلوك الخارجي، الأمر الذي يستدعي توفير معالجات سريعة وناجعة للبواعث الحقيقية لهاتين الظاهرتين على مختلف المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية.
ولا شك أن خطورة هاتين الظاهرتين ستكون مرهونة بحجم التدخلات الخارجية تجاه مساندة التوجهات الطائفية في الخليج ومحيطه، ومرهونة أيضا بتقارب وتوحد نشاطات حركات الإسلام السياسي والجهادي والفكري أيضا في المنطقة، وقدرة الأطراف الخارجية المؤثرة على إدارة وتوجيه هذه القوى للتأثير في معادلة الأمن الخليجي القائمة، ولكي تحافظ دول الخليج على وحدتها الوطنية وتصون استقرارها السياسي والاجتماعي من مخاطر الإرهاب والطائفية، فإن ذلك يستلزم من مجموعة هذه الدول اتخاذ حزمة من التدابير، أهمها بناء دولة المواطنة بما تعنيه من تعزيز الهوية الوطنية والخليجية الجامعة من خلال تحقيق المساواة في الحقوق والواجبات لجميع المواطنين والنظر للفرد بناء على مواطنته وكفاءته وليس من منظور طائفته أو قبيلته، والتأسيس لشبكة من العلاقات الاجتماعية يسودها السلام والتسامح وقبول الآخر، وكذلك تسريع خطى التكامل للوصول إلى النموذج التكاملي المأمول باعتباره الدرع الذي يتصدى للطائفية ويقضي على الإرهاب ويواجه العدو الخارجي، ومواصلة الجهود الإصلاحية الداخلية وتحقيق التوافق السياسي والمجتمعي في دول الجوار لمعالجة النزاعات الطائفية الموجودة فيها.
ثانيا: الخليج بحيرة سلام، فمن المعروف أن الدافع الأمني سيطر على مجلس التعاون الخليجي منذ إنشائه في مطلع ثمانينات القرن الماضي، وفرضت معطيات الأوضاع الإقليمية والدولية آنذاك أن تكون قضايا الدفاع المشترك والأمن الجماعي على رأس أجندة عمل المجلس طوال أكثر من ثلاثة عقود من الزمان، وبرغم ذلك لا يمكن إنكار الدور الذي لعبته -ولا تزال- المقومات والخصائص المشتركة بين دول المجلس،على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية في تحفيز المسيرة التكاملية فيما بينها خلال المراحل السابقة، فما يجمع منظومة التعاون الخليجي من روابط ومشتركات أكثر بكثير مما يفرق، وكون هذه المقومات تمثِل عامل دفعٍ قويًا لتطوير هذه المسيرة خلال السنوات المقبلة، ولنفس هذه الأسباب يجب أن تنصب كافة الجهود على تأسيس استراتيجية واضحة تهدف إلى جعل الخليج بحيرة سلام لكل الدول المتشاطئة عليه ولكل شعوب المنطقة وهو تحدي كبير يستحق بذل كل جهد ممكن، وليكن ذلك من خلال معاهدات صداقة وتعاون أو اتفاقيات عدم اعتداء وعدم استخدام القوة في تسوية المنازعات بما يكفل تهيئة كل الظروف الممكنة للاستقرار والسلام وتحقيق معدلات تنمية اقتصادية واجتماعية مرتفعة لكل دول المنطقة.
ثالثا: منظومة الأمن الإقليمي، ليس هناك شك في أن المخاطر التي تواجه دول التعاون الخليجي تكاد أن تكون نتيجة عوامل خارجية واضحة واستشعارها بها يكاد يكون واحدا وبنفس الدرجة في العواصم الخليجية، إلا أن هناك وكما هو ظاهر تباينات واضحة في كيفية التعاطي مع هذه المخاطر والتصدي لها، فبينما ظهرت في الآونة الأخيرة توجهات واضحة نحو التصعيد والمواجهة والحسم العسكري بل والتدخل المباشر في بعض الصراعات الإقليمية، كانت أيضا هناك توجهات أخرى لا تحبذ السير نحو مثل هذه الخطوات وتفضل اللجوء للحوار والتفاوض باعتبار الوسائل الدبلوماسية والسياسية قد تكون أقل كلفة في كثير من الأوجه من اللجوء للحلول الأمنية والعسكرية باهظة التكاليف، ومن هذا المنطلق وارتباطا بالنقطة السابقة، يتطلب الأمر صياغة منظومة أمن إقليمي واضحة المعالم، وبما يحقق مصالح الأطراف كافة ويضمن السلم والأمن في ربوع المنطقة وينص على عدم التدخل في شئون الدول الأخرى، وأن يكون الحوار هو أساس التعاون بالدبلوماسية والطرق السياسية السلمية. ولا شك في أن مثل هذه الإستراتيجية تحتاج إلى تغيير أفكار ومفاهيم وأسس نظرية وكثير من الاتصالات والتفاوض وكذلك إرادة سياسية لتحقيق ما هو أفضل بشكل شامل ودائم.
ولمثل هذا الطرح أهمية كبرى لتجاوز هذا التحدي الملحوظ وتحقيق مصالح دول التعاون، وربما كانت البداية في ضرورة تحديد أسس أستراتيجية واضحة لطبيعة العلاقات مع دول الجوار وخاصة إيران وتركيا بحيث لا تظل ظروف المنطقة أسيرة التقلبات في العلاقات مع هذه الأطراف الحيوية والتي تربطها بالفعل بالدول الخليجية والعربية عموما علاقات اقتصادية وتجارية وجيوبوليتيكية مهمة ينبغي تأطيرها في علاقات استراتيجية ثابتة، ومن شأن ذلك أن يؤدي أولا إلى تفويت الفرصة على التدخلات الخارجية التي تهدف في المقام الأول إلى تعميق الخلافات والتناقضات بين دول المنطقة تحقيقا لمصالحها الخاصة وتكريسا لوجودها في المنطقة،
وثانيا يؤدي ذلك إلى تكريس مفهوم الأمن الإقليمي وحمايته من جانب أطراف المنطقة بل من ترك مقدرات دولهم وشعوبهم في أيدي أطراف أخرى، وثالثا: إن بناء مثل هذه المنظومة الأمنية الدائمة يكفل بكل تأكيد مواجهة عوامل عدم الاستقرار في المنطقة ومن ثم التخلص من أكبر معوقات التكامل والإندماج والوصول بمجلس التعاون إلى آفاق أرحب من التنمية والاستقرار.