صناعة الفحم الحجري لن تعود

مايكل ويبر –
قاسم مكي –
نيويورك تايمز –

إنَّ كل هذه المناطق الريفية في «ممر الرياح» بالولايات المتحدة قد لا تسعد إذا سعى مرشحها المفضل لتقويض واحدة من أهم موارد نموها الاقتصادي. وربما أن المنقذ لإنتاج الفحم في الولايات المتحدة هو تصديره إلى أوروبا أو الصين. ولكن طلب أوروبا على الفحم يتضاءل.
لقد قطع دونالد ترامب وعودا عديدة ومهمة في أثناء رحلته الانتخابية التي انتهت بفوزه. ولكنه لن يتمكن من الوفاء بوعده الخاص بإنقاذ صناعة الفحم الحجري.
يعتقد أناس عديدون في جبال «أبالاشيا» الشمالية الشرقية والمناطق الأخرى التي يتم فيها تعدين الفحم الحجري بالولايات المتحدة أن حرب الرئيس أوباما المفترضة على الفحم هي السبب في التدهور الحاد الذي شهدته حظوظ صناعته. ولكن المصاعب التي يعانيها الفحم الحجري كي يظل منافسا (في سوق الطاقة) سببها رخص الغاز الطبيعي وموارد الطاقة المتجددة وضوابط المحافظة على نقاء الهواء التي بدأت في عهد إدارة جورج دبليو بوش -الابن- وكذلك الطلب الضعيف على الفحم في آسيا. لقد بلغ توظيف الأيدي العاملة في صناعة الفحم الحجري على مستوى الولايات المتحدة ذروته في أعوام العشرينات.
وبدأ التدهور الأخير في وظائف صناعة الفحم الأبلاشي (بجبال أبلاشيا) في أعوام الثمانينات خلال عهد إدارة رونالد ريجان بسبب الدور الذي لعبته الأتمتة والميكنة في إحلال عمال المناجم بالآلات، خصوصًا في مجال التعدين بقمم الجبال. وزاد الطين بلة، فيما يخص فقدان الوظائف في أبلاشيا، تحرير السكك الحديدية.
فقد انخفضت أسعار النقل بالقطارات نتيجة لذلك. وذلك ما كان يعني أن الفحم الغربي (الأنظف والأرخص من الفحم الشرقي) يمكن ترحيله لبيعه في أسواق بعيدة جدا مما قلل من الحصة السوقية لمناجم أبلاشيا. ومؤخرًا، دفعت قوى السوق هذه ست شركات تنتج الفحم الحجري، ويتم تداول أسهمها في السوق إلى إعلان إفلاسها خلال فترة عام.
إن الرئيس المنتخب ترامب لا يمكنه عكس هذا الاتجاه الذي تمضي فيه الأمور. ولكي يتمكن حقا من تحسين مصير الفحم الحجري سيلزمه التدخل بقوة في السوق مثل إصدار أوامر مباشرة باستهلاك الفحم أو استحداث إعفاءات ضريبية كبيرة لمصلحة الفحم. ولكن هذه هي بالضبط أنواع التدخلات التي تصطدم بمواقف المحافظين المتشددة المؤيدة للأسواق التنافسية. وهي مواقف تمتد لعقود من السنين. هنالك مقاربة أخرى يبدو أنها تكتسب شعبية، وهي فتح المزيد من الأراضي والمياه الفيدرالية لإنتاج النفط والغاز والفحم. ولكن هذه السياسة، عند تطبيقها، لن تؤدي سوى إلى تفاقم التحديات التي تواجه إنتاج الفحم. فهي ستزيد من الفائض في إمدادات الطاقة مما سيخفض من سعر الفحم الحجري وبالتالي تفاقم من صعوبة استمرار ربحية شركات إنتاجه.
ونفس هذه السياسة ستؤدي في حال تطبيقها إلى زيادة إنتاج الغاز وإلى المزيد من خفض أسعاره مما سيجعل منه منافسًا متفوقًا على الفحم. وهكذا فبدلاً من أن تشكل مثل هذه السياسة حلقة حميدة «غير شريرة» في مصلحة الفحم الحجري ستبدو أشبه بالدوامة التي تنتهي بالموت. وكل هذا دون (أن نذكر) الإجراءات البيئية المتعلقة بخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. وحتى إذا حاول الرئيس المنتخب القيام بهذه الإجراءات فإن الخصوم الذين سيفاجأون بها قد يقفون في طريقه.
إن شركات الغاز الطبيعي هي المستفيدة الأساسية من ضوابط الهواء النظيف وخفض الكربون وهي أيضا المدافعة عنها الآن. من بين هذه الشركات إكسون موبيل أكبر شركة مساهمة عامة للنفط والغاز يجري تداول أسهمها في العالم. إنها تنشط في عدد كبير من البلدان المهتمة بخفض انبعاثات الكربون. وقد أصدرت الشركة بيانا مؤيدًا لاتفاقية باريس للمناخ في يوم سريانها الذي صادف 4 نوفمبر الماضي.
فإغلاق مناجم الفحم الحجري لمصلحة الغاز الطبيعي الأنظف والذي يطلق كربونا أقل يشكل فرصة تجارية كبيرة للشركات من أمثال إكسون موبيل. وفي المعركة الدائرة بين شركات الفحم الحجري وكبار منتجي النفط والغاز أتوقع أن ينتصر هؤلاء الأخيرون.
كما أن سرعة قبول الموارد المتجددة الرخيصة عنصر آخر مساهم في موت صناعة إنتاج الفحم الحجري. لقد أطلق ترامب تعليقات أثناء الحملة توحي بوضع نهاية لدعم تقنيات الطاقة المتجددة. ولكن تصريحاته الأخيرة تدعو إلى تعزيز كل أشكال الطاقة بما في ذلك الموارد المتجددة مما يعني أنه سوف لن يستهدفها في نهاية الأمر.
وحتى إذا فعل ذلك (أي استهدفها) ما هي الخيارات المتاحة له؟ فإنهاء أو تقليص دعمها الضريبي قد تمت جدولته سلفا. إلى ذلك فإن مزارع الرياح والطاقة الشمسية (محطات إنتاج الكهرباء بواسطة هذين الموردين) عادة ما يتم تركيبها في مناطق ريفية مؤيدة للحزب الجهوري. وهذا ما يفسر لماذا أنها تحصل على مثل هذا القدر الكبير من دعم الجمهوريين في المقام الأول.
إنَّ كل هذه المناطق الريفية في «ممر الرياح» بالولايات المتحدة قد لا تسعد إذا سعى مرشحها المفضل لتقويض واحدة من أهم موارد نموها الاقتصادي. وربما أن المنقذ لإنتاج الفحم في الولايات المتحدة هو تصديره إلى أوروبا أو الصين. ولكن طلب أوروبا على الفحم يتضاءل. ومن جهة أخرى، يبدو أن ترامب يأخذنا باتجاه خوض حرب تجارية مع الصين. وسيعني ذلك، إذا حدث، أن الصينيين يمكنهم الرد على أمريكا بعدم شراء فحمها الحجري. وحتى إذا تم تجنب الحرب التجارية فإن الصين يمكنها الحصول على الفحم الحجري الرخيص على الفور من أستراليا القريبة.
ما الذي يعنيه هذا لِغِمَارِ الأمريكيين؟ يعني أن أسعار الطاقة ستظل منخفضة وسيتواصل التحسن في نوعية الهواء. وكلا هذين العاملين سيساعدان الاقتصاد على النمو. إن معاناة الفحم الحجري حقيقية، من أية جهة نظرت إليها. ويصعب التلطيف من حدتها. ومهما حاول ترامب حمايته من وطأة المنافسة في سوق الطاقة فإن مثل هذه السياسة يصعب تطبيقها وستضعه في مواجهة حادة مع جمهوريين مهمين وأصحاب مصلحة ومع سياسات شكلت أولويات للجمهوريين لفترة طويلة.

• الكاتب نائب مدير معهد الطاقة بجامعة تكساس أوستن.