الاستثمار السياحي للجبال العمانية

د.سيف بن سليمان المعني –
Saifalmaani54@gmail.com –

أكاد كل يوم أنظر إلى جبار الحجر، بتضاريسها، وتعرجاتها، الجيولوجية، وبصخورها الجميلة، المتعددة الألوان، فهذه الجبال تحتضن عماننا الحبيبة من شمالها ووسطها وجنوبها، وكل قرية تطلق على الجزء القريب منها أسماء مختلفة تعكس الهوية والموقع، فلو نطقت هذه الجبال الصامتة لروت لنا قصصا وحكايات عن حضارة الإنسان وروعة الأرض والمكان، فهي شاهدة على الكثير من تاريخ أجيال مرت من حولها وعاشت وتركت بصمات الماضي على صخورها، وما زالت هذه الجبال العاتية بشموخها، وهيبتها، تتربع على موقعها، بينما البشر يتعاقبون عليها، يا ترى كم من الأجيال عاشت هنا، وما الذي كان يشدهم ليعيشوا على هذه القمم العالية وبطبيعتها الجغرافية القاسية؟
ومما لا شك فيه سنكون جزءا من تاريخ هذه الجبال لترويه لأجيال ستأتي من بعدنا، وستظل هي صامدة في مكانها وكأنها ترقب حياة الإنسان العابرة، ولسان حالها يقول: أنا لست حكاية منسية …. أنا أنشودة محكية … في خاطرة الزمان وفي ذاكرة الإنسان، هذه الجبال تناشد المستثمرين أن يأتوا إليها ويكتشفوا مكنونها وخباياها ليراه العالم في قالب سياحي، فتقطيع صخورها فقط ليس بالاستثمار الحقيقي.
تمتد سلسلة الجبال من أقصى شمال عمان حيث قمم جبال مسندم حتى رأس الحد بطول 700 كيلومتر، وفي أقصى الجنوب من السلطنة جبال ظفار أهمها جبل سمحان، وعندما نتحدث عن جبال عمان للوهلة الأولى تتبادر لأذهاننا صور الجبل الأخضر الذي يبلغ أقصى ارتفاع له قمة جبل شمس التي تبلغ أكثر من 3 آلاف متر، وجبل الكور لما تمتاز به من قمم عالية فريدة في أشكالها وتكويناتها ومعالمها، وهو الذي ما زال الكثير منها لم يكتشف بعد، خاصة الكهوف وأنواع الصخور، والأشجار، والطيور، وأما تنوع الطقس فتلك ميزة أخرى قلما وجدت في المنطقة حيث يمكن للجبل الأخضر وكذلك جبل الكور أن يحتضنا منتجعات سياحية يأتي إليها السياح من الداخل والخارج، في وقت يهرب الناس من شدة حرارة الصيف إلى مناطق أبرد، فطبيعة هذه الجبال واعدة لمثل هذا النوع من السياحة، ودول كثيرة شقيقة لنا تتشوق إليها بدلا من الذهاب إلى مناطق بعيدة يكون فيه عامل اللغة عائقا لهم.
لم أفكر يوما أن هذه الجبال العالية التي وقفت شاهدة على العديد من الحضارات عبر ملايين السنين وما زالت شامخة بعظمتها أنها ذات أهمية كبيرة للتنمية السياحية حتى سنحت لي الفرصة لزيارة زهنج جيا جيه) Zhangjiajie) بجمهورية الصين الشعبية، وهي منطقة جبلية وعرة تتشابه إلى حد بعيد مع تضاريس جبال عمان، ولكن الفرق فيما بينهما أن سلسلة جبال زهنج جيا جيه (Zhangjiajie) تم استغلالها سياحيا، بينما بقينا في السلطنة ننظر لهذه الجبال من بعيد والجشعون منا يريدون تقطيع أوصالها لتصدر للعالم كمنتجات صخرية، منطقة زهنج جيا جيه (Zhangjiajie) تعد اليوم واحدة من أهم المعالم السياحية في العالم، ويرتادها السياح من داخل وخارج الصين، ولذلك شهدت المنطقة عملية تطوير وتنمية سياحية كبيرة؛ لتتناسب مع الأفواج السياحية الضخمة التي ترتادها حتى أصبحت اليوم مدينة جميلة تحتضنها تلك الطيات والتشكيلات الجبلية في الجزء الشمالي الغربي من جبال الصين.
في عام 1992م صنفت اليونيسكو متنزه زهنج جيا جيه ( Zhangjiajie) موقعا للتراث العالمي، نظرا لما يمثله من معالم نادرة الوجود، ومنذ ذلك التاريخ اهتمت الحكومة الصينية بالمنطقة، وشجعت المستثمرين على بناء مشاريع سياحية لاستغلال إمكانياتها بشكل واسع، وزودت المدينة بأرقى أنواع الفنادق العالمية بما يتناسب مع كل الفئات وأذواقها، فخلال 23 سنة تحولت المنطقة من منطقة ريفية زراعية وعرة ومتخلفة إلى موقع جذب سياحي عالمي، فهل سنعيش لنرى بعضا من قرى الجبل الأخضر، مثل الشريجة، والعين، وحيل المسبت، وكذلك قرى جبل الكور منزوب، سنت، وحيل سلمان… الخ، مناطق مزدهرة بالاستثمار السياحي كما حصل في زهنج جيا جيه ( Zhangjiajie)، أتمنى ذلك.
تعد مرتفعات زهنج جيا جيه ( Zhangjiajie) حديقة طبيعية شبه معلقة خاصة متنزه ولينغيوان Wulingyuan بتلاله الجبلية العالية والحادة على شكل مسلات أو أعمدة صخرية ضخمة، وهذه المرتفعات الجبلية واحدة من أهم وأغرب مظاهر الطبيعة في العالم، حيث تحتوي على 243 عمودا صخريا شاهقا، ويصل ارتفاعات البعض منها إلى نحو 1.000 متر فوق مستوى سطح البحر، وما يضفي على هذه القمم المزيد من الإثارة هو أن قممها مغطاة بغابات من الأشجار الكثيفة التي تجعل الناظر إليها يشعر كأنه في عالم آخر، مع العلم أن هذه القمم تتكون أصلا من حجر الكوارتز الرملي.
ولتسهيل تسلق بعض تلك القمم الضخمة تم تشييد عدد كبير من العربات المعلقة (Cable Cars) تبدأ من أسفل المدينة حتى تصل إلى أعلى القمم، وبالتالي ربط المناطق السياحية ببغضها، ليسهل الوصول والانتقال إليها، كما أن المنطقة تحتوي على واحد من أضخم المصاعد في العالم، وهو مصعد بايلونغ (Bailong) الذي تم تشييده بجانب إحدى تلك المنحدرات الصخرية الحادة بواجهته الزجاجية التي تطل على الأودية والمنحدرات الجميلة.
ويستطيع المصعد حمل 48 شخصا في وقت واحد؛ ليصل بهم إلى أعلى قمة الجبل بسرعة فائقة، وتم تصنيف المصعد كأسرع وأطول مصعد في العالم، ويبلغ ارتفاعه 330 مترا، وقد وفر الجهد والعناء في تسلق الجبل المحفوف بالمخاطر، ويذكر أن مصعد بايلونغ تم تشييده بين عامي 1999 و 2002 وقد كلف 120 مليون يوان، أي نحو 19 مليون دولار أمريكي، ويعد واحدا من أهم مناطق الجذب السياحي في تلك المنطقة.
إضافة إلى ما تم ذكره هنالك الفتحة الجبلية المسماة «بوابة السماء» ( Sky Gate) والجسر الزجاجي المتحرك، وكذلك الممر المشيد على سفح قمة جبلية.
الغاية من الإسهاب في هذا السرد ليس دعاية للمنطقة على الرغم من أنها تستحق ذلك، بل هي محاولة مني لوصف تلك المنطقة للوصول إلى فهم صحيح لأهمية استغلال المرتفعات الجبلية المتوفرة بكثرة بالسلطنة التي هي عبارة عن سلاسل جبلية متراصة ذات تاريخ جيولوجي طويل، وما طرأ على هذه الجبال من تغييرات واختلافات عبر ملايين السنين أكسبتها طابعا خاصا، وصفات تبحث عن علماء الجيولوجيا لتصنيفها وتبويبها، وبالتالي حمايتها من عبث العابثين، وللأسف الشديد هذه الجبال الجميلة الزاهية بألوانها المختلفة وطبيعتها الجذابة ليست مستغلة استغلالا سياحية يليق بجمالها وأشكالها المتنوعة، وما أقوله عن سلسلة جبال الحجر الغربي بالتأكيد ينطبق على جبال صلالة الخضراء في فصل الصيف والزاهية بالشتاء، وكذلك الحال بجبال مسندم التي تعانق البحر في منظر يبهر العقل، وفي هذا الإطار، ومن مدينة زهنج جيا جيه (Zhangjiajie) بعثت برسالة إلكترونية لوزارة السياحة كان نصها كالتالي:
أرسل إليكم هذه الرسالة من منطقة زهنج جيا جيه ( Zhangjiajie) بجمهورية الصين الشعبية، وهي منطقة مشابهة إلى حد بعيد من حيث التضاريس والمرتفعات الجبلية بالسلطنة، خاصة الجبل الأخضر وجبل الكور.
لقد استغل الصينيون المرتفعات الجبلية أفضل استغلال، وطوروها سياحيا، ونمت كل المناطق من حولها، وأصبحت منطقة سياحية ضخمة، فقد تحول الريف الفقير المتخلف إلى منطقة سياحية ضخمة خلال 23 سنة فقط، زودت بجميع أنواع الفنادق والخدمات، وأصبحت تعج بالحركة السياحية على مدار العام، والسبب في ذلك يعود إلى أنها طورت سياحيا وربطت بالعربان المعلقة الكهربائية «كيبل كارز» والمصاعد المتحركة للانتقال بين المرتفعات، وبالطبع نمت الأماكن التي تبدأ منها والتي تصل إليها أو تمر من خلالها وأصبح فقراؤها الفلاحون من الأغنياء يملكون الفنادق ويعملون بالسياحة.
ضمن الرحلة أيضا كنا قد أخذنا جولة بالباخرة في إحدى بحيرات الماء العذب فأنا بالطبع في الغالب كل ما هو ماء يشدني ويثير اهتمامي، في البداية كنت أعتقد أنها بحيرة طبيعية بينما هي في الواقع ليست سوى بحيرة تقع خلف سد صناعي لتخزين المياه سطحيا مشابه لسد وادي ضيقة، زودها الصينيون ليس بقوارب صغيرة للتجديف بل بسفن سياحية تحمل أعدادا كبيرة من السياح تأخذهم في رحلات حول بحيرة السد، وتذكرت على الفور تلك البحيرة الكبيرة الجذابة خلف سد وادي ضيقة التي لا يستفاد منها حتى الآن كما يجب، وبالمقارنة أجد بحيرة سد وادي ضيقة أكبر بكثير من تلك البحيرة الصينية، ولكن الفرق بينهما أن بحيرة سد وادي ضيقة غير مستغل سياحيا.
أقترح على وزارة السياحة أن ترسل متخصصين أو مستثمرين للاطلاع على تلك المشاريع المهمة والمفيدة أو التحاور مع مستثمرين صينيين أو أجانب بهدف تطوير وتبني مشاريع العربات المعلقة (Cable Cars) في جبال عمان تعود بالنفع والفائدة على السلطنة، وتخلق فرص عمل للمواطنين.
رب سائل يقول: وهل المسألة فقط تتمثل في وجود العربات المعلقة للصعود إلى هذه المرتفعات الجبلية، الجواب طبعا لا، فلا بد أن يكن هنالك ما يستحق مشاهدته خلال رحلة الصعود أو النزول من المرتفعات الجبلية بواسطة العربات المعلقة، إضافة إلى الطبيعة الجبلية، وعبر محطات الرحلة، وفي نظري المرور عبر الأودية ومشاهدة تلك الصخور الضخمة والتكوينات الجيولوجية ( كوادي حلفين مثلا) والكهوف المكتشفة التي يصل عمرها إلى مئات الملايين من السنين تستحق المشاهدة، ويمكن الانتقال بين قصص جيولوجية مختلفة باختلاف المكان، بعض هذه التكوينات مثيرة وتكذب السياح إليها كالطيات الجبلية، والصدوع المختلفة، المنتشرة على طول سلاسل جبال عمان لمسافات طويلة، ناهيك عن التكوينات الجيولوجية المختلفة من مكان لآخر، ففي هذه الجبال يمكن مشاهدة بقايا الحفريات والكائنات البحرية المتحجرة، أو بقايا الغابات المتحجرة. لدى السلطنة والحمد لله صناعات تقليدية وحرفية يمكن ترويجها كمنتجات عبر مواقع المحطات التي ستصل إليها العربات المعلقة كما تفعل العديد من الدول في الترويج السياحي إلى جانب المقاهي والمطاعم، وبالتالي ربط خط سير العربات المعلقة بشبكة المواصلات العامة أو الخاصة، سواء كان بأسفل الجبال أو على المرتفعات الجبلية.
مثل هذه المشاريع ستضيف إلى سلسلة مناطق الجذب السياحي وتؤدي لنمو عدد السياح القادمين للسلطنة، وستخلق فرص عمل كبيرة، وليس بالضرورة أن تتحمل الحكومة تكاليف بناء هذه المشاريع، بل يمكن إعطاء تسهيلات ودعم مباشر وغير مباشر للمستثمرين لتنفيذ مشاريع سياحية بهذه الجبال، إلى جانب إمكانية تأسيس شركات قطاع خاص عبر الاكتتاب العام كما تفعل الكثير من الدول في تمويل المشاريع الضخمة، أو بتمويل من صناديق الاستثمار بدل البحث عن استثمارات خارج السلطنة. ولكن هل البيروقراطية التي أصبحت عائقا حقيقيا نحو التقدم في مشاريع كهذه سوف تجعل من ذلك أمرا يسيرا تحت مسميات مختلفة ومتعددة؟ منها المتطلبات البيئية، والحفاظ على المنظر العام والتلوث …. إلى آخر القائمة، وكل جهة لها متطلباتها وقوانينها لا تتفق مع باقي الجهات على سياسات مشتركة، وواضحة، للتسهيل على المستثمرين، وهل لدى المستثمرين الصبر على انتظار لا نهاية محددة له؟ حتى يتم الحصول على التراخيص اللازمة؟، ولكن الموضوع يستحق الدراسة والبحث، فالسلطنة في أمس الحاجة لإيجاد روافد اقتصادية متعددة الجوانب للخروج من عنق زجاجة النفط القاتلة الذي أخذ يكبل الجميع بقيوده.