أغنية المقهى الحزين «7»

كارسُن مكّلَرْز –
ترجمة: أحمد شافعي –

وقع القتال في عيد الخلد، الثاني من فبراير. كان الطقس مواتيا، فلا هو بالممطر ولا المشمس، والحرارة معتدلة. وكانت العلامات كثيرة على أن اليوم هو اليوم الموعود، فلم تحل العاشرة صباحا إلا وقد استشرى الخبر في المقاطعة كلها. في بداية الصباح مضت الآنسة آيمليا فقطعت كيس الملاكمة. جلس مارفين ميسي على الدرج الخلفي وبين ركبتيه برطمان من دهن الخنزير مضى يدهن به ساعديه وساقيه باعتناء بالغ. حلَّق صقر أحمر الصدر فوق البلدة، وحام مرة أو اثنتين حول بيت الآنسة آيمليا. نقلت موائد المقهى إلى السقيفة الخلفية لإخلاء الغرفة الكبيرة كلها للقتال. كانت العلامات من كل نوع واضحة. أكل كل من الآنسة آيمليا ومارفين ميسي أربع غرفات من الشواء نصف الناضج في الغداء، ثم تمددا في فترة ما بعد الظهر اختزانا للقوة. فاستراح مارفين ميسي في الغرفة الكبيرة العلوية، أما الآنسة آيمليا فتمددت على أريكة مكتبها، وقد بدا على وجهها المتخشب الأبيض كم تتعذب لعدم قيامها بأي شيء، فيما عدا استلقاءها على الأريكة في هدوء جثة، مغمضة، عاقدة يديها على صدرها.
أما ابن الخالة لايمن فقضى يومه قلقا، وقد ارتسمت الإثارة والتحفز على وجهه الضئيل. أعد لنفسه الغداء وخرج ليرى الخلد ورجع في ظرف ساعة، فتناول الغداء، وقال إن الخلد رأى ظله وإن طقسا سيئا في الانتظار. ثم خطر له وقد خلدت الآنسة آميليا ومارفين ميسي إلى الراحة استجماعا لقوتيهما فبقي هو وحده يطلي السقيفة الأمامية. ولم يكن البيت قد طلي منذ سنين، بل ولا يعلم إلا الله إن كان عرف الطلاء أساسا. مضى ابن الخالة لأيمن يتحرك ببطء، وسرعان ما كان انتهى من طلاء نصف أرضية السقيفة بأخضر فاتح بهيج. كان عمله أخرق، فأغرقه الطلاء، كما أنه بدأ- قبل أن يكمل الأرضية- في طلاء الجدران، فطلى منها ما مكَّنه منه طوله ثم وقف على صندوق ليكمل، فلما نفد الطلاء، كان جانب الأرضية الأيمن أخضر مشرقا، وكذلك جزء غير منتظم من الجدار، وعلى ذلك الحال ترك ابن الخالة لايمن البيت.
وكان في رضاه عن طلائه شيء طفولي. وفي هذه الصدد لا بد من ذكر معلومة مثيرة. لم يكن في البلدة أحد، ولا حتى الآنسة آيمليا، على علم بعمر الأحدب على وجه التحديد. ذهب البعض إلى أنه حينما وفد على البلدة كان في العشرين، لا يزال طفلا، وكان آخرون على يقين من أنه تجاوز الأربعين طبعا. كانت عيناه زرقاوين ثابتتين كعيني طفل، ولكن هناك ظلالا داكنة مجعدة أسفل العينين الزرقاوين تشي بعمره. كان من المستحيل تخمين عمره في ظل احديداب جسمه وغرابته. وحتى أسنانه لم تكن تكشف شيئا، فقد كانت جميعها لم تزل في أماكنها (وإن كسرت اثنتان وهو يفتح بهما الجوز) وتلوث لونها بما كان يأكل من حلوى فبات من المحال على أحد أن يعرف أهي أسنان عجوز أم شابة. وحين كان يسأله أحد عن سنّه كان يزعم أنه لا يعرف أي شيء، وأنه لا فكرة لديه عما قضاه على الأرض، عشر سنوات أم مائة! فبقيت حقيقة سنه لغزا.
أنهى ابن الخالة لايمن ما أنهى من الطلاء في الخامسة والنصف من عصر ذلك اليوم. واشتد البرد، وصار للهواء طعم، وهبت الرياح من أشجار الصنوبر، فزعزعت الشبابيك، وعصفت بالجرائد القديمة في الطريق فلم تكن تفلتها إلا عالقة في هذه الشجرة الشائكة أو تلك. وبدأ الناس يتوافدون من الريف، في عربات محمّلة تبرز منها رؤوس الأطفال المحملقة، وتجرها بغال هرمة بدت تبتسم في ضجر وكلل وتمضي في الطريق متثاقلة توشك أن تسدل أجفانها على أعينها. وجاء ثلاثة صبية من مدينة سوسايتي، وثلاثتهم كانوا يرتدون قمصانا حريرية صفراء، ويضعون قبعاتهم معكوسة، فكانوا أشبه بفريق، وكانوا كثيرا ما يظهرون في مباريات صراع الديكة ومعسكرات التخييم. وفي السادسة مساء أعلنت صافرة المصنع نهاية وردية النهار فاكتمل الجمع. وكان طبيعيا أن يكون بين الوافدين الجدد بعض الرعاع والمجهولين، ومن إلى ذلك، ولكن الجمع ـ برغم ذلك ـ كان في غاية الهدوء. حلَّ على البلدة صمت وبدت أوجه الناس غريبة في ضوء النهار الغارب. وسرعان ما حلت العتمة، فللحظة كانت السماء صفراء صافية من وراء سقف الكنيسة الهرمي الذي بدا معتما بارزا، ثم ذوت السماء فتكاثفت العتمة آتية بالليل.
السبعة رقم شائع، وكان مفضلا بصفة خاصة لدى الآنسة آيمليا. سبع شربات ماء علاجا للفواق، سبع دورات جريا حول بركة الطاحونة علاجا للشد العضلي في الرقبة، سبع جرعات من «مزيل آيمليا السحري» علاجا من الديدان، هكذا كان علاجها دائما يقوم على هذا الرقم. وهو رقم عامر بالاحتمالات، وكل محب للغموض والسحر يعرف له قدره. فكان الموعد المحدد للقتال هو السابعة. وكان ذلك معلوما للجميع، لا بإعلان واضح، ولكن بإدراك قاطع كإدراك المطر من رائحته قبل هطوله، أو البرك من نتنها. فلم تحل السابعة إلا والجمع مكتمل حول بيت الآنسة آيمليا، وأكثرهم ذكاء هم الذين دخلوا المقهى نفسه، ووقفوا محاذين جدران المكان. في حين تكدَّس آخرون في السقيفة، أو وقفوا في الفناء.
ولم تظهر الآنسة آيمليا أو مارفين ميسي. فالآنسة بعدما استراحت طوال فترة العصر على أريكة المكتب، صعدت إلى الطابق العلوي. وفي المقابل كان ابن الخالة لايمن حاضرا طول الوقت، يشق طريقه وسط الزحام، مطقطقا أصابعه في توتر، وغير متمالك رفرفة جفنيه. وقبل السابعة بدقيقة واحدة تملّص من بين المزدحمين داخلا المقهى ثم صاعدا أعلى النضد. وهدأ كل شيء.
لا بد أن الأمر كان يجري بناء على ترتيب مسبق. فلم تكد الساعة تدق آخر دقات السابعة حتى ظهرت الآنسة آيمليا أعلى السلم، وفي الوقت نفسه ظهر مارفين ميسي في مواجهة المقهى، فأفسح له المزدحمون طريقا دون أن ينطقوا بكلمة. سار الاثنان نحو أحدهما الآخر بلا عجلة، وقد شدَّد كل منهما قبضته، وبدت عيناه في وجهه كأعين الحالمين. كان الآنسة آيمليا قد خلعت فستانها الأحمر ورجعت إلى العفريتة وقد شمرت ساقيها حتى الركبتين، وتقدمت حافية وقد لفت حول معصمها الأيمن ضمادة. مارفين ميسي أيضا كان قد شمَّر بنطاله، وبات عاري الجذع، لامعا تماما بالدهن، وكان يرتدي الحذاء الثقيل الذي صرف له وهو خارج من السجن. وتقدم من وسط الزحام ستامبي مكفيل وربت على جيوبهما براحة يده اليمني ليتثبت أنه ما من سكاكين ستظهر على حين غرة. ثم لم يبق غيرهما في دائرة خالية وسط المقهى الساطع.
لم تكن هناك إشارة، لكن كليهما اندفع في الوقت نفسه، فلكم كل الآخر لكمة هوت على الذقن، تراجعت على إثرها رأسا الآنسة آيمليا ومارفين ميسي وترنَّحا قليلا. ولثوانٍ قليلة بعد اللكمتين الأوليين بقي كلاهما لا يزيد عن الزحف بالقدمين على الأرض العارية، وتجربة أوضاع جديدة، والتهديد بالقبضات. ثم إذا بهما، كقطين بريين، فوق أحدهما الآخر. وعلا صوت ضرب، ولهاث، واهتزاز من الأرض. كانا في غاية السرعة فصعب على الحاضرين أن يميزوا ما الذي يجري، وفي لحظة تقهقرت الآنسة آيمليا موشكة على السقوط، وفي أخرى تلقّى مارفين ميسي ضربة على كتفه دار إثرها حول نفسه. ومضى القتال بهذا العنف الهادر بلا بادرة وهن من أي من الطرفين.
في صراع من هذا النوع، حينما يكون الخصمان بهذه السرعة والقوة، يجدر كثيرا الانصراف عن ارتباك القتال، والنظر بدلا من ذلك في أمر المشاهدين. كان الناس قد اقتربوا من الجدران على أكبر نحو ممكن، فجثم ستامبي مكفيل في الركن وقد انقبضت يداه بدافع من تعاطفه، ومضى يصدر أصواتا غريبة. أما المسكين ميرلاي ريان ففغر فاه لدرجة أن دخلته ذبابة فابتلعها قبل أن يدرك ما جرى. وابن الخالة لايمن بالذات كان جديرا بالمشاهدة. كان الأحدب لا يزال واقفا على النضد، فكان أعلى من كل من عداه داخل المقهى، وقد وضع يديه على فخذيه، واندفع رأسه الضخم إلى الأمام، وانثنت ساقاه القصيرتان حتى برزت ركبتاهما إلى الخارج. وقد جعلته الإثارة يتعرق، وجعلت فمه الشاحب يرتعش.
انقضى نحو نصف ساعة قبل أن يتحول مسار القتال. مئات اللكمات سددت ولم يبد أن التعادل يتذبذب. إلى أن تمكن مارفين ميسي فجأة من الإمساك بذرع الآنسة آيمليا الأيسر وليِّه وراء ظهرها، فقاومته حتى قبضت على خصره، وهكذا بدأ القتال الحقيقي، فالمصارعة هي القتال الحقيقي في هذه المقاطعة، إذ الملاكمة سريعة تقتضي الكثير من التفكير والتركيز. والآن وقد التحمت الآنسة آيمليا ومارفين بدأ الجمع يفيق من خدره ويقترب منهما أكثر فأكثر، ولفترة بقي المتقاتلان ملتحمي العضلات، وقد تضافرت عظام أفخاذهما، ومضيا يترنحان إلى الأمام وإلى الخلف ومن جانب إلى جانب، وبلَّل العرق الغزير عفريتة الآنسة آيمليا ومضى يسيل على ساقيها حتى باتت تترك مواطئ أقدام بليلة، وحانت لحظة الاختبار، وفي لحظات الجهد الهائل هذه، كانت الآنسة آيمليا هي الأقوى. كان مارفين ميسي غارقا في الدهن، فكان زلقا، سهل الانفلات، لكنها كانت الأقوى. فمضت بالتدريج تلويه إلى الوراء، وبوصة بعد بوصة كانت تقترب به من الأرض. كان المنظر رهيبا، ولم يكن من صوت في المقهى كله إلا لأنفاسهما الخشنة، وأخيرا طرحته على الأرض، وامتطته، ووضعت يديها القويتين حول رقبته.
وفي تلك اللحظة، وقد انتهى القتال بنصر واضح، علت في المقهى صرخة سرت لها رعشة في الظهور. وما جرى بعدها لا يزال لغزا إلى الآن. لقد كانت البلدة كلها حاضرة تشهد ما جرى، ولكن هناك من تشككوا لاحقا في أبصارهم. لقد كان النضد الذي وقف عليه ابن الخالة لايمن يبتعد عن المتقاتلين في وسط المقهى بنحو ثلاثة أمتار ونصف المتر، ولكن لم تكد الآنسة آيمليا تقبض على رقية مارفين ميسي حتى وثب الأحدب محلقا في الهواء كمن نبت له فجأة جناحا صقر، ثم حط فوق ظهر الآنسة آيمليا القوي وقبض على رقبتها بأصابعه الضئيلة المخلبية.
والبقية غائمة. تعرضت الآنسة آيمليا للضرب قبل أن يسترد المزدحمون وعيهم. وبسبب الأحدب كان مارفين ميسي هو الذي فاز في القتال، وفي النهاية بقيت الآنسة آيمليا طريحة الأرض، مفرودة الذراعين، لا تند عنها حركة، ومن فوقها يقف مارفين ميسي، جاحظ العينين، مبتسما مع ذلك ابتسامته القديمة، ذات الفم المفتوح، والأحدب، فجأة غاب عن الأنظار. لعله فزع مما فعله للتو، أو ربما فرح بما فعل فودَّ أن يحتفل وحده بالمجد، ولكنه على أية حال انسرب من المقهى، زاحفا باتجاه الدرج الخلفي. صبّ أحدهم ماء على وجه الآنسة آيمليا، فقامت بعد لحظات وسحبت نفسها في بطء إلى غرفة مكتبها. ومن الباب المفتوح أمكن للواقفين أن يروها تجلس إلى مكتبها، دافنة وجهها في مرفقها، باكية بآخر ما لديها من أنفاس مشروخة لاهثة. وما كادت تقوى حتى ضربت سطح مكتبها بقبضتها اليمني ثلاث مرات، ثم فردت قبضتها في وهن وأبقتها مفرودة كذلك على المكتب. وتقدم ستامبي مكفيل خطوات فأغلق الباب.
بقي الجمع يعلوهم الصمت، ثم إنهم غادروا المقهى واحدا إثر الآخر. أوقظت البغال وفك وثاقها، ودارت السيارات، ومضى صبية مدينة سوسايتي الثلاثة راجلين على الطريق. ذلك قتال ما كان ينبغي أن يعقبه كلام وثرثرة، بل مضى الناس إلى بيوتهم وأحكموا الأغطية على رؤوسهم. وغرقت البلدة في الظلام إلا بيت الآنسة آيمليا، الذي بقيت كل غرفة فيه مضاءة طيلة تلك الليلة.
لا بد أن مارفين ميسي والأحدب غادرا البلدة قبل ساعة من طلوع النهار أو نحو ذلك، وقبل رحيلها، هذا ما فعلاه:
فتحا خزانة المقتنيات الشخصية وأخذا كل ما فيها.
كسرا البيانو الآلي.
حفرا كلمات نابية على موائد المقهى.
عثرا على الساعة التي تفتح من الخلف فتكشف عن صورة شلال واستوليا عليها هي الأخرى.
سكبا جالونا من الشراب في المطبخ وهشما برطمانات الكمثرى المخزنة.
ذهبا إلى البرك وحطما جهاز التقطير القديم تماما، وخربا الجديد والمبرِّد، وأشعلا النار في الكوخ نفسه.
أعدا وجبة من أحب الأطعمة إلى الآنسة آيمليا، أي الجريش والسجق، وأشبعاها بكمية من السم كافية لقتل المقاطعة كلها، ووضعا الطبق على نضد المقهى يسيل له اللعاب.
قاما بكل فعل تخريبي خطر لهما بدون أن يقتحما غرفة المكتب التي بقيت الآنسة آيمليا فيها طيلة الليلة. ثم انطلقا معا، هما الاثنان.
وهكذا بقيت الآنسة آيمليا وحيدة في البلدة. كان أهل البلدة ليمدوا لها يد العون، لو أنهم عرفوا طريقة لذلك، فأهل هذه البلدة غالبا ما يكونون لطفاء حينما تسنح لهم الفرصة، جاء العديد من ربات البيوت يشمشمن ومعهن المكانس يعرضن تنظيم الحطام، فلم تزد الآنسة أيمليا عن النظر إليهن بعينيها الحولاوين التائهتين وهز رأسها. وفي اليوم الثالث جاء ستامبي مكفيل ليشتري كيسا من تبغ كويني، فقالت الآنسة آيمليا إن الثمن دولار. ارتفع بغتة كل ما في المقهى ليصبح سعر أي شيء دولارا. فأي مقهى ذلك؟ كذلك تغيرت كثيرا في عملها الطبي. لقد كانت في جميع السنوات السابقة أنجح من طبيب تشيهو نفسه، فلم يحدث مرة أن استهانت بروح مريض، فمنعته عن أي من الضرورات الحقيقية مثل الخمر أو التبغ وما إلى ذلك. وإن كان يحدث على فترات متباعدة للغاية أن تحذر مريضا بشدة ألا يقرب البطيخ المقلي أو ما يماثله مما لا يخطر على بال أحد أصلا أن يأكله. انتهت كل تلك البراعة الطبية. فقالت لنصف مرضاها إنهم سيموتون فورا، وأوصت النصف الباقي بأدوية عسيرة المنال مؤلمة بحيث لا يمكن لذي عقل صائب أن يفكر في تناولها.
تركت الآنسة آيمليا شعرها أشعث، وبدأ الشيب يستشري فيه. استطال وجهها، وتقلصت عضلات جسمها القوية حتى باتت في نحول العوانس العجائز حينما يصيبهن الجنون. والعينان الرماديتان ازدادتا يوما بعد يوم حولا، واقتربت كل منهما من الأخرى، حتى لقد بدا وكأن إحداهما تريد أن تتبادل مع الأخرى نظرة حزن وإحساس بالوحشة. ولم يعد مبهجا لأحد أن يستمع إليها، وقد احتد لسانها على نحو شنيع.
وكلما كان أحد يذكر الأحدب تقول «ياه، لو أضع يدي عليه، لأنتزعن مصرانه وأرميه للقطط». ولكن لم تكن الكلمات هي الشنيعة، إنما الصوت الذي تقال به الكلمات. صوتها الذي راحت منه حيويته القديمة، راحت منه حتى رنة الانتقام التي كانت فيه كلما ذكرت «ميكانيكي الأنوال الذي تزوجته» أو غيره من أعدائها. كان صوتها منكسرا، واطئا، وحزينا كأنه نحيب الأرغن الكنسي الباكي.
ظلت ثلاث سنين لا تكاد تبارح جلستها كل ليلة على الدرج الأمامي، وحيدة، ساكتة، ناظرة إلى الطريق، منتظرة. ولكن الأحدب لم يرجع قط. سرت شائعات أن مارفين ميسي كان يستعمله في اقتحام الشبابيك، وشائعات أخرى بأنه باعه لسيرك. ولكن كلا الشائعتين صدرت في الأصل عن ميرلاي ريان. ولم يسمع عنه أي شيء حقيقي. وفي السنة الرابعة استأجرت الآنسة آيمليا نجارا من تشيهو، فأحاط البيت كله بالألواح الخشبية، ومنذ ذلك الحين، وهي باقية داخل البيت الموصد.
نعم، موحشة هي البلدة. وفي أصائل أغسطس يخلو الطريق، ويكسوه الغبار الأبيض، وتسطع فوقه السماء سطوع الزجاج. لا شيء يتحرك، لا صوت يعلو لطفل، ليس سوى طنين الطاحونة. ويبدو أن شجر الخوخ يزداد اعوجاجا كل صيف، ويزداد الورق فيه شحوبا وهشاشة ومرضا. وبيت الآنسة آيمليا يميل كثيرا إلى اليمين فهي مسألة وقت فقط قبل أن ينهار تماما، فصار الناس يحذرون أن يسيروا قرب فنائه. ولم يعد من الممكن شراء شراب جيد في البلدة، وأفضل جهاز تقطير يقع على بعد ثمانية أميال، ومن يذق ذلك الشراب تظهر الثآليل في كبده ويرى في الحلم نفسه في عوالم مقبضة. لا يكاد يوجد ما يمكن القيام به في البلدة. المشي حول بركة الطاحونة، الوقوف لركل جذع منتن، التفكير في ما يمكن عمله بالشاحنة المركونة على الطريق قرب الكنيسة. تتعفن الروح من فرط الملل. وإن كان يمكن الذهاب إلى طريق فورك فولز السريع والاستماع إلى غناء العمال المساجين.

الرجال الاثنا عشر الفانون

يقع طريق فورك فولز السريع على بعد ثلاثة أميال من البلدة، وفيه يعمل العمال المساجين وهم مغللون بالقيود. الطريق مرصوف، وقررت المقاطعة ترقيع أجزائه المكسورة وتوسيعه في أحد مواضعه الخطيرة. تتألف جماعة العمال من اثني عشر سجينا، كلهم يرتدون سترات السجن السوداء المخططة عرضيا بالأبيض، وكلهم مسلسلون من كواحلهم. ومعهم حارس، معه بندقية، تحولت عيناه إلى شقين أحمرين من شدة الوهج حوله. تعمل الجماعة طيلة النهار. تصل مشحونة في عربة السجن بعد الفجر مباشرة، ثم ترجع فيها في غسق أغسطس الرمادي. وطيلة النهار تتردد أصوات المعاول في الأرض، تحت الشمس الحارة، وتفوح رائحة العرق. وكل نهار هناك موسيقى. يبدأ صوت حزين بعبارة، هي بين الكلام والغناء، كأنها سؤال، ولا تمضي لحظة حتى ينضم صوت آخر، وسرعان ما تنخرط الجماعة كلها في الغناء. الأصوات كئيبة جميعا، ومتوهجة، والنغم مزيج من الوجع والبهجة. ويظل ينتفخ النغم إلى أن يبدو في نهاية المطاف وكأنه يتعالى لا من الاثني عشر رجلا بل من الأرض نفسها، أو من السماء الواسعة. نغم يتسع له القلب، ويهدأ السامع بنشوة وخوف. ثم تخفت الموسيقى ببطء حتى لا يبقى غير صوت رجل واحد، ثم لهاث عظيم، وشمس، ومعاول في الصمت.
وأي جماعة هذه التي تبعث هذا النغم؟ ليست سوى اثني عشر فانيا، سبعة منهم سود، وخمسة بيض من المقاطعة. اثنا عشر فانيا معا.

تمت