ثورة نوفمبر الجزائرية .. دروس من الماضي للحاضر

د. صالح بوشلاغم –

يحتفل الجزائريون كل عام في غرة نوفمبر بذكرى ثورتهم المجيدة ضد المستعمر الفرنسي، ولقد سبقت نوفمبر ثورات عدة منها ثورة الأمير عبدالقادر الجزائري الشهيرة، وقد استبسل فيها الجزائريون وضحّوا بأموالهم وأنفسهم، لكن كيد العدو كان أشد وأنكى، وآلة المستعمر كانت أشد بطشا.
وبهذه المناسبة، لا نذكر ثورة التحرير لأجل التغني بأمجاد آبائنا الشهداء الذي قتلوا وماتوا وعذبوا وبطش بهم المستعمر في كل سبيل، فذلك أمر لا يسعى إليه إلا مهزومو الذات الفاقدون لكل أمل، بل نذكر ثورة نوفمبر وتضحيات آبائنا الشهداء اليوم، من أجل مواصلة انطلاقة الماضي، ذلك الماضي الذي لا تختلف ظروفه عن واقع الجزائريين اليوم كثيرا، تلك الانطلاقة التي غيّرت مجرى حياة الجزائريين وكانت مطلع فجر جديد، كما دون ذلك شاعر الثورة «مفدي زكريا» في قصيدته الشهيرة نوفمبر. وإذا كانت التحديات مختلفة يقينا فإن همَّ السمو بهذه الأمة ورفعتها وحمايتها من كيد أعدائها لا يزال قائما وغاية يسعى إليها كل وطني وفيٍّ لوطنه، وإنساني وفي لقيم العدالة والإنسانية.
لم تكن ثورة نوفمبر 1954 الجزائرية قاصرة على مواجهة المستعمر الفرنسي الغاصب في ميادين السلاح والمواجهات الدامية، بل كانت فوق ذلك تحريرا للإنسان الجزائري من سياج الخنوع والخضوع، كانت تحريرا للجزائريين من غشاوة الجهل وتراكم الاعتقادات المؤمنة بوجود فرنسا الأزلي. ولقد دوَّن المستعمر الفرنسي اسم الجزائر في دستوره باعتبارها قطعة من فرنسا، واستقدم المستعمرين وبنى لهم المستوطنات، وقاد هجمة ثقافية ماكرة تسعى لتغريب الشعب الجزائري عن أصوله، ولم تكن تحدثه نفسه يوما أن هذا الشعب سيثور على بطشه وطغيانه، ويلفظ وجوده على أراضيه الطاهرة، وتعود جحافل فرنسا خائبة خاسرة مدحورة إلى ديارها.
لم تكن انطلاقة الثورة الجزائرية في نوفمبر 1954 لتتم لولا اتحاد الشعب الجزائري حول ثورته، تلك الوحدة التي قطعت عقودا من التشتت صنعها المستعمر لتفريق الفطَر السليمة التي تأبى العدوان والظلم، ولقد جيشت فرنسا جيوشها من العملاء والخونة من كافة التخصصات، فاشترت من المثقفين من عمل على بسط نفوذها الثقافي، ومن المتاجرين بالدين من نشر عقيدة الإيمان بقدَر فرنسا المحتوم على الجزائريين، وأن الثورة على فرنسا هي مواجهة للقدر ومعارضة للمشيئة الإلهية، وكونت جيشا في الصحراء تقمع به كل حركة تحرر تأبى الخضوع.
انطلقت ثورة نوفمبر لتواجه مائة وثلاثين سنة من الاستعمار، متسلحة بمنظور وطني وإقليمي وعالمي يسعى لتحرير الإنسان من نير المستعمرين الغاصبين، ويوقد في العالمين حب الحرية، ويناصر المستضعفين، وتسلحت ثورة نوفمبر الجزائرية بروح وطنية وعالمية سامية، يجدها القارئ جليَّة في بيان ثورة أول نوفمبر، الذي جاء فيه أن أول أهداف الثورة: «1- إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية. 2- احترام جميع الحريات الأساسية دون تمييز عرقي أو ديني»، ويجدها ماثلة حية في فكر جيل الثورة الذين كانوا يفرحون ببعضهم وينصرون بعضهم شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، من كافة مناطق الجزائر، من سيدي فرج إلى تمنراست ومن تبسة إلى معسكر وعنابة وقسنطينة والأوراس إلى وهران وتلمسان والأغواط وغرداية وورقلة، ومصداق ذلك ما تجده في قصائد مفدي زكريا، الشاعر الثوري الوفي لوطنه وأمته، من تغن بكافة أطياف الشعب الجزائري ومجتمعاته وأعراقه ولغاته ولهجاته، وليس غريبا أن يكون هذا الشاعر الثوري الفصيح الذي تهز قصائده كل عالم باللسان العربي من أصول أمازيغية، فلم يكن يجد تعارضا بين الثقافة العربية الإسلامية التي لا يستغني عنها مسلم، وأصوله الأمازيغية التي جعلها الله ضمن آياته في اختلاف الألسن والألوان.. ومن جهة أخرى تجد «مفدي زكريا» في قصائده الثورية يجمع أبناء الوطن الواحد، وفي الوقت نفسه يلهم الثوار ضد الطغيان والظلم في فلسطين، ويهنئ الجوار الجزائري بتحرره من المستعمر، ويشكر دعم الأشقاء في البلدان الشقيقة.
تلقن الثورة الجزائرية درسا للمجتمعات المقهورة التي سلبت حريتها واستولى عليها الطغيان فأذلها وقطع أوصالها، بأن العدل والحرية مقاصد سامية تجمع شتات المختلفين في المذهب والطائفة والديانة والعرق واللغة وفي كل شيء… فالفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها تجمعهم تحت مظلة الحرية، وتعلمهم أن التعصب للطائفة أو المذهب أو الجهة أو غير ذلك من الاعتبارات ليس إلا خدمة كبيرة يقدمها المسلمون لأعدائهم، فالإسلام دين يستوعب الجميع، والمسلمون يستوعبون في مجتمعاتهم كل الديانات وكل المذاهب وكل إنسان مؤمن بقيم الحرية والعدالة، ولا يحارب الإسلام إلا من يطغى ويجور ويعيث في الأرض فسادا، إنه الفكر الرباني الراقي الجامع لكافة أفراد الإنسانية تحت شعار العدل والحرية والأمان للجميع… سلام على نوفمبر 1954، سلام على ذكراه الثانية بعد الستين.