نوافـذ: صور نمطية

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

تحجز الصور النمطية في ذاكرة المجتمع مساحة غير هينة في هذه الذاكرة، وتظل حاضرة في الخيال «الشعبي» حتى تصبح إحدى المسلمات في الحكم على الأشياء، وفي اتخاذ القرارات، وحتى إن تطورت الحالة المجتمعية وكسبت مرتقى متقدما في مفهوم الوعي؛ بفضل المعرفة المتحققة على واقع الناس، ذلك أن الصور النمطية شأنها شأن كل المحبطات في القيم المجتمعية التي يؤمن بها الناس، ويعتمدونها كأسلوب حياة لا يمكن أن تسير الحياة بدون الرجوع الى هذه القيم، ومن ضمنها هذه الصور النمطية المتوغلة في الذاكرة المجتمعية.
وبوقفة قصيرة دعنا نتابع مجموعة من هذه الصور، فعلى سبيل المثال لا الحصر المرأة والرجل (الزوج والزوجة) وحالات التصادم المستمرة، وكأنهما وجدا طرفين متضادين، وليسا كإنسانين متحابين، فالمرأة على الرغم من المكتسب المعرفي والوجاهي الذي حققته ولا تزال فهي وفق الصورة النمطية فرد ضعيف تتحكم فيه العاطفة تعليها أو تسقطها الكلمة الرقيقة، والرجل إنسان متسلط صاحب هوى متقلب المزاج متعجرف، معتز بقوته أكثر مما ينبغي – ولذلك يشاع المجتمع الذكوري – الطفل؛ غير واع، الضحك عليه سهل، المسؤول متسلط، صاحب رؤية أحادية، لا يراعي مصالح الآخرين، رجل المدينة؛ متمدن، لا يهتم بالجوانب الاجتماعية، يعيش لنفسه، رجل الريف؛ ساذج – كل النكات تفصل على شخصيته – غير موضوعي، سهل إسقاطه في مطب الخديعة، وقس على ذلك أمثلة كثيرة.
في كل هذه الصور التي ذكرت، وفي غيرها التي لم تذكر تتقدمها الصور النمطية للحكم المسبق عليها قبل تفنيدها، وتقييمها، ومقارنتها بالواقع، ولعل جل هذه الصور التي انبنت عليها الأحكام المسبقة قبل تمحيصها هي مقتبسة من مواقف استثنائية بحتة، أما حقيقتها فغير ذلك تماما، وانعكاسا لما يردده الناس في مجالسهم؛ وبما يتفق مع هذه المواقف الاستثنائية تنبني عليها أحكام مطلقة، وتعطى صفة الاستمرارية والبقاء والخلود إن تيسر ذلك؛ ولذلك بقيت هذه الصور تراوح مكانها في الحكم على هؤلاء جميعهم حتى هذا العمر المتقدم من الوعي الجمعي، والتقدم المعرفي، واليوم الثورة الاتصالية التي ألغت الحدود، وقربت المسافات.
نتفق أن المجتمع ليس سهلا في كثير من الأحيان أن تمرر عليه مثل هذه المسلمات دون أن تستوقفه للتمييز والتقييم، خاصة عندما تتلبسه الجدة والانفعال، ولكن حتى في مثل هذه الظروف والحالات تظل مثل هذه الصور حاضرة، ولها أثرها في التقييم النهائي للحكم على الأشياء، وما يساعد على ذلك كسل الذاكرة أو الهمة، فيقال لك باللهجة الدارجة: « ما لي تو أنا تاعب نفسي، ترى، كما يقول المثل، هذه ما تتغير عن حالها»، ويطوى الملف بعد ذلك عند هذا التسليم المطلق، هل هذا من الحكمة؟ طبعا لا، هل هذا هو الواقع؟ طبعا لا، هل هذا ما يجب أن يؤمن به الناس؟ طبعا لا، ألم تؤثر العوامل المعززة للمعرفة والوعي في تغيير مثل هذه القناعات؟ بلى لها ذلك، ولكن يتم تجاوزها، بناء – كما قلنا – على تجارب شخصية، ومواقف شخصية، فتنتقل من حكم الاستثناء إلى الحكم المطلق، ورسم صور نمطية جديدة عن كل حالة من الحالات السابقة ذكرها.
هل هذه الصور مربكة ومقلقة للمشهد؟ نعم، خاصة أنها تتصادم مع قناعات كثيرة استطاعت هذه الشخصيات أن تثبتها على أرض الواقع، وما يزعج الأمر أكثر هذه الحاضنة المستمرة لمثل هذه الصورة النمطية من قبل عامة الناس وخاصتهم، وكأن الحياة لم تتغير قيد أنملة كل هذا الدفق المعرفي، وكل هذا الكم من الخبرات والتجارب والمعايشة المستمرة، فمتى يستريح الإنسان من التحرر من هذه المعرقلات للنمو؟!.