facebook twitter instagram youtube whatsapp
أفكار وآراء

ليبيا الجديدة .. وشق طريق وسط الألغام!!

19 أبريل 2021

د. عبدالحميد الموافي -

بعد نحو عشر سنوات من المواجهات المسلحة والصراعات متعددة الأبعاد التي عانت منها ليبيا الشقيقة منذ عام 2011 ، تدخل ليبيا بالفعل إلى مرحلة تنزع نحو الاستقرار الداخلي النسبي على الأقل، ومن ثم التهيئة للتخلص التدريجي من تبعات وآثار العشرية الليبية السوداء، وذلك بعد نجاح ملتقى الحوار الوطني الليبي، وبدعم القوى الإقليمية والدولية المعنية بالأوضاع الليبية، في تشكيل مجلس رئاسي وحكومة وحدة وطنية يمثلان كل ليبيا.

وبينما تسلمت حكومة الوحدة الوطنية الانتقالية الجديدة برئاسة عبدالحميد الدبيبة، وكذلك المجلس الرئاسي الجديد برئاسة محمد بن يونس المنفي، مهامهما في منتصف شهر مارس الماضي، خلفًا لحكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج وللمجلس الأعلى للدولة برئاسة خالد المشري، اللذين تشكلا وفق اتفاق الصخيرات عام 2015، وهو ما يعني مرور أقل من أربعين يومًا، إلا أنه يمكن القول إن ليبيا الآن هي ليبيا جديدة، على الأقل بما هو مأمول لها من جانب القيادات الجديدة ومن جانب معظم القوى والأطراف المعنية، داخل ليبيا وخارجها أيضا.

صحيح أنه من المبكر الحكم بنجاح المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية في تحقيق الأهداف والأولويات المحددة، ولكن الصحيح أيضا هو أن الأسابيع القليلة الماضية شهدت في الواقع تحركات ومؤشرات تهيئ المناخ داخل ليبيا ومن حولها لتحقيق المزيد من الاستقرار المنشود، والسير بخطى متتابعة على الطريق الطويل للإعداد للانتخابات العامة والرئاسية في 24 ديسمبر من هذا العام، وبما يضع ليبيا بالفعل على طريق الاستقرار، وينزع من طريقها الكثير من الألغام التي لا تزال مطمورة في أماكن ومواقع كثيرة من الأراضي الليبية، وبعضها ظاهر للعيان في تحدٍ سافرٍ لكل الراغبين في تحقيق استقرار ليبيا وتخلصها من كل أدران العشرية السوداء في كل المجالات، وفي مقدمتها الميليشيات الليبية والأجنبية، وبعض الوحدات المسلحة التابعة لهذا الطرف الإقليمي أو الدولي أو ذاك.

وبرغم المخاطر التي لا تزال قائمة، وما تحتاجه من جهد وتعاون وتنسيق وتوافق بين الأطراف المعنية، ليبية وإقليمية ودولية، تسعى السلطات الليبية الجديدة بنشاط ووعي من أجل شق طريقها وسط حقل الألغام الذي تركه عقد الاقتتال والتشرذم والمواجهات المسلحة، التي توقفت منذ أكتوبر الماضي، وأن تشارك مختلف القوى والأطراف الليبية والإقليمية والدولية في تمتينه والحفاظ عليه لتتمكن السلطات الليبية الجديدة من التقدم بدون خوف، أو بأقل قدر من القلق، نحو تحقيق ما تعهدت به عند تسلمها السلطة، وهو العمل على استعادة الوحدة الوطنية الليبية وإتاحة الفرصة لأوسع قدر من المشاركة أمام مختلف القوى للإسهام في بناء ليبيا الغد لصالح كل الليبيين وتحقيق المصالح المشتركة والمتبادلة مع مختلف الأطراف والقوى الإقليمية والدولية، ولصالح استقرار وأمن وتطور المنطقة ككل أيضا.

وفي هذا الإطار فإنه يمكن الإشارة باختصار شديد إلى عدد من الجوانب، لعل من أهمها ما يلي: أولا: إنه ليس مصادفة أن تحظى ليبيا والأوضاع فيها باهتمام مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، بالنظر إلى أهميتها الاستراتيجية وسواحلها الطويلة على البحر المتوسط، واتساع أراضيها، وضخامة مواردها من النفط والغاز، وقلة سكانها (حوالي ستة ملايين نسمة)، وما تمثله من جسر بري سهل بين البحر المتوسط والعمق الإفريقي ومن ثم تحولها إلى نافذة للهجرة غير المشروعة إلى أوروبا وإلى ثغرة تمرح فيها تنظيمات إرهابية عديدة، ولذا فقد التقت مختلف الأطراف الإقليمية والدولية عند نقطة العمل من أجل إعادة الاستقرار إلى الأراضي الليبية، ليس فقط خوفا من مزيد من الانفلات الأمني فيها، ولكن أيضا رغبة في الحفاظ على مصالحها، خاصة بعد يقين كل الأطراف أن استمرار المواجهات المسلحة والحرب بالوكالة يهدد المصالح ويستنزف الإمكانيات، ومما له أهمية كبيرة أن مجلس الأمن الدولي تبنى يوم الجمعة 16 أبريل الجاري قرارًا بالإجماع، تزامن مع اقتراح جوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة بإنشاء وحدة مراقبة لوقف إطلاق النار في ليبيا ضمن البعثة الأممية في ليبيا والتي يترأسها «يان ابيش».

وتتمثل أهمية قرار مجلس الأمن ليس فقط في أنه صدر بإجماع الدول الأعضاء في المجلس، بما يعنيه ذلك من مساندة دولية واضحة لما يتضمنه، ولكن أيضا في أن القرار يمثل خطة عمل يمكنها، إذا تم تنفيذها، أن تضع ليبيا على طريق الاستقرار وبدعم إقليمي ودولي تحتاج إليه بالفعل.

فقد نص القرار على «إنشاء وحدة مراقبة لوقف إطلاق النار تشمل 60 مراقبا في أقصى حد، وتكون جزءًا من بعثة الدعم الأممية في ليبيا» وتكون هذه الوحدة «منفصلة عن آلية لمراقبة الاتفاق ينكب طرفا النزاع على تشكيلها في مدينة سرت»، حيث تقوم مجموعة 5+5 العسكرية بهذا الجهد، وبينما رحب قرار مجلس الأمن باتفاق وقف إطلاق النار الموقع في 23 أكتوبر الماضي ودعا إلى التنفيذ الكامل له من جانب جميع الأطراف الليبية، وضرورة احترامه من جانب جميع الدول الأعضاء، وبتشكيل حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة، فإنه شدد كذلك على «الانسحاب الفوري لجميع القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا»، وعلى «ضرورة نزع السلاح وإعادة إدماج الجماعات المسلحة وجميع الفاعلين المسلحين خارج إطار الدولة وإصلاح القطاع الأمني وإنشاء هيكل دفاعي شامل ومسؤول في ليبيا»، مع التحضير لضمان أن تكون «الانتخابات الرئاسية والبرلمانية حرة ونزيهة وشاملة».

وفي الوقت الذي تمثل فيه بنود قرار مجلس الأمن أهدافًا وآمالًا يرحب بها الليبيون، ومن يريدون وضع ليبيا على طريق الاستقرار، فإن حكومة الوحدة الوطنية الانتقالية الليبية والمجلس الرئاسي يسابقان الزمن في التحرك والاتصال والتباحث مع كل الأطراف الإقليمية والدولية لاستكشاف آفاق العمل وسبل التعاون مع الأطراف المختلفة وكيفية ضمان المصالح الليبية ومصالح الأطراف الأخرى بالطبع.

وقد حرصت السلطات الليبية الجديدة على عدم اتخاذ موقف مسبق ضد أي طرف، رغبة في تأمين أكبر قدر ممكن من التوافق وشق طريق وسط الألغام والابتعاد قدر الإمكان عن حالة الاستقطاب التي سادت من قبل وأدت إلى تدهور الأوضاع في ليبيا خلال الفترة السابقة.

ثانيا: إنه في الوقت الذي تشعر فيه حكومة الوحدة الوطنية في ليبيا والمجلس الرئاسي بوطأة تعدد الميليشيات والجماعات المسلحة الليبية وغير الليبية، وبالحاجة إلى التنسيق مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية لإخراج الميليشيات والجماعات المسلحة من ليبيا بدون مضاعفات سلبية، وفي الوقت ذاته استطلاع مدى إمكانية دمج الميليشيات الليبية المناطقية، أو بعضها على الأقل في قوات الشرطة وفي القوات المسلحة الليبية في هيكلها الجديد الذي لم يتم تحديده بعد، فإن استكمال فتح الطريق الساحلي، وتأمين حركة الانتقال والاتصال بين المدن الليبية، واستكمال الإجراءات الخاصة بالاستفتاء على الدستور الليبي الجديد، وحسم مسألة كيفية انتخاب رئيس الجمهورية، وما إذا كانت ستتم عبر انتخابات عامة أو عبر تصويت البرلمان الليبي، وبالطبع مصير الاتفاقيات التي أبرمتها حكومة الوفاق الوطني الليبية -حكومة فايز السراج- حول تخطيط الحدود البحرية الليبية مع تركيا في البحر المتوسط، وحول التعاون مع أطراف إقليمية محددة واستبعاد أطراف أخرى بفعل حالة الاستقطاب التي سادت من قبل، كل ذلك وغيره من القضايا الشائكة ماليًا واقتصاديًا وأمنيًا يجعل الوقت ضيقًا ومشحونًا بالنسبة للحكومة الليبية والمجلس الرئاسي، وهو ما يضعهما أيضًا أمام تحديات حقيقية، خاصة إذا عمدت بعض الأطراف إلى إثارة مشكلات أمنية في شرق ليبيا أو غربها أو جنوبها من خلال عمليات اغتيال أو اشتباكات مسلحة أو غيرها، أو إذا حاولت فرض وجودها ونفوذها في مواجهة الحكومة الجديدة، وهي أمور لا يمكن استبعادها.

ثالثا: إن الأسابيع القليلة الماضية شهدت تحركات نشطة لحكومة الوحدة الوطنية الانتقالية الليبية والمجلس الرئاسي، حيث جرت زيارات متبادلة مع كل من مصر وتونس وتركيا واليونان وروسيا، وهي اتصالات تواكبت مع حدوث اتصالات بين مصر وتركيا، في محاولة للانتقال بالعلاقات المصرية-التركية إلى مرحلة جديدة، ومن المقرر أن يزور وفد تركي مصر في أوائل الشهر القادم للتباحث على مستوى نائب وزير الخارجية لتجاوز أهم الخلافات، التي تراكمت في السنوات الثماني الماضية.

وبينما أكدت القاهرة على موقفها الداعم لاستقرار ليبيا ومساعدتها على تجاوز ما تواجهه من مشكلات، وهو ما تم التأكيد عليه أيضا خلال زيارة رئيس الحكومة الليبية عبدالحميد الدبيبة للقاهرة ولقائه مع الرئيس عبدالفتاح السيسي مؤخرًا، فإن العلاقات والمصالح المصرية-الليبية تمتد في الواقع من حماية الحدود ومنع تسلل العناصر الإرهابية، إلى الإسهام في عمليات الإعمار واستعادة الشركات المصرية لأعمالها ومشروعاتها التي تعطلت في ليبيا خلال السنوات الأخيرة، فضلًا عن التعاون المصري-الليبي الواسع في مجالات الأمن والدفاع والصناعة والاتصالات والبنية التحتية وغيرها، ولعل الأيام القادمة تشهد تحركات وخطوات عملية في تلك المجالات، لتجاوز الفجوة التي حدثت خلال السنوات الأخيرة، خاصة أن خبرة التعاون بين البلدين الشقيقين كبيرة ومتشعبة وعميقة ومحققة لمصالح البلدين على مدى سنوات طويلة.

من جانب آخر فإنه بينما قام رئيس الحكومة الانتقالية الليبية بزيارة إلى موسكو في 15 أبريل الجاري لبحث العلاقات بين موسكو وطرابلس، وما يتصل بقوات «فاجنر» العاملة في ليبيا ومستقبلها، والتعاون بين روسيا وليبيا في المجالات المختلفة، فإن تلك الزيارة لا تنفصل عن الزيارة التي قام بها الرئيس التونسي قيس سعيّد إلى طرابلس، والزيارة التي قام بها هذا الشهر إلى القاهرة، وما يتسم به التعاون والتنسيق المصري التونسي بالنسبة لليبيا من أهمية، وهو تنسيق يتسع ليشمل في بعض جوانبه الجزائر وعدد من دول الجوار الليبية الأخرى،

على أن أبرز التحركات تتمثل في التحرك الليبي حيال تركيا واليونان، وهو تحرك يعود في جانب منه إلى حرص كل من أنقرة وأثينا على إعادة ترتيب العلاقات مع الحكومة الجديدة وضمان مصالحهما.

وليس من المبالغة القول بأن الحرص التركي على ضمان المصالح الكبيرة في ليبيا مع الحكومة الجديدة، قابله استعداد وتجاوب من جانب حكومة الدبيبة وعدم اتخاذ موقف مسبق أو تحفظ من جانبها حيال التعاون مع تركيا، ومما له دلالة في هذا المجال أن محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي زار أنقرة في 26 مارس الماضي -أي بعد عشرة أيام تقريبا من توليه مهامه- وذلك بدعوة من الرئيس التركي أردوغان.

وفي 10 أبريل تسلم المنفي أوراق اعتماد السفير التركي الجديد في ليبيا (كنان يلماظ) حيث تم التأكيد على الحفاظ على المصالح المشتركة بين البلدين، وفي 12 أبريل قام رئيس الحكومة الليبية عبدالحميد الدبيبة بزيارة تركيا على رأس وفد ضم 14 وزيرا، وفي اليوم التالي تم عقد الاجتماع الأول «للمجلس الليبي-التركي للتعاون الاستراتيجي رفيع المستوى» وقد أكد البيان المشترك عقب الاجتماع على التزام الطرفين باتفاق ترسيم الحدود البحرية الذي تم التوصل إليه في نوفمبر 2019، وتعزيز التعاون لإصلاح القطاع الأمني وحل مشكلات الشركات التركية في ليبيا وعودتها للعمل وزيادة التبادل التجاري إلى 5 مليارات دولار، كما أكد التعاون في مجالات الطاقة والصناعة، والصناعات الدفاعية، وأهمية مذكرات التفاهم الموقعة بين البلدين، وباختصار شديد أكدت تركيا اتفاقاتها السابقة مع ليبيا وهو ما ينهي قلقها بشأن التغير السياسي في ليبيا.

وبالنسبة لليونان قام رئيس وزراء اليونان كيرياكوس ميتسوتاكيس بزيارة ليبيا في 6 أبريل الجاري وأعلن إعادة فتح السفارة اليونانية في طرابلس، كما أبدى رئيس وزراء ليبيا استعداد بلاده لاستئناف مفاوضات تحديد الحدود البحرية بين الدولتين، ثم قام وزير خارجية اليونان نيكوس ديندياس بزيارة بنغازي يوم 13 أبريل حيث أكد على استعداد بلاده لتفعيل اتفاقيات التعاون مع ليبيا وتوقيع اتفاقيات جديدة معها.

وبعد ذلك بيوم واحد فقط وخلال زيارة رئيس وزراء ليبيا لتركيا، قام محمد المنفي رئيس مجلس الرئاسة الليبي بزيارة إلى اليونان، في إشارة إلى حرص ليبيا على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف وقد تم الاتفاق على إجراء محادثات حول الحدود البحرية وتفعيل التعاون وعودة الشركات اليونانية للعمل في ليبيا.

وإذا كان هذا التحرك الليبي يوفر طريقًا أفضل للحكومة الليبية، فالمأمول هو دعم استقرار ليبيا بشكل أكبر والحفاظ على توازن المصالح بين كل الأطراف المعنية، وفي المقدمة منها مصر وتونس بالطبع.

أعمدة
WhatsApp Image 2021-04-15 at 12.11.00 PM
كرسي للأفلاج في جامعة نزوى: التعريفات
محمود الرحبي -تفاعل بالفرح والتساؤل كل من وصل إلى مسامعه خبر تأسيس أول كرسي لدراسة الأفلاج في العالم خصت به جامعة نزوى، وأول كرسي في جامعة خاصة في عمان، كرسي بحثي يختص بدراسات « عالم المياه الأثري» وقد تم اختيار الباحث العماني الدكتور عبدالله الغافري، المحاضر في نفس الجامعة- والذي...