facebook twitter instagram youtube whatsapp
أفكار وآراء

البنفسج في الابتكارات الحِرفية

10 أبريل 2021

د.عائشة الدرمكية -

في مقالها (الثقافة في صميم الاقتصاد البنفسجي لدعم أبعاد التنمية المستدامة) المنشور في المجلة الدولية للدراسات الاقتصادية في عددها الرابع عشر الصادر في يناير 2021، تحدثنا رشيدة بوجحفة عن المفهوم الجديد الذي طرحته منظمة اليونسكو ولجنة الاتحاد الأوروبي مع وزارة الثقافة والاتصال الفرنسية في العام 2001، وقد أُطلق عليه (الاقتصاد البنفسجي)، والذي يعبر عن الإبداع والابتكار في مجالات الثقافة انطلاقا من مبدأ التنوع الثقافي المتجلي في تلك الأساليب المتنوعة التي يُعبَّر بها عن التراث الثقافي الإنساني وإثرائه وتداوله ونقله، إضافة إلى «تنوع أنماط إبداع أشكال التعبير الفني وإنتاجها ونشرها وتوزيعها والتمتع بها أيا كانت الوسائل والتكنولوجيات المستخدمة في ذلك» - بحسب بوجحفة.

ولأن (الاقتصاد البنفسجي) يعتمد على الاستثمار في الثقافة في إطار نهج متكامل للتنمية المستدامة؛ فهو استثمار تنموي للموارد الثقافية المحلية القائمة على التراث الثقافي وأنماط الثقافة المتطورة بأشكالها المتنوعة؛ ولهذا فإن بوجحفة في مقالها هذا تحاول تقديم صورة تكاملية بينه وبين الاقتصاد الأخضر القائم على البيئة، والاقتصاد الاجتماعي الذي يشمل المجالات الاجتماعية بُغية الوصول إلى شمولية القطاع الثقافي وتداخله مع القطاعات التنموية المتعددة من ناحية، وأهميته في تحقيق أهداف التنمية المستدامة من ناحية أخرى، الأمر الذي نجده يتجلى في العديد من أنماط الثقافة وعلى رأسها الصناعات الإبداعية المتعلقة بالحِرف التقليدية التي تمثل بيئة خصبة للاستثمار والابتكار.

لذا فإن هذا النمط الثقافي من الاستثمار يسهم بشكل مباشر في التنمية بأبعادها المختلفة التي يمكن أن تُقاس بمجموعة من المؤشرات «بحسب بوجحفة» منها التعبيرات الثقافية والصناعات الإبداعية وإحياء التراث الثقافي، ومؤشر النشاط الثقافي ومجمل الشراكات المحلية والدولية، وإسهاماته في التنوع الاقتصادي، بحيث يمكن أن يمُّثِل شاهدا لإسهامات الثقافة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة. إن هذه الرؤية التي تقدمها الصناعات الإبداعية في الحِرف تُظهر تلك العلاقات التشاركية بين الثقافة والقطاعات التنموية الأخرى في ظل المتغيرات البيئية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على إنتاج أشكال إبداعية مبتكرة تجعلها دائمة الحيوية والمرونة.

إن ارتباط التنمية بالإنتاج الثقافي والإبداعات والابتكارات يؤسس لإنتاج أشكال من الصناعات الثقافية القادرة ليس على الصمود وحسب، بل التنافس مع الصناعات القطاعية الأخرى، الأمر الذي يجعل من الإبداع والابتكار فيها ضرورة أساسية؛ فالصناعات الحِرفية التي تتميز بها سلطنة عمان قامت في الأصل على العمل اليدوي باستخدام الوسائل التقنية المتاحة عبر الحقب التاريخية المختلفة، الأمر الذي يعني أن هذه الصناعات عليها اليوم استخدام تلك التقنيات الحديثة التي ستوفر لها قدرات إبداعية ابتكارية، تزيد من كفاءة الإنتاج والابتكار.

لقد دعمت منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو) - بحسب تقريرها للعام 2019- إنشاء قطاع للصناعات الإبداعية له سمة الدينامية، يهدف إلى « توليد فرص العمل من خلال الاعتراف بدور الثقافة في التنمية الصناعية، والابتكار، ومباشرة الأعمال الحرة التي تستغل الفرص المتاحة»، وقد عملت المنظمة على إعداد الأطر العامة للسياسات التي تنظم عمل هذه الصناعات وتدعم أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة، الأمر الذي سيسهم في توسيع نطاقها وبالتالي نطاق مساهمتها في التنمية الاقتصادية.

ولهذا فإن الصناعات الإبداعية الحِرفية المعتمدة على الابتكار في التراث الثقافي تتأسس على منظومة من القدرات الاستثمارية البيئية والثقافية، والتي تعتمد على المواد الخام المحلية من ناحية وقدرة المبدع على التشكيل والإنتاج وفق ما تطلق عليه اليونسكو (الاقتصاد الخلاق)، بحيث تَظهر أشكال حديثة ومبتكرة للأصول الثقافية المتوارثة، الأمر الذي يعني أن هذه الصناعات لا تعتمد على التقليد في الإنتاج وإنما الاحتفاظ على التقاليد الفنية مع الابتكار الذي يواكب العصر.

ولأن سلطنة عمان لها تجربة رائدة في هذا النوع من الصناعات من خلال تمكين المؤسسات الحِرفية ودعم الشباب الحرفين وتدريبهم؛ فإن دليل المؤسسات الحرفية الذي أصدرته وزارة التراث والسياحة (الهيئة العامة للصناعات الحرفية سابقا) يشير إلى أن عدد المؤسسات الصغيرة في مجالات الفضيات، والنسيج، والفخار، والخزف، والخشبيات، والسعفيات، والمقطرات، والجلود، والعطور والبخور بلغ (322) مؤسسة منتشرة في محافظات السلطنة المختلفة، وبلغ عدد الحرفيين حتى نهاية 2019 (23591) حرفيا وحرفية، وقد سجل التقرير ارتفاعا في عدد الحرفيين الحاصلين على الدعم المادي بنسبة (3.4%)؛ حيث حصل عدد (1097) حرفيا وحرفية على الدعم المادي بإجمالي قدره (312400ر.ع) مقارنة بالدعم الحرفي المقدم عام 2018 البالغ (301600ر.ع).

الأمر الذي يكشف التنامي المتزايد في عدد المبدعين والحرفيين في هذه الصناعات بفضل التنمية الثقافية والتدريب والدعم الذي تقدمه الدولة لهؤلاء الشباب؛ فقد «سجلت مراكز التدريب والإنتاج الحرفي في العام 2019 (62271) منتجا وبسعر إجمالي قدره (1927177ر.ع)»- بحسب التقرير نفسه -الأمر الذي يكشف مساهمة هذه الصناعات الإبداعية في التنمية الصناعية والدخل الوطني للسلطنة. غير أن المتابع لهذه الأعداد والإنتاجات يلحظ أن أغلبها قائم على المحاكاة في مجالات إبداعية محددة غير قادرة على الإنتاج الإبداعي الخلاق، وإنتاج فرص استثمارية جديدة في مجالات التراث الثقافي الأخرى القائمة على الابتكار؛ ذلك لأن الرؤية التي تأسست عليها هذه الصناعات تقوم على (الإنتاج الحِرفي) الذي يرتكز على المحاكاة لا الإنتاج الإبداعي؛ والحال أن هذه الرؤية لا تُخرِّج مبدعين قادرين على الابتكار بالوسائل التقنية والاستثمار بمعطيات الإدارة الثقافية والرؤية الاقتصادية الحديثة، بل حِرفيين يحتاجون إلى مبدع مبتكر يقودهم نحو الإنتاج المنافس ومستثمر قادر على قيادة وتسويق هذا الإنتاج. وهذا ما يكشفه الفاقد بين مدخلات هذا الاستثمار ومخرجاته، والذي يظهر جليا في ترتيب السلطنة في ركيزة (مخرجات الإبداع) في مؤشر الابتكار العالمي 2020؛ حيث تراجع إلى المرتبة (94)، والذي يشكل فيه مثل هذا الإبداع - لو تم وفق رؤية الصناعات الإبداعية- فارقا مهما في هذه الركيزة. الأمر الذي يحيلنا إلى قدرة هؤلاء (الحرفيين) على التأسيس للمشروعات الاستثمارية وتحقيق الصمود - على الأقل - في السوق الإبداعية وسط تزاحم المنافسات؛ فهذه الصناعات وفق رؤية (الحِرفية) التي انطلقت منها، ظلت رهينة التدريب القائم على النمذجة؛ وعلى الرغم من وجود بعض المبدعين الذين قدموا أفكارا إبداعية واستثمروها في هذا المجال، إلا أن أغلب ما نراه من منتجات قائم على (النمذجة) والتَكرار لمشروعات أو إبداعات سابقة، الأمر الذي يفقد هذه الصناعات القدرة على الصمود. إن الصناعات (الحِرفية) في السلطنة قوة إبداعية غير مُستغلة على مستوى الابتكار، وقدرة هائلة في فتح فرص للوظائف الإبداعية والمسانِدة على مستوى واسع، إذا ما استطاعنا إعادة رؤيتها وفق منظور الصناعات الإبداعية الحديثة وقدرتها التنموية القائمة على الإبداع والابتكار؛ فإذا كانت السلطنة قد أودعت « بحسب إصدار وزارة الإعلام عُمان 2019 » (797) منتجا من المصنفات الحِرفية ضمن حماية الملكية الفكرية للحِرف الوطنية»، فإن ذلك مؤشر على تلك الفرص الإبداعية التي يمكن أن تحظى بها السلطنة إذا ما تم تمكين هذه الإبداعات وفق رؤية ثقافية واقتصادية، لأن تلك المصنفات لن تحظى بقدرة على المنافسة إلا إذا تم تصنيعها باعتبارها إبداعا مبتكرا لا مجرد تعديل في النموذج أو الأصل، ولهذا يبقى هذا المجال الغني بحاجة إلى تخطيط وفق مرئيات الاقتصاد البنفسجي في مجتمع المعرفة.

أعمدة
WhatsApp Image 2021-04-15 at 12.10.58 PM (1)
هوامش.. ومتون: خيبات أمل ثقافيّة!
عبدالرزّاق الربيعي -بقلب تعصره المرارة، كتب د.عبدالعزيز المقالح «خاب ظنّي مع كثير ممن تحمّست لبداياتهم الأولى، وظننت أنّهم سيواصلون العدّ التصاعدي في الإبداع من الرقم واحد إلى ما لانهاية» ويستدرك الشاعر اليمني الكبير، المعروف بدعم الأدباء الشباب، والأخذ بأيديهم «لكنّهم- أو أغلبهم - لم يواصلوا المغامرة، ووقفوا عند بداية الأرقام...