facebook twitter instagram youtube whatsapp
أفكار وآراء

الإسراء.. والتشكيك في المسجد الأقصى

14 مارس 2021

زاهر بن حارث المحروقي -

ويبدو أنّ هذا ما يُراد للجيل الجديد من أبناء الأمة، التي هي الآن في أسوأ حالاتها؛ تترك الأساسيات وتهتم بالفرعيات، تتصارع وتتناحر فيما بينهما، وبأسُها على نفسها شديد؛ والعدوُ يسجّل انتصاراتٍ وراء انتصارات. ولكن الغريب في الأمر أنه رغم الحقائق على الأرض إلا أنّ هناك من يرى أنّنا إذا وصفنا الحال المؤلم للأمة والحال لا يخفى على أحد - فإنّ ذلك جلدٌ للذات.

مرّ على المسلمين حينٌ من الدهر، كان الخطباء يركزون في خطبهم وأحاديثهم مع حلول ذكرى الإسراء والمعراج، على معجزات تلك الرحلة التي حدثت في ليلة واحدة، فكانوا يتحدّثون عن تكذيب مشركي مكة للرحلة، وكيف أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وصف لهم بيت المقدس، وأخبرهم عن قافلتين لقريش؛ يتقدّم إحداها جملٌ أورق عليه غرارتان (كيسان كبيران). وعندما سألوه متى تصل القافلة؟ قال عليه الصلاة والسلام - وكان يوم الاثنين -: تصل يوم الأربعاء عند شروق الشمس. انفض الناس وليس لهم حديث إلا الإسراء إلى بيت المقدس، حتى إذا كان فجر الأربعاء اجتمع الناس، فإذا برجل من قريش يعلن إقبال العير، وأسرع أبو جهل ومعه سادة قريش إلى القافلة، فإذا بالقافلة يتقدّمها جملٌ أورق عليه غرارتان كما وصف النبيّ. لقد صدق قول الرسول ووصْفُه كله، إلا أنّ أبا جهل وقف أمام النبيّ قائلا «أشهد أنك لساحر».

ظلّت هذه الحكاية تتكرر في ذكرى مناسبة الإسراء والمعراج لسنواتٍ طويلة على ألسنة الخطباء بتغييرات طفيفة، رغم أنّ هناك متغيرات كثيرة حدثت في الأمة الإسلامية، وأهمُّها إنشاء الكيان الصهيوني واحتلال الصهاينة للمسجد الأقصى، وكأنّ إعادة رواية الرحلة موجهٌ للمشككين من المسلمين. ولكن الذي حدث بعد ذلك أنّ الخطب والنقاشات أصبحت تركِّز على مواضيع بعيدة؛ مثل هل حدثت الرحلة منامًا أم أنها حصلت بالروح والجسد؟ وهل رأى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ربه أم لم يره؟ وتطوّر الأمر إلى مناقشة الرحلة، هل كانت إسراءً فقط إلى المسجد الأقصى دون المعراج إلى السماء؟ وكلُّ ذلك دون التطرق إلى الخطورة التي أصبحت تحيط بالمسجد الأقصى. وقد تواصلتْ السلسلة حتى بدأت تُطرحُ أحاديث قوية عن المسجد الأقصى نفسه، تشكك المسلمين بأنّ المسجد الأقصى المذكور في القرآن الكريم ليس هو المسجد الأقصى في مدينة القدس، إنما هو مسجدٌ صغير في منطقة الجعرانة القريبة من مكة. وقدّم هذا الرأي كثيرون من أبناء جلدتنا من العرب والمسلمين، خاصةً في السنوات الأخيرة. ولم يقتصر النقاش على مواقع التواصل فقط، بل أصبحنا نقرأ مثل تلك الآراء عبر صحف، ونشاهد لقاءات مع أصحاب هذه الآراء عبر القنوات الفضائية. وصحيحٌ أنّ هناك ردودًا كثيرة ظهرت تفنّد تلك الآراء - وهي ظاهرة إيجابية طبعًا - إلا أنّها لم تستطع أن تلغي تلك الشبهات والشكوك؛ فالأمرُ أكبر من مجرد إطلاق رأي، إذ أنّ المردِّدين لفكرة التشكيك بالمسجد الأقصى لم يكونوا إلا صدى لخطة صهيونية تنفَّذ على نار هادئة من سنوات طويلة، تهدف إلى التشكيك في علاقة الإسلام والمسلمين بالقدس والمسجد الأقصى. وكان أول من أطلق تلك الفرية هو موردخاي كيدار وهو باحثٌ إسرائيلي في الثقافة العربية ومحاضرٌ في جامعة بار إيلان، وخبير في الثقافة الفلسطينية، خدم لمدة خمسة وعشرين عامًا في المخابرات العسكرية للجيش الإسرائيلي، ومتخصص في الجماعات الإسلامية والخطاب السياسي للدول العربية، وهي أوصافٌ لا بد من الإشارة إليها، إذا أردنا أن نعرف حقيقة خطة التشكيك في المسجد الأقصى. فقد زعم كيدار في شهر يوليو عام 2009، أنّ المسجد الأقصى يقع في الجزيرة العربية بين مكة والطائف، وأنّ فقهاء المسلمين «فبركوا» قصصًا عن أنّ المسجد الأقصى يقع في القدس، التي ليست لها أهمية تذكر في الدين الإسلامي؛ فالفقهاء المتأخرون - حسب رأيه - هم الذين أضفوا عليها مكانة غير حقيقية. وشن مردخاي كيدار، هجومًا عنيفًا على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، والفقهاءِ المسلمين، خلال ندوة خاصة نظمّها الكنيست الإسرائيلي، بعنوان «تاريخ السيادة اليهودية على القدس»، من خلال ورقته البحثية التي قدّمها بعنوان «مكانة القدس في الإسلام»، ذكر فيها أنّ القدس كانت دائمًا وسيلة للاستغلال السياسي من قبل المسلمين على مر التاريخ. ورأى كيدار أنّ «الصحابة فهموا المعنى الجغرافي الوارد في الآية الأولى من سورة الإسراء، وأنّ واقعة الإسراء والمعراج حدثت إلى المسجد الأقصى بالجعرانة، لكن الفقهاء المتأخرين ادعوا أنّ المسجد الأقصى المذكور في القرآن يقع في مدينة القدس، وجعلوا من القدس ثالث الحرمين الشريفين بعد مكة والمدينة»، ولم يكتف كيدار بكلامه هذا في الكنيست، بل ظهر على فضائية «الجزيرة» ليردِّدَ ذلك في برنامج «الاتجاه المعاكس» يوم 12 ديسمبر 2017م، وهي الفرية التي التقطها البعض وصار يردّدها في كلِّ مناسبة حرفيًا وكأنه ببغاء.

كانت حادثة الإسراء معجزة ربانية، لذا يحق لنا أن نسأل: أين هي المعجزة إذا كان الإسراء جرى إلى الجعرانة التي تبعد عن الحرم المكي تسعة وعشرين كيلو مترًا فقط؟ وهي المسافة التي يقطعها الشخص في سويعات قليلة مشيًا على الأقدام؟ وهل تحتاج هذه المسافة إلى أن تقطعها قافلة تجار مكة من يوم الاثنين حتى فجر الأربعاء كما أشرتُ سابقًا؟!

هناك خطةٌ صهيونية طويلة الأجل، تُطبخ على نار هادئة لخلخلة مكانة الأقصى في نفوس المسلمين، عبر التضليل والتشكيك، تمهيدًا لهدمه وبناء هيكل سليمان المزعوم مكانه. وأرى أن أعيد للقارئ ما سبق لي أن نشرتُه قبل اثنتي عشرة سنة عن هذا المنهج في مقال بعنوان «هل سيتم هدم المسجد الأقصى قريبا» نشرتُه في كتابي «الطريق إلى القدس» حيث قلت: «اعتمد القادة الصهاينة خطة طويلة الأمد لهدم المسجد الأقصى، بدأت من عام 1967، إذ أنهم يسرّبون يومًا بعد يوم أخبارًا متقطعة عن وجود الأنفاق حول المسجد، وينشرون نبوءات كاذبة حول قرب موعد بناء هيكل سليمان المزعوم، ومن ذلك ما نشرتْه صحيفة «هاآرتس» عن قرب هدم المسجد الأقصى، إذ مرّ ذلك التقرير مرور الكرام دون أيّ استهجان من أيّ أحد، في وقت كان التقرير بالون اختبار فقط لرد الفعل العربي والإسلامي والدولي، وهم بذلك يهدفون إلى تعويد المسلمين على مسألة هدم الأقصى وكأنها حقيقة واقعة، فإذا حدث الهدم الحقيقي للأقصى، لن يثير غير مظاهرات هنا وهناك، يحمل فيها المتظاهرون صور الرئيس جمال عبد الناصر والسيد حسن نصر الله، والقليلُ سيحمل صور صدام حسين وياسر عرفات، وهم يرددون هتافات «خيبر خيبر يا يهود، جيش محمد سيعود»».

تكمن خطورة اعتبار مسجد الجعرانة هو المسجد الأقصى، أنّ من يتبناها ويرّوج لها الآن هم بعض المسلمين، سواء كان ذلك بوعيٍ منهم أو بإيعاز من الحكومات العربية التي طبّعت مع الكيان الصهيوني، وترى أنّ قضية المسجد الأقصى ستبقى عقبة أمام سياساتها التطبيعية، وهذا بدوره يستلزم حملة مضادة، يشارك فيها العلماء والباحثون والإعلاميون والمختصون، لأنّ كثرة الدق تليِّن الحديد؛ والجيلُ الجديد غير محصّن تحصينًا جيدًا، وكما هو معروف فإنه إذا أردتَ أن تُهلك أمةً ما، فما عليك إلا أن تشككها في معتقداتها ومسلماتها وموروثاتها، فإنها تكون في هذه الحالة واقفةً على أرض مهتزة.

أعمدة
No Image
نوافذ : المنحنى السلوكي ..
في فترة زمنية، إبان ما كنت صحفيا في جريدة عمان، كلفت بمهمة عمل إلى جزيرة مصيرة، بمحافظة جنوب الشرقية، وأثناء تجوالي بصحبة الزميل المصور سالم المحاربي؛ في الصباح الباكر؛ مررنا على الشاطئ حيث يهب الصيادون العائدون من رحلة صيدهم المعتادة في إنزالهم حمولة قواربهم، وهناك على الضفاف تقف مجموعة السيارات...