No Image
عُمان الاقتصادي

مصانع الذاكرة.. لماذا تنتج بعض الدول صناعات لا ينتجها غيرها ؟

15 يوليو 2026
15 يوليو 2026

أحمد القرملاوي

يعود المسافر من رحلة خارج بلاده، فيكتشف أن حقيبته قد امتلأت بأشياء لا يستخدمها، لكنه اقتناها بهدف إطالة زمن الرحلة. إنه يحتفظ بشيء من الرحلة يُعَدُّ امتدادا لها في ذاكرته، فيشتري قلمًا لا يحتاجه من اليابان، أو قبقابا لن يرتديه من هولندا، أو قالب زبدة بوردييه من فرنسا سيتردد طويلا قبل استعماله في الطهي، أو حلوى عُمانية سيتركها داخل سَلَّتِها المجدولة يدويّا. هذا المسافر لديه بدائل لهذه الأشياء في مدينته، أحيانا أقل سعرا أو أعلى جودة، إلا أنه لا يشتري المنفعة التي تقدِّمها الأشياء بقَدْرِ ما يحتفظ بالحكاية التي تختبئ بداخلها، وذاكرة المكان الذي أنتجها. إنها أشياء لا تُكتَب غالبا في مواصفات المُنتَج، تندرج تحت مسمى «الهوية».

في عصر العولمة، حيث يُمكِن للمصانع شراء الآلات والمواد الخام نفسها، بل واستقدام الخبراء أنفسهم، لا تزال بعض المنتجات ترتبط في الأذهان ببلدان بعينها. لا نبحث عن ساعة فحسب، بل عن ساعة سويسرية بالذات. منذ نصف قرن تقريبا صار بإمكان أية دولة أن تستورد لوازم صناعة الساعات. مع ذلك، لا تزال عبارة «صُنِع في سويسرا» قادرة على مضاعفة قيمة الساعة مرات عديدة، حتى الساعات الإلكترونية التي يُمكن تصنيعها في عشرات الدول.

إذًا فما الذي يشتريه الناس بالتحديد؟ ليس المعدن والزجاج والتروس الدقيقة بالتأكيد، بل قرون من الخبرة والسُّمعة والثقافة المتوارثة، التي جعلت من الدقة هوية للسويسريين.

فما هو الخليط الضروري لتأسيس صناعة محلية يَصعُب منافستها، بخلاف توافر رؤوس الأموال والتكنولوجيا؟ هل يكمُن السر في الموارد الطبيعية، أم في السياسات الاقتصادية، أم أن وراء الصناعة الوطنية قصة أطول بكثير، تبدأ بالحرفة، وتنمو بتراكم المعرفة، وتترسخ بالتجذُّر في الثقافة، حتى تتحول لميزة تنافسية يَصعُب استنساخها؟

قبل مائتي وخمسين سنة، اقترح آدم سميث تفسيرا يقول إن الدول تتجه تلقائيّا إلى إنتاج ما تستطيع إنتاجه بكفاءة أكبر من غيرها. ثم جاء ديڤيد ريكاردو فابتكر مصطلح «الميزة النسبية»، مشيرا إلى أن ازدهار التجارة الدولية لا يتطلب التميز في كل شيء، بل يكفي أن تتخصص كل دولة فيما تتفوق فيه نسبيّا عن غيرها، ثم تتبادل منتجاتها مع الآخَرين. لوقت طويل، بدت هذه النظرية مفتاحا لخريطة الاقتصاد العالمي، فالدول الزراعية تصدِّر المحاصيل، والدول الغنية بالمعادن تنتج الحديد والصلب، والدول التي تمتلك النفط تبيع الطاقة ومشتقاتها.

لكن يبدو أن الواقع تغيَّر وصار يتطلَّب نظرية أكثر تعقيدا، فاليابان من أفقر الدول الصناعية في الموارد الطبيعية، ومع ذلك صارت إحدى أعظم القوى الصناعية في العالم، وكوريا الجنوبية التي كانت في الستينيات إحدى أفقر دول العالم، تحولت لمركز عالمي للإلكترونيات والسيارات وصناعة السفن. أما سويسرا، التي لا تمتلك موارد تُذكَر، فقد استمرَّت مرادفا لصناعة الساعات الدقيقة والأدوية المتقدمة والخدمات المالية المضمونة.

خلال العقدين الأخيرين، برز مفهوم «التعقيد الاقتصادي»، ويُعَدُّ معيارا للقيمة الاقتصادية للمنتجات التي لا يصِحُّ مساواتها من حيث القيمة. فاستخراج برميل نفط يتطلب خبرات وإمكانات معينة، لكن تصنيع جهاز تصوير بالرنين المغناطيسي يحتاج إلى منظومة هائلة من الجامعات ومراكز البحث وسلاسل الإمداد والمهندسين والحرفيين، بالإضافة إلى أنظمة جودة وتشريعات وتناغم في الأداء المؤسسي. وعليه، فإن المنتج لا يعكس قيمة المواد الخام التي دخلت في تصنيعه، بقدر ما يعكس المعرفة التي استطاع مجتمعٌ أن يُراكِمها عبر الزمن.

يشبِّه بعض الاقتصاديين الأمر باللغة، فحِفظ مائة ألف كلمة لا يعني القدرة على كتابة رواية، كما أن امتلاك مصنع لا يعني امتلاك صناعة. فكتابة رواية تحتاج لقواعد، وخيال، وخبرة، وتراكم معرفي. وهكذا الصناعة، فهي منظومة متكاملة لا مجرد مبنى مزوَّد بالإمكانات. لذلك تستطيع دول كثيرة تجميع الهواتف والشاشات الذكية، في حين لا تستطيع سوى قلة من الدول تصميم وتصنيع الشرائح الإلكترونية المثبتة بداخلها.

إن ما يُصنَع داخل المصنع ليس المنتج فحسب، بل المعرفة والخبرات. وكل منتج ناجح يضيف إلى رصيد الخبرات لدى الدولة المنتِجة، بحيث تستطيع إنتاج سلع أكثر تعقيدا بمرور الوقت. لكن كيف استطاعت بعض الدول أن تُراكم المعرفة عبر قرون، فيما تعثرت دول أخرى في تحقيق ذلك؟ وإذا كانت المعرفة هي الوقود الحقيقي للصناعة، فمن أين يُؤتى بها؟ قد تبدو الإجابة بديهية، فالمعرفة تأتي من الجامعات والمراكز البحثية والمعاهد التقنية. وهذا صحيح، لكنه يُمثِّل فقط نصف الحقيقة. فقبل أن تصل المعرفة إلى المَعمل، لا بد أن تكون قد مرت عبر الورشة، وقبل أن تصبح عِلما عاشت طويلا بوصفها حرفة. وقد نجحت بعض الدول في تحويل الحِرَفِ إلى علامات تجارية صارت أسماؤها تعريفا للمنتَج نفسه.

يتحدث خبراء الاقتصاد عن أنواع رأس المال، فمنها المالي والبشري والتكنولوجي، وأُضيفَ إليها رأس المال الثقافي. ولا يُقصَد به المتاحف والآثار والفلكلور، وإنما منظومة المهارات المتوارثة، والعادات المهنية، والذائقة الجمالية، وقِيَم الإتقان التي تتشكل عبر أجيال، ثم تتحول إلى ميزة اقتصادية يصعُب على الآخرين استنساخها. فخطوط الإنتاج يُمكِن استيرادها خلال أشهر، أما مئات السنوات من الخبرة المتراكمة والحواس المدربة، فلا يُمكِن اكتسابها خلال هذا الوقت. إذا فالقيمة تكمُن في المعرفة التي يتوارثها الصناع، تلك التي يصعُب تدوينها في مناهج التعليم أو نقلها عبر دورات تدريبية.

لعل أقرب مثال على ذلك هو ما يحدث في المدن التي ارتبط اسمُها بصناعة بعينها، مثل مدينة مورانو الإيطالية التي لا تزال تُعامِل الزجاج بوصفه فنّا، أو مدينة شيراز الإيرانية التي لا تزال تُحافظ على تقاليدها العريقة في صناعة السجاد اليدوي. تكشف هذه الأمثلة عن أن التكنولوجيا ليست هي المتسبب في الميزة النسبية، بل تجيء التكنولوجيا لاحقا لتُعزز قوة التقاليد الموجودة بالفعل.

ولا يختلف العالم العربي عن غيره في هذا الجانب، وإن كان الكثير من كنوزه الاقتصادية لا يزال يُنظَر إليه باعتباره منتَجا سياحيّا أكثر من كونه أصولا إنتاجية. فاللبان العُماني ليس مجرد مادة عطرية اشتهرت بها محافظة ظفار منذ آلاف السنين، بل هو أحد تجليات تاريخ طويل ربط جنوب الجزيرة العربية بموانئ الهند وشرق أفريقيا والبحر المتوسط، وأسهم في تأسيس إحدى أقدم طرق التجارة في العالم. لذا تكمُن قيمة اللبان في القصة الحضارية التي ينطوي عليها، وفي إمكانية توظيفه في صناعة العطور، ومستحضرات التجميل، والسياحة الثقافية.

ينطبق الأمر نفسه على صناعة النحاس المصرية، التي تختزن قرونا من الحرفة اليدوية والموروث الثقافي، وبالمثل على الزجاج السوري، والفخار التونسي، وصناعة السفن التراثية في الخليج، وغيرها من الحِرَفِ التي تنطوي على قيمة تتجاوز كُلفة المواد التي تدخل في إنتاجها، إذ أن ما يُشتَرى في هذه الحالات هو التاريخ الكامن بداخلها.

لذا برز في الآونة الأخيرة مفهوم «اقتصاد التراث»، ويقوم على فكرة أن الموروث الثقافي ليس عبئا يجب الحفاظ عليه حِفظا للذاكرة، بل بإمكانه أن يتحول إلى مصدر دخل مستدام، وفرص عمل وابتكار واستثمار لرؤوس الأموال. فالتراث لو أُدير بعقلية اقتصادية لن يبقى في المتاحف وحدها، بل سيخترق الأسواق العالمية. وهذا ما أدركتْه دول مثل إيطاليا، فلم تكتفِ بالحفاظ على حِرَفِها التقليدية، بل دمجتْها في صناعات التصميم والأثاث والموضة. أم اليابان فلم تستبدل بحِرَفيِّيها روبوتات، بل جعلت ثقافة الإتقان اليدوي أساسا لفلسفة التصنيع اليابانية الحديثة.

هنا يبرز الفارق بين نوعين من الصناعة: (1) الصناعات التي يُمكن لأي دولة أن تُنشِئها لو امتلكت رأس المال اللازم، مثل التجميع أو الصناعات الاستهلاكية البسيطة، و(2) الصناعات التي يَصعُب استنساخها؛ لأنها لا تعتمد على الآلات، ولكن على السمعة والهوية والثقة التي بناها المجتمع على مرِّ الزمن. لهذا لا يستطيع أحد أن يصنع «سويسرا جديدة» بمجرد شراء مصانع الساعات، ولا أن يؤسس دوريّا عالميّا لكرة القدم بمجرد شراء النوادي بلاعبيها وأجهزتها وموظفيها، فالميزة التنافسية لا تُشترى ببساطة شراء الأسهم في البورصة، بل تُبنى ببطء يُذكِّر ببناء الحضارات. لذلك لا تبدأ الصناعات المحلية بخطوط إنتاج، بل بسؤال أكثر عمقا: ما الموروث المعرفي لهذا المجتمع؟ وما قِيَمُه الجمالية؟ وما المهارات التي توارثها أبناؤه حتى صارت جزءا من هويته؟

وبالنظر إلى خريطة الصناعة العالمية اليوم، سنجد أنها لا تتوزع وفق الكتلة السكانية ولا المساحة الجعرافية ولا الثروات الطبيعية، وإنما وفق قدرة الدول على إنتاج المعرفة وتحويلها إلى قِيَمٍ مضافة.

الصين تتصدر المشهد الصناعي العالمي بفارق كبير؛ إذ تجاوزت القيمة المضافة للصناعات التحويلية في الصين 4.5 تريليون دولار، ما يجعلها أكبر قاعدة صناعية في العالم. ولا يكمُن السببُ في امتلاكها لأكبر احتياطي من المواد الخام، بل لأنها نجحت في بناء منظومة صناعة متكاملة، تضم ملايين العمال المهرة، وآلاف المورِّدين، ومكاتب التسهيلات، والمراكز البحثية، والموانئ، وسلاسل الإمداد.

أما ألمانيا فلا تنافس الصين في حجم الإنتاج، لكن تنافسها في قيمته؛ إذ تقوم استراتيجيتها على الصناعات الدقيقة ذات القيمة المضافة العالية، من السيارات والآلات الصناعية إلى المعدات الطبية المتقدمة. لذلك بقيت الصناعة تمثل أحد أهم أعمدة الاقتصاد الألماني، نتيجة تعقيدها وليس كثرتها. الشاهد هنا هو إن المشكلة ليست في إنتاج عدد أقل من السلع، بل في كون أغلب الإنتاج منخفض القيمة المضافة، سهلًا في تقليده.

أما في العالم العربي، فما تزال الموارد الطبيعية والقطاعات الخدمية تستحوذ على النصيب الأكبر من نشاطه الاقتصادي، في حين لم تصل الصناعة التحويلية التي تُضيف قيمة إلى المنتجات للمستوى الذي يجعلها محركًا رئيسيًّا لنمو الصادرات. والصورة ليست واحدة في جميع البلدان العربية، فدول الخليج مثلًا قطعت شوطًا كبيرًا في الصناعات البتروكيماوية، كما بدأت تتوسع في الصناعات الدوائية والغذائية والطاقة المتجددة. في المقابل، طورت المغرب قاعدة قوية لصناعة السيارات، حتى أصبحت من أكبر مُصدِّري السيارات في إفريقيا. أما مصر، فقد رسخت مكانتها في صناعات الأسمدة ومواد البناء والصناعات الغذائية والأدوية، مع سعي متزايد لرفع مساهمة الصناعات ذات التقنية العالية.

فيما تقدم سلطنة عُمان نموذجًا جديرًا بالتأمل، فإلى جانب الاستثمار في صناعات الطاقة والمعادن، تمتلك سلطنة عمان ميزة نسبية تتمثل في الجمع بين الموارد الطبيعية والموروث الحضاري. فاللبان، والصناعات البحرية، والحرف التقليدية، والموقع الجغرافي المُشرِف على طرق التجارة العالمية، ليست عناصر تراثية فقط، بل أدوات يمكن تحويلها لصناعات متخصصة تصنع القيمة المضافة وتُزاوج بين الأصالة والابتكار.

غير أن التاريخ الإنساني لا يمنح نفسه للقوالب والاستنتاجات السهلة، لذلك ثمة وجه آخر لا يقل أهمية في هذه الحكاية. فلو كانت الصناعات تُورَّث وحدها، لمَا استطاعت كوريا الجنوبية أن تنتقل خلال بضعة عقود من اقتصاد زراعي محدود إلى أحد أكبر منتجي السفن وأشباه الموصِّلات والإلكترونيات في العالم، ولمَا تحولت فنلندا من بلد اشتُهر بالغابات وصناعة الورق إلى أحد أبرز مراكز التكنولوجيا والاتصالات في أوروبا. كأن التاريخ يقول إن الميزة التنافسية ليست هبةً أبدية، لكنها ليست قرارًا إداريًّا أيضًا. إنها أشبه بلغة يتعلمها مجتمع كامل، تبدأ بكلمات بسيطة، ثم تتسع مع الزمن حتى يصبح قادرًا على كتابة نصوص أكثر تعقيدًا. فالحِرَفُ اليدوية تمهد للصناعات الميكانيكية، والأخيرة تفتح الباب أمام الإلكترونيات، ثم أمام التقنيات الرقمية، وكأن كل مرحلة تحمل في داخلها بذور المرحلة اللاحقة.

وربما لهذا السبب لا يبدو الحفاظ على الحرف التقليدية مجرد وفاء للماضي، بل استثمارًا واعيًا في المستقبل. فهذه الحِرَفُ لا تحتفظ بالذاكرة وحدها، وإنما تختزن طرائق تفكير، وحِسًّا جماليًّا، وخبرات عملية قد لا تبدو ذات شأن اليوم، لكنها قد تصبح غدًا نقطة انطلاقٍ لصناعة جديدة، أو لابتكارٍ لم يكن في الحسبان. وفي زمن تتشابه فيه خطوط الإنتاج، وتنتقل التقنيات بين القارات خلال أشهر أو أيام، تزداد قيمة ما لا يمكن نقله بسرعة، أي السمعة، والمهارة، والثقة، والهوية. ولعل هذا هو ما يجعل بعض المنتجات تبدو وكأنها تحمل جنسية لا يمكن انتزاعها، حتى لو أمكن تقليدها.

وحين يعود ذلك المسافر إلى بيته ويفتح حقيبته، فلن يجد مجرد قلم ياباني، أو قطعة حلوى عُمانية، أو زجاجة عطر فرنسية. سيجد حكايات خطَّطَ لأن يعود بها من الرحلة. فالأشياء التي حملها لم تكن الأعلى قيمةً، ولا الأكثر نفعًا، لكنها كانت الأقدر على اختزال روح الأمكِنة. وربما لا تختلف الصناعات المحلية كثيرًا عن تلك الهدايا الصغيرة، فهي ليست ما تنتجه الدول فحسب، بل ما تختزنه مجتمعاتها من ذاكرة، وما تتوارثه أجيالها من مهارة، وما تؤمن به من قِيَمٍ وما ترويه للعالم من حكايات. لذا فالسؤال الذي ستُمثِّل الإجابة عليه نقطةَ الانطلاق هو: أي حكاية نريد أن تحملها منتجاتنا إلى العالم؟

أحمد القرملاوي، مهندس وروائي ومترجم مصري، حاصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال والتمويل. شارك في تأسيس دار ديوان للنشر وإطلاق بودكاست عن الاقتصاد الإبداعي والصناعات الإبداعية.