facebook twitter instagram youtube whatsapp
225
225
روضة الصائم

ثلاثية القيم والتجارة الرابحة 2

04 مايو 2021

محمد المسقري -

تحدثنا في الحلقة الماضية عن القسم الأول من واحة القيم القرآنية، والذي تمثله قيمة (تلاوة كتاب الله)، وننتقل للقسم الآخر وهو (القيم التعبدية) ممثلا في (إقامة الصلاة).

إن القيم الروحية التي صدرت الآية بأعلى مقاماتها وهي (تلاوة كتاب الله تعالى) تمثل الوقود الذي تسير به سفينة النفس البشرية في هذه الحياة، سلوكًا وتطبيقًا، وسعيًا وغرسًا، وصولا للثمار اليانعة التي تجنيها من هذا التكامل والتوازن الرائع.

ومن هنا كان الانتقال من الصوت والسائق الروحي إلى الصدى والتأثير الخارجي، إلى القسم الثاني من ثلاثية القيم، وهي (القيم التعبدية والسلوكية)، التي مثلت لها الآية بـ(وأقاموا الصلاة)، فهي أم الشعائر التعبدية وأساسها، من أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين، كما جاء في السنة النبوية –على صاحبها أفضل صلاة وأتم تسليم-، ومن تتبع آي الكتاب العزيز وسنة المصطفى –صلى الله عليه وسلم-، يجد أن اختيار الصلاة أساسا للقيم الشعائرية والتعبدية يكثر في كتاب الله تعالى، فتجدها مع كل جانب وركن يقوم عليه الدين، تارة مقرونة بالإيمان وإقامة العقيدة وتابعًا مباشرًا لها ممثلة للجانب العملي «الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ»، وتارة تتصدر صفات المؤمنين المفلحين: «قد أفلح المؤمنون. الذين هم في صلاتهم خاشعون»، وثالثة مقرونة بالقول الحسن وممثلة للفعل الحسن: «وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ»، وأخرى مقرونة بالعبادات المالية وممثلة للعبادات البدنية: «وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ»، ويكفي اقترانها المتكرر بشعيرة الزكاة دلالة على هذا، وتكرر أمر الصلاة وكونها تمثل الأساس العملي والشعائر الدينية أكثر من أن يحصى في كتاب الله، وما تبوأت هذه الشعيرة هذه المكانة العظيمة من القيم الدينية، فشكلت أحد أركانها الثلاثة؛ إلا لما لها من صدى في مسيرة حياة الإنسان، وذلك من عدة وجوه:

أولا: الصلاة فريضة متكررة خمس مرات على مدار اليوم، عدا السنن والنوافل المنبثة في أوقات اليوم والعام؛ مما يجعلها في صدر قائمة الاتصال العملي بين الإنسان وخالقه، فهي حبل ممتد بين قلبه وبارئه؛ الأمر الذي يجعل من هذا القلب –متى ما أقامها بحق- متعلقًا بالله في كل شؤونه وأموره؛ وكفى بذلك سرًا من أسرار النجاح والفلاح على كافة الأصعدة والمستويات.

ثانيا: الصلاة تضبط انفعالات الإنسان ونزعاته؛ إذ نجد المصلين مستثنين من الجزع والهلع وطغيان المادة وأسرها للإنسان، برغم أنها طبيعة كامنة في النفس البشرية، كما أشار الدستور الحكيم: «إن الإنسان خلق هلوعا. إذا مسه الشر جزوعا. وإذا مسه الخير منوعا. إلا المصلين».

ثالثا: الصلاة تمد الإنسان بطاقة الصبر العجيبة، وما ذكر الصبر أكثر من سبعين مرة في كتاب الله عبثا؛ بل لأنه أساس النجاح في أي شأن ديني أو دنيوي، ومتى ما ضعفت هذه الطاقة جاءت الصلاة المتكررة بشكل دائم في حياة المؤمن فشحنتها وقوّتها ونمّتها، لتكون هذه الشعيرة العملية العظيمة رافدًا أساسًا لتلك الفضيلة الأخلاقية والنفسية، ليكملا معا إعانة الإنسان والأخذ بيده في مسيرته بالحياة؛ تأمل معي قول الحق تبارك وتعالى: «وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ»، وهذه الأخوة الجميلة بين الصلاة والصبر تتكرر في كتاب الله: «وَالصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ»، «وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ»، ومن هنا كانت أهمية المبالغة في الصبر على الصلاة؛ لتمد بالصبر في كل الشؤون خارج الصلاة: «وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ (وَاصْطَبِرْ) عَلَيْهَا»

وللحديث بقية بإذن الله..

أعمدة
No Image
أماكن مهجورة
لا شك أن تجربة الهجر قاسية، لكن الشعور بها يبقى ذاتيًا، فيما تعد الأماكن المهجورة بمثابة أحد الأشياء التي يمكن أن تمثل تجربة شفاهية للدلالة على الهجر. أثار هذا الموضوع اهتمامي منذ سنوات، بدأتُ أنتبه لرصد الأماكن المهجورة في الأدب مع قراءة الرواية الأولى للكاتب الفلسطيني الموهوب محمود عمر والمعنونة...