عمان بريميوم
الاحد / 1 / جمادى الأولى / 1443 هـ - 05 ديسمبر 2021 م
رئيس التحرير : عاصم بن سالم الشيدي
pray   مواعيد الصلاة
rating
weather
facebook twitter instagram youtube whatsapp


ثقافة

"تغريبة القافر".. صدى خرير الماء

25 نوفمبر 2021

تبدأ رواية "تغريبة القافر" منذ المفتتح بالماء وتنتهي في ختامها بالماء، في أعجوبة سردية مليئة بالانعطافات والانحناءات المتدرجة صعودا وهبوطا، فأحداث هذه الرواية كالماء المنساب عبر تلافيف السواقي " يدرك طريقه دوما، ودوما ما يوجد طريق يعبره الماء".

ليتسلل الخوف خلسة إلى الرواية بأصوات هلع واستغاثة :"الغريقة تشوف.. الغريقة تشوف.. كلتني.. كلتني بعيونها".

وبعد أن تم دفن الحكاية الأم الغريقة، لم تنته الأحداث بها، بل إنها ابتدأت للتو، "فولد عبدالله بن جميل –القافر- يسمع شيئا في باطن الأرض"، لكنها القرى وألسن ساكنيها لها هيمنة وسطوة متفشية، فهم يشعرون بانزعاج شديد وعدم ارتياح وقلق بالغ من قواه الغريبة، أما القافر فكان " لا يدرك خطورة أن يكون مختلفا في بلاد كهذه البلاد"، " انتشر الخبر، انتشر كما الحريق، يبدأ من شرارة في كومة ليف، ثم تأخذ نسمة هواء خفيفة الشرار في الأشجار والمزروعات الأخرى، وفي لحظة قصيرة من الزمن يتوهج المكان ولا تبقي النار ولا تذر".

"القافر" بطل الحكاية وعنوان لها هو صدى لخرير الماء، يأتيه صوت الماء المندس والمسجون ما بين الصخور، كنداء نقي وبما يشبه الوحي، نداء يفوق كافة التكهنات، فهو يستدعي ما أوتي في قلبه من بذور للحكمة والروح، هو لا يكتشف الماء بعقله بل بمعرفته الروحية، يسمعه فتنتشي روحه.

فقد ولد بقدرة فريدة على الاستماع على نحو أعمق، ليس بأذنيه فقط، فهما لا يستمعان على وجه اليقين خريرا يبعد عشرات الأمتار تحت عمق الأرض، لكنها همسات الروح وكشوفاتها الفيضية، برنينها الأعمق ليستجيب كصدى لذلك الصوت، حيث لا مفر له من رؤياه العميقة وهواجسه الذاتية "فكان ينصت إلى الماء، وكأنه يدعوه متوسلا تحريره من سجن الأرض".

لذلك تجده "وهو جالس القرفصاء، ممسك بالبتك والمسمار"، "مثل صائغ ينقش الفضة بين يديه"، "فما زال يأكل جسد الجبل قضمة قضمة"، لتنبثق بعدها الحكاية مثلما "انبثق الماء في فلج قرية المسفاة".

لتأتي بعدها كل شخصية بتاريخها الروائي كاشفة عبر لمحات من الأحداث، في بنية لغوية واضحة بدلالات غنية، تثير في ذهنك التساؤل ومحاولة فك شيفراتها.

فتجعلك الحكاية كالقافر تتبع أحداث الحكاية بتفاصيلها، ما بين الواقعي والتاريخي والأسطوري، تتنقل بين الأحداث الضمنية التي تتداخل مع الحكاية الأم، لتجعلها محصورة ما بين جانبي ساقية فلج الرواية الأيديولوجي والفني، ليكشف ما يدور في تلك الأزمان التي عاش فيها القافر.

يملأ الكاتب "زهران القاسمي" عمله الروائي بالطاقة، تلك الطاقة والروح اللتان لم نكتشف منهما سوى الشيء اليسير، ليحرر القافر القرية بعدما وصلت الأرض إلى عتبة القحط، وحيث ظن الجميع أن لاعودة لبانوراما الخصب " الذي احتل الأجساد، حتى الدعة المعهودة في عيونهم اختفت، فأصبح كل واحد منهم يحمل غضبه في عينيه".

إلى أن ناداه الحب، فوجد من ذلك الصوت الجاذبية الأعظم، "فكان عندما ينصت إلى دقات قلبها يعلق قائلا: إن قلبها هو قلب الأرض، وإنها أرضه المليئة بالعجائب"، ليترك زوجته بعد ذلك أمام مغزلها، " تفتح باب الأبدية في انتظار الخيط الذي سيأخذها إلى البعيد"، إلى تلك الأفلاج التي شقها زوجها، والتي استطاع أن " يتتبعها من القرية حتى تخوم الجبال البعيدة".

وبعد أن أدرك الكاتب أنه أتم رؤيته، يترك أخيرا للقارئ حصته من الماء، ماء الحكاية، ليحوله نحو المسار الذي يشاء، " تداعت الصخرة أمامه، انفتح الخاتم على النفق الطويل، فانطلق الماء بقوة وجرف معه كل شيء".

أعمدة
Untitled-1
كلام فنون .. في ذكرى رحيل سفير الأغنية العُمانية
يروي لي الفنان القدير سالم بن علي في تسجيل صوتي بتاريخ 14 يناير عام 2017 إن زيارته الفنية الثانية إلى مسقط كانت بدعوة من الشاعر الأستاذ عبدالله بن صخر العامري في 1981، ذلك بعد أن رتب له الأستاذ حماد الغافري مدير الإذاعة بصلالة زيارته الأولى إلى مسقط واللقاء بالعامري سنة...