facebook twitter instagram youtube whatsapp
1664882
1664882
ترجمة

مرة أخرى تنزف دارفور

13 يونيو 2021

جيرومي توبيانا ترجمة : أحمد شافعي -

تنقِّب رشيدة وحوّا في الركام والرماد اللذين كانا من قبل منزليهما، باحثتين عن ممتلكات ضائعة. أوان مكسورة، طوب محروق، صندل وردي لطفلة. تنخرط حوا في البكاء لمرأى الحذاء الصغير الذي كان يخص ابنة أختها. صحيح أن البنت آمنة هي وأمها في بلدة مجاورة، إذ فرَّتا بمجرد سماعهما صوت أولى الرصاصات. لكن كان يمكن بسهولة أن تكون الاثنتان ضمن المدنيين المائة الذين قتلهم مهاجمون عرب هنا في يناير.

كانت المرأتان جارتين في معسكر كريندينق الشاسع في غرب دارفور الذي كان حتى وقت قريب يستضيف خمسين ألفا من قرابة ثلاثة ملايين من أبناء دارفور الذين أرغموا على الهرب من منازلهم خلال العقدين الماضيين. بعد موجة القتل الأولى التي بلغت ذروتها في 2003، شهدت المنطقة التي باتت مرادفة للإبادة الجماعية مزيدا من السلام في السنوات الأخيرة. لكن مسلحين عربا هاجموا في ديسمبر 2019 معسكر كريندينق وذبحوا عشرات المدنيين وأحرقوا كثيرا من المنازل. ورجع المهاجمون في يناير من العام الحالي، تاركين وراءهم مزيدا من الجثث والمباني المحروقة. فمات إجمالا مئات من أبناء دارفور غير العرب وتشرد الآلاف في موجة من الهجمات العنيفة تعيد إلى الأذهان حقبة إراقة الدماء السابقة في المنطقة.

لم يكن يفترض أن يكون هذا هو الحال. في أواخر 2018، انتفض المتظاهرون في عموم السودان ضد حكم المجلس العسكري الإسلامي للرئيس عمر البشير الذي دام ثلاثين سنة، فمهدوا الطريق للإطاحة بالبشير على يد مجلس عسكري في أبريل 2019. بضغط دولي، تأسست حكومة انتقالية مدنية عسكرية ومن المتوقع أن تقام انتخابات عامة في 2024. وبوجود البشير وراء القضبان وانتظار نقله إلى المحكمة الجنائية الدولية، توقع الكثيرون أن يتوقف عنف دارفور. لكنه بدلا من ذلك توهج إلى مستوى غير مشهود منذ سنين. إذ تشرَّد قرابة ربع مليون شخص بين يناير وأبريل من هذا العام، وذلك قرابة خمسة أمثال العدد في 2020 كلها. إذ قام مسلحون عرب في سيارات وعلى خيول وجمال، ومنهم منتمون إلى قوات شبه حكومية، بتنفيذ سلسلة هجمات على قرى ومعسكرات للنازحين من أبناء دارفور غير العرب، مما تسبب في نزوح بعض الناس للمرة الثانية.

لكن دوامة العنف في غرب السودان ليست عودة لأزمة دارفور السابقة. بل هي بالأحرى نتيجة ثانوية للتحول السياسي الجاري حاليا في الخرطوم. فقد أدت الإطاحة بالبشير في 2019 إلى ارتفاع توقعات أهل دارفور من العرب وغير العرب على السواء، حيث رجا كلا الفريقين أن يتحقق المزيد من مصالحهم على أيدي الإدارة الجديدة. لكن قليلين هم الذين رأوا تحسنا كبيرا خلال السنتين الماضيتين، وهيأ الكثيرون أنفسهم لموجة عنف جديدة.

منعطف مفاجئ

اندلعت الحرب في دارفور أول ما اندلعت في 2003، حين قام متمردون في مجتمعات المنطقة غير العربية بحمل السلاح ضد حكومة البشير الإسلامية. وفضلا عن إرسال الجيش لقمع التمرد، سلحت الحكومة السودانية بعض المجتمعات العربية في المنطقة، فخلقت ميلشيات الجنجويد سيئة السمعة التي أرهبت سكان دارفور غير العرب. وبدعم من جيش السودان النظامي، بما فيه قواته الجوية، قتل الجنجويد واغتصبوا ونهبوا في أرجاء المنطقة، مما جعل الولايات المتحدة تعلن الحرب إبادة جماعية والأمم المتحدة ترسل قوات حفظ سلام.

وكان المساليت بين أكثر من عانوا، وهم القبيلة الرئيسية تاريخيا في غرب دارفور وهم نسل سلطنة كان لها نفوذها ذات يوم وقاومت الاستعمال في عشرينيات القرن العشرين. وشأن رشيدة وحوا، انتهى آلاف من قبيلة المساليت إلى مخيمات للنازحين مثل كريندينق قرب الجنينة عاصمة دارفور، أو مخيمات لاجئين في تشاد المجاورة. وبقي الكثيرون هناك لسنين يعيشون عائلات في المخيمات.

بدأ العنف ينحسر في دارفور في قرابة 2020، بما أتاح لبعض النازحين أن يتقاطروا قليلا قليلا إلى الوطن. وفي كثير من الحالات، وجد العائدون أن البدو العرب قد استقروا في بيوت أسلافهم. وبعض أولئك البدو كانوا قد جاءوا من تشاد وحصلوا على الجنسية السودانية في مقابل الانضمام لميلشيات الجنجويد التي اندمجت تدريجيا في قوات شبه عسكرية أكثر رسمية تعرف بقوات الدعم السريع. في قرية نيورو الواقعة إلى الجنوب من الجنينة التي رجع عليها كثير من أبناء قبيلة المساليت، اعترف العرب طوعا بأن الأرض ليست أرضهم لكنهم قالوا إن خصوبتها جذبتهم. وقد قال لي عمدة نيورو قريبا إن «رجلا جاء في عام 2007 وهو لا يملك غير خمس وعشرين بقرة ولديه الآن أكثر من ثلاثة آلاف». استقر العائدون غير العرب في تعايش تغلب عليه السلمية مع الوافدين الجدد العرب لكنهم كثيرا ما اضطروا إلى إعطاء أراضيهم للعرب في مقابل الحماية الضمنية.

بحلول مايو 2019، كان السودان قد بدأ فترة تحول سياسي مضطربة على المستوى الوطني، لكن درجة كافية من الاستقرار في غرب دارفور دفعت الأمم المتحدة إلى أن تقرر سحب قوات حفظ السلام التابعة لها من الجنينة. وبعد ستة أشهر، أي في ديسمبر، هاجمت الميلشيات العربية معسكر كريندينق للمرة الأولى. لم يمنع تصاعد العنف الأمم المتحدة من المضي في سحب قواتها من بقية دارفور، حتى أنهت مهمتها رسميا في 31 ديسمبر 2020، قبل أسبوعين من الهجمة الثانية على كريندينق .

هاجمت الميلشيات العربية قرية نيورو أيضا في ثلاث حالات منفصلة بين 2019 و2021. في يناير 2021، طلب قرويو المساليت من قوات الدعم السريع المحلية وحدة حماية، برغم أن أعضاء من هذه القوات شبه العسكرية تورطوا في هجمات بأماكن أخرى في دارفور. وبحسب ما أفاد عمدة القرية، فإن القائد المحلي لقوات الدعم السريع أخبرهم أنه لم يؤمر بـ«حماية المدنيين»، ومع ذلك فقد وافق على مرافقة أكثر من ثلاثمائة عائلة من نيورو إلى بلدة مستيري الأكثر أمنا. ولكن قوات الدعم السريع لم تحم نيورو بعد رحيل سكانها. وقال لي العمدة «بعد ثلاثة أيام، رجعنا ووجدنا نيورو محروقة ومنهوبة. حتى الدجاج سرق. فالحكومة في دارفور لا تحمي المدنيين».

توجهت بسيارتي في فبراير إلى نيورو مع مرافقين من قوات الدعم السريع والشرطة. وعلى الطريق الحجري الوعر قابلنا سيارات مليئة بالنازحين ماضية في الاتجاه المعاكس إلى الأمن النسبي في الجنينة. كانت نيورو نفسها قد تدمرت، وأحرقت منازلها ونزعت أبوابها وشبابيكها. ومضت الجمال تهيم وسط الأنقاض.

قبل سقوط البشير، لم يكن بوسع أهل دارفور غير العرب إلا أن يهربوا أمام هجمات الجنجويد ذوي التسلح الثقيل، لكن المساليت في هذه المرة يقابلون القتال بالقتال. ومن نيورو مضينا إلى مستيري حيث لا يزال يعيش كثير من مساليت نيورو. كانت الأرض بمحاذاة الطريق مسودة، لم يحرقها الجنجويد وإنما أحرقها فلاحو المساليت لطرد البدو. وفي مستيري نفسها لم نجد عربا بالمرة. بعد الهجمة الأولى على معسكر كريندينق في ديسمبر 2019 أدرك المساليت ـ حسبما أخبرني قائد حربي تقليدي ـ أن القوات الحكومية لن تحميهم فبدأوا يسلحون أنفسهم للمعركة. جمعوا تمويلات من لاجئي المساليت ومهاجريهم في أمريكا الشمالية وأوربا واشتروا مدافع رشاشة وقاذفات قنابل، وقد اشتروا بعضها من البدو العرب أنفسهم الذين باتوا وإياهم الآن في صراع.

حينما أغار قرابة خمسمئة عربي على مستيري في يوليو 2020، كان المساليت مستعدين. قتل ما بين ستين وثمانين من المساليت في الاشتباكات، لكنهم صدوا المغيرين وقتلوا الكثير من مقاتليهم. كما دافع المساليت عن معسكر كريندينق عندما تعرض للهجوم مرة ثانية في يناير 2021. نجح العرب في إحراق المعسكر تماما، لكن ليس قبل أن يتمكن المساليت من قنل قرابة مئتين من رجالهم.

توقعات كبيرة

ما تفسير تجدد العنف في دارفور؟ من المؤكد أن سحب الأمم المتحدة قوات حفظ السلام أسهم بنصيب، برغم أن هذه القوات كانت نادرا ما تتدخل. لكن السبب الأدعى للاضطراب هو التحول السياسي في الخرطوم فبسببه اجترأ العرب وغير العرب أيضا من أبناء دارفور، وإن كان إلى الآن عاجزا عن تلبية توقعات جميع الأطراف منه.

شارك الكثيرون من دارفور في المظاهرات التي أدت إلى إزاحة البشير. وبرغم أن المفهوم هو أن الانتفاضة بدأت بصفة عامة من ولاية النيل الأزرق ثم انتقلت إلى الخرطوم، فإن نشطاء في الجنينة يزعمون أنهم نظموا أولى المظاهرات في ديسمبر 2018. وقد لقي أحد المتظاهرين ـ ويدعى الزبير السكيران البالغ من العمر سبعة عشر عاما ـ مصرعة على يد القوات الحكومية، ويحتمل أنه أول «شهيد» في الثورة. وبالمصادفة كان عربيا.

لكن تبين أن مشاعر الوحدة التي أثارتها الانتفاضة في البداية عابرة، مع تكشف الحقائق للمتظاهرين في ظل وتيرة التغيير. وقد اشتكى أهل دارفور غير العرب بصفة خاصة من اقتصار الثورة على الخرطوم ومن أن دارفور لم تزل عالقة في عهد البشير. والحق أن تغييرا واحدا لافتا قد وقع، وهو أن أهل دارفور غير العرب باتوا قادرين على التعبير عن إحباطهم بالمضي في تنظيم المظاهرات والاعتصامات وأعمال العصيان المدني التي كانت القوات الحكومية السودانية لتسحقها على الفور في ما مضى. بمزيد من حرية الكلام، بدأ أهل دارفور غير العرب في التحريض لا من أجل الديمقراطية فقط بل ومن أجل حق العودة إلى أرض أسلافهم وإلى إخلائها من المستوطنين العرب.

شعرت المجتمعات العربية في دارفور بتهديد من هذه المطالب. فقد كانوا بدورهم قد زادوا من توقعاتهم. لقد كان أحد القادة العسكريين الذين أطاحوا بالبشير وهو محمد حمدان دقلو ـ المعروف باسم شهرته: حميدتي ـ قائدا صغيرا غير شهير من قادة الجنجويد حينما بدأت الحرب في دارفور. بعد عشر سنوات، اختاره البشير لقيادة قوات الدعم السريع حديثة التكون التي تحولت تدريجيا إلى الحرس الإمبراطوري للدكتاتور. فالظاهر أن البشير رأى أن تاجر جمال عصامي التعلم في الأربعينيات من عمره سيكون أكثر ولاء له من جنرالات الجيش الكبار. وثبت خطأه.

دور حميدتي في استيلاء الجيش على السلطة سنة 2019 ارتفع به إلى منصب الرجل الثاني في حكومة السودان الانتقالية. فاجترأ عرب دارفور، ظنا منهم أن حميدتي سوف يساعدهم في دعم سلطتهم على الأرض والموارد التي حصلوا عليها بفضل الجنجويد. ولكن حميدتي حاول جاهدا أن يهون من ماضيه الحربي ويقدم نفسه كصانع سلام، فينصح بالتصالح بين القبائل بل وقيادة المفاوضات مع عدد من الجماعات المتمردة غير العربية في الغالب مما أدى إلى مفاوضات سلام في أغسطس 2020.

كان من بنود اتفاقية السلام التزام من الحكومة بالإشراف على إخلاء الأراضي المحتلة في فترة الحرب بما يمكِّن من الرجوع الآمن للنازحين من أمثال المساليت. وكان هذا نذيرا للمجتمعات العربية في دارفور التي شاركت في الهجمات على معسكرات وقرى غير العرب ثم نظمت لاحقا «اعتصامات القبائل العربية» في الجنينة، للمطالبة بتفكيك مخيمات النازحين المقامة حول البلدة.

«السلام لا معنى له»

خلال هذه الاضطرابات، أثبتت الحكومة الانتقالية الجديدة في الخرطوم عدم فعاليتها. فلم يزل يتعين عليها أن تنفذ العديد من بنود اتفاق سلام 2020 وحماية أهل دارفور غير العرب من العنف المتصاعد. كما أنها لم تقم بعد بتسليم البشير واثنين من كبار المسؤولين السابقين إلى المحكمة الجنائية الدولية، وفقا لما ينص عليه اتفاق السلام. ويتمثل جانب من المشكلة في أن بعض المسؤولين عن جرائم الماضي لا يزالون مسؤولين. بالإضافة إلى حميدتي، حارب اللواء عبد الفتاح البرهان، كبير المسؤولين العسكريين الانتقاليين في البلاد، في دارفور، ويتردد أنه شارك في هجمات ضد مجتمعات غير عربية.

أدت الانقسامات المستمرة داخل الحكومة الانتقالية - بين عنصريها المدني والعسكري وبين القوات المسلحة النظامية وقوات الدعم السريع - إلى إعاقة قدرتها على إخماد العنف. فخلال كل موجة من الهجمات في غرب دارفور، على سبيل المثال، كانت أيام عديدة تمر قبل أن تنشر الحكومة قوات لوقف أعمال القتل. وكثيرا ما قال الضباط في المنطقة إنهم لم يتلقوا أوامر من الخرطوم للتدخل. وفي غياب توجيه واضح من الحكومة الانتقالية، تردّد أن قوات حكومية مختلفة دعمت أطرافا مختلفة - فالكثير من قوات الدعم السريع في جانب العرب، وبعض المساليت العاملين في الشرطة والجيش في جانب النازحين من غير العرب في دارفور. (على الرغم من دخول العديد من غير العرب في قوات الدعم السريع، لا يزال المقاتلون العرب هم المسيطرون، وغالبا ما ينحازون عندما يتورط أقاربهم في الهجمات).

أثناء قيادتي سيارتي في دارفور، مررت بالعديد من المستوطنات العربية التي تحولت بالدرجة الأساسية إلى حاميات عسكرية. مررت كذلك بالعديد من القرى التي أحرقت بالكامل على مدار قرابة عقدين منذ بدء الحرب في عام 2003. ومنها قرية مهجورة اشتهرت أنها كانت هدفا لهجمة حكومية قاسية سنة 2004، لقي فيها ثلاثمائة شخص مصرعهم. وفي وقت لاحق، التقيت ببعض الناجين في مخيم للنازحين في زالنجي عاصمة ولاية وسط دارفور. أخبروني أن القليل منهم تجرؤوا على مغادرة المخيم، والذين غامروا بالخروج للزراعة اضطروا إلى تقاسم محاصيلهم مع العرب الذين شردوهم. قال لي أولئك الناجون إن في الشكوى من جرائم الماضي أو المطالبة بالعدالة مخاطرة بالقتل. ففي نهاية المطاف، كان ضمن صفوف قوات الدعم السريع التي تحرس سوق زالنجي بعض من هاجموهم. قال لي أحد الناجين إن «السلام لا معنى له ما بقي المجرمون موجودين والسلاح في أيديهم. لا بد من نزع سلاحهم وتقديمهم إلى العدالة، واستعادة أراضينا».

•جيرومي توبيانا، باحث وصحفي يركز على السودان وتشاد، سافر أخيرا في دارفور لحساب معهد السلام الأمريكي والاتحاد الدولي لحقوق الإنسان

• نشر المقال في فورين أفيرز

أعمدة
No Image
موسوعة الأثر البعيد
محمود الرحبي - من يقرأ "موسوعة عمان في التراث العربي" التي تكفل بجمعها الدكتور هلال الحجري في ثلاث مجلدات، يقف على حضور متنوع لعمان في المدونة العربية القديمة، حضور يشمل الأدب والتاريخ والأنساب والجغرافيا والرحلات، إلى جانب التفسير واللغة والفقه والطب. يكفي مثلا أن نستحضر "أبا الحسن العماني" هو البطل...