facebook twitter instagram youtube whatsapp
الملف السياسي

مسؤولية المجتمع الدولي .. السياسية والإنسانية !!

02 أكتوبر 2017

د. عبد الحميد الموافي -

بالرغم من أن مجلس الأمن الدولي عقد جلسة طارئة لبحث الموقف في ميانمار - إقليم راخين - ومشكلة تدفق اللاجئين منها ، وذلك بطلب من مصر وبعض الدول الأخرى ، إلا أن المجلس لم يستطع إدانة حكومة ميانمار ، بالنظر إلى رفض الصين وروسيا الاتحادية لذلك ، بالرغم من أن ميانمار ، الدولة الصغيرة ، ومتواضعة الإمكانيات في جنوب شرق آسيا ، كانت مصدرا لما عرف بلاجئي القوارب قبل نحو عشر سنوات ، وان مشكلة اقليه الروهينجا هي مشكلة قائمة وموجودة منذ عدة عقود على الأقل، إلا ان المشكلة تجددت في الأشهر الأخيرة ، وأخذت حيزا كبيرا، وعلى نحو اختلط فيه الإنساني والعاطفي والديني بالسياسي على نحو بالغ ، وغير مسبوق بالنسبة لهذه المشكلة ، التي تتطلب ضرورة البحث عن حلول عملية وممكنة لها ، بعيدا عن التهويل المتعمد من ناحية ، والتهوين الذي يتجاهل الحقائق والوقائع من ناحية ثانية، وبما يحفظ لهذه الأقلية حقوقها ، ويحفظ لدولة ميانمار حقوقها أيضا .

وإذا كانت مواقع السوشيال ميديا ، والعديد من وسائل الإعلام ، بل والرسائل المتبادلة بين كثيرين كل صباح ، قد امتلأت في الأسابيع الأخيرة بصور وفيديوهات ورسائل تحريض في اتجاه محدد ، وضد سلطات ميانمار التي تحرق قرى أقلية الروهينجا المسلمة فيها وتمثل بجثث الأطفال والقتلى ، وغير ذلك من رسائل التحريض المقرونة بالتخويف من العذاب ، إذا لم تقم بدورك بنشرها وإرسالها سريعا الى قائمتك او مجموعتك ، انتصارا للأخوة الإسلامية ، ودعما لهؤلاء ، فان الأمر يثير التساؤل بالتأكيد ؟ من المؤكد أن هناك مشكلة ، تحدثت مصادر عديدة حول بداياتها القديمة ، وحول استمراريتها ، وملابساتها في الآونة الأخيرة ، وما يترتب عليها ، ولكن احد الأبعاد التي فرضت نفسها بقوة ، هو الدور الإعلامي في هذه المشكلة ، او ما يمكن تسميته بالفورة الإعلامية ، التي اشتعلت قبل نحو ستة أسابيع ، ومارست الشحن الإعلامي الواسع ، ثم ما لبثت ان اتجهت الى الهدوء النسبي الآن ، حيث قل الاهتمام الإقليمي والدولي بالحدث ، ولم يعد هناك الكثير ، ما يمكن تقديمه من صور ومناظر بشعة لمهاجرين ولاجئين وضحايا الغرق في مياه نهر « ياف« وخليج البنغال بين ميانمار وبنجلاديش ، والمفتوح شرقا على اندونيسيا وماليزيا وتايلند ، والذي ابتلع الكثيرين من لاجئي ميانمار ، بل ومات كثيرون منهم في قواربهم ، التي ظلت هائمة في المياه بعد أن رفضت اكثر من دولة استقبالهم وفتح أبوابها أمامهم قبل عدة سنوات . والمؤسف أن الإسهام الإعلامي في الشحن والتحريض وإثارة العواطف والنفوس والأحقاد بين الدول والشعوب ، وبوسائل عديدة ومتنوعة ، ولأسباب مختلفة في وقت معين ، لا يستطيع ، بحكم طبيعته ، ان يقوم بدور إيجابي بنفس القوة في العمل من اجل حل المشكلة التي يثيرها او ينفخ في جمراتها بشكل او بآخر ، وكل ما يمكن ان يقوم به هو ان يتجه باهتمامه الى قضية او قضايا أخرى ، ويقلل من مساحات الحديث عنها لتتراجع في اولويات واهتمامات وحتى ملاحظة الكثيرين ، برغم ان المشكلة تظل قائمة ، ولم يتم التوصل الى حل او حلول مناسبة ، او كاملة او حاسمة لها ، والأمثلة في هذا المجال اكثر من ان تحصى ، سواء فيما يتصل بما نعيشه في منطقتنا ، او ما يعيشه ويواجهه العالم من تطورات ومشكلات على مستويات عدة ، خاصة وان الاعلام اصبح من اهم واكثر أدوات العمل السياسي مرونة واتساعا وتأثيرا ، وعلى نحو غير مسبوق . ولعل هذا الجانب شديد التأثير، هو الذي دفع رئيسة وزراء ميانمار « سان سو تشي « إلى إلغاء مشاركتها في اجتماعات الدورة الثانية والسبعين لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة ، بل والى الشكوى العلنية من جانبها من ان بلادها تتعرض لحملة تشويه شديدة لما يحدث في إقليم راكين . ومع افتراض او عدم استبعاد ، ان رئيسة وزراء ميانمار، الحاصلة على جائزة نوبل للسلام ، تحاول الدفاع عن موقفها وموقف بلادها في هذه المشكلة ، الا انه ليس من المستبعد ايضا ، ان يكون هناك من يدفعون نحو إيجاد بؤرة نار اخرى يكون المسلمون وقودا لها ، او على الاقل طرفا فيها ، خاصة في منطقة تستقطب اهتمامات قوى سياسية واقتصادية ، إقليمية ودولية عديدة ، وهي منطقة جنوب شرق آسيا التي سيكون لها شأن كبير في شؤون العالم في السنوات القادمة . على أية حال فإنه يمكن الإشارة باختصار شديد الى عدد من الجوانب ، لعل من أهمها ما يلي :

*أولا : ان التنظيمات والجماعات الإسلامية المتشددة والإرهابية تبحث عن مواقع جديدة للتمدد فيها ، خاصة في ظل ما تتعرض له من ضربات في العراق وسوريا وليبيا ، ويبدو ان أنظار تنظيم « داعش « ، والقاعدة ، وغيرهما تتجه الى غرب الصين ، والى ميانمار ، بعد ان اوجد موطئ قدم له في الفلبين ويحاول التواجد في بعض دول المنطقة الأخرى . واذا كانت سوريا والعراق، ومن قبلهما أفغانستان ، قد قدمت أرضا للتدريب العسكري لمتطوعين من الصين والقوقاز وميانمار وروسيا الاتحادية ودول عربية وغير عربية عديدة ، فان الإعلان عن ميليشيا ، او جيش حماية الروهينجا ، الذي قام بهجوم عسكري منسق وقوي في منتصف أغسطس الماضي ضد عدد من مراكز الشرطة في اقليم راخين ، يشير بوضوح الى أن الأمر ليس مصادفة . ومع ان ميليشيا حماية الروهينجا في راكين أعلنت انها تقوم بعملياتها دفاعا عن اقلية الروهينجا التي تتعرض لأعمال قمع واسعة من جانب قوات ميانمار المسلحة ومن شرطتها ايضا ، فإن سلطات ميانمار سرعان ما اعلنت انها تقوم بمكافحة جماعات ارهابية تدربت في مناطق تابعة لتنظيمات ارهابية معروفة ، وانها تمارس مسؤوليتها في حماية نفسها . وبغض النظر عن هذين الموقفين ، فإن النتيجة هي ان اقليم راخين هو من اكثر اقاليم ميانمار فقرا وتخلفا ، ومن اكثرها معاناة ايضا ، بالنظر الى ان سلطات ميانمار تنظر الى الروهينجا ، واغلبيتهم من المسلمين ، على انهم غير مواطنين ، وانهم لاجئون غير شرعيين ، ثم تفرض عليهم قيودا عديدة وتحرمهم من الحقوق البسيطة للمواطنة ، ولعل ذلك هو من اهم العناصر المسؤولة عن اتجاه الآلاف من الروهينجا الى الاتجاه الى بنجلاديش أملا في النجاة ،اكثر من خمسمائة ألف شخص في الأسابيع الأخيرة ، خاصة بعد حدوث اعمال قمع بلغت حد التطهير العرقي والقتل الجماعي ، حسبما قال الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو جوتيريش وحذر سلطات ميانمار منه وطالبها بوقفه .

وأمام الادعاءات والاتهامات المتبادلة فإنه لا مناص من قيام لجنة تحقيق دولية بتحري الأمر، والوقوف على أبعاده الحقيقية على الارض بدون تهوين او تهويل . وهذا ما دعا اليه المجلس الدولي لحقوق الانسان . والمؤسف ان ميانمار اعتذرت عن عدم قبولها اللجنة الدولية للاطلاع على الأوضاع في اقليم راخين ، لسبب غريب وهو « عدم ملاءمة الظروف المناخية « وانها اي حكومة ميانمار كونت لجنة داخلية لهذا الغرض ، والهدف من ذلك واضح ، حتى وان صاحبه شكوى « ساسو تشي « من التعرض لحملة إسلاميين ضد بلادها .

*ثانيا : انه بالرغم من ان مجلس الأمن الدولي عقد جلسة طارئة لبحث الموقف في ميانمار - اقليم راخين - ومشكلة تدفق اللاجئين منها ، وذلك بطلب من مصر وبعض الدول الاخرى ، الا ان المجلس لم يستطع ادانة حكومة ميانمار ، بالنظر الى رفض الصين وروسيا الاتحادية لذلك ، كما ان قدم المشكلة وظهورها على السطح بين وقت وآخر اثر بدوره في مواقف دول «الآسيان « مجموعة جنوب شرق آسيا ، واقتصرت مظاهر الإدانة على بعض المظاهرات الداخلية ضد ميانمار ، ولم تصل الى حد الموقف الرسمي ،ولعله من المهم الإشارة الى ان ميانمار كدولة ، واقليم راخين على وجه التحديد هو من المواقع التي اختارتها جمهورية الصين الشعبية ضمن مبادرتها « .... طريق واحد « لضخ استثمارات صينية فيها وإقامة بنية اساسية بها لخدمة محطات النقل على امتداد طريق الحرير . غير ان هذا الأمر لا يمكن ان يبرر عمليات القمع ومحاولة التخلص من اقلية الروهينجا في اقليم راخين وتفريغه من سكانه ، لأن هذا ببساطة غير ممكن عمليا ، سواء لإدانة العالم له ولرفضه له ايضا ، او لاحتياجه لفترة زمنية غير قليلة . وايا كانت المصالح الصينية والروسية من جهة ومصالح ميانمار من جهة اخرى إلا ان تدويل مشكلة الروهينجا من شأنه الحد من عملية التخلص منهم . وقد اعلنت « سان سو تشي « رئيسة وزراء ميانمار انها تعمل بالفعل من اجل حماية مواطني ميانمار وتوفير الأمن للروهينجا ولعودتهم الى راخين ، ولكنهم هم من يريدون التوجه الى بنجلاديش .

واذا كانت بنجلاديش قد اشتكت بالفعل من ثقل العبء الذي يمثله تدفق اللاجئين من ميانمار الى حدودها ، ماديا وإنسانيا ، خاصة وأنها دولة فقيرة ، فإن حل مشكلة أقلية الروهينجا في ميانمار لن يكون بطلب منحهم الجنسية مثلا ، لأن ذلك ببساطة واحد من إجراءات السيادة الوطنية لميانمار ، وهي ترفضه ، ولن يكون ايضا بالتخلص منهم وطردهم خارج ميانمار، في اتجاه بنجلاديش او غيرها ، لأن هذا غير ممكن عمليا أيضا اذ يتجاوز عدد الروهينجا المليون نسمة ، ومنهم بوذيون أيضا .

وفي ظل ظهور ميليشيا مسلحة في اقليم راخين بزعم الدفاع عن الروهينجا ، وهو ما يفتح المجال أمام بؤرة من بؤر التوتر واعمال العنف المسلح ، التي عانت منها ميانمار - بورما سابقا - في ظل حكم الخمير الحمر سيئ السمعة ، في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي - فان التعاون بين حكومة ميانمار وبين الصين يمكن ان يضع أساسا للنهوض بإقليم راخين وتطويره وفق البرامج والخطط الصينية في هذا الشأن ، وبما يرفع مستوى سكانه من الروهينجا وغيرهم بالطبع ، ويعود بالفائدة على ميانمار والصين والروهينجا وينزع فتيل صراع مسلح أخذ يطل برأسه ويهدد استقرار ميانمار ومنطقة جنوب شرق آسيا ككل ، خاصة اذا اتسع نطاقه ، او اذا حدثت عمليات اتصال وتنسيق بين الميليشيات المتطرفة في ميانمار والصين وافغانستان والفلبين ، والشرق الأوسط ايضا ، وهو ليس في صالح دول وشعوب المنطقة ، لا اليوم ولا غدا . ولعل « ستن سو تشس « رئيسة وزراء ميانمار الحاصلة على جائزة نوبل للسلام ، التي ساندها المجتمع الدولي والضمير العالمي في مواجهتها لتسلط وقمع قادة الخمير الحمر ، وأوصلها الى موقعها لتقود بلادها الى مرحلة جديدة من التطور ، لعلها تستمع الى المجتمع الدولي والضمير العالمي الرافض لما تتعرض له الروهينجا ، وان تعمل بصدق لاستيعابهم والتخفيف من معاناتهم ، اما الدعوة لتجريدها من جائزة نوبل للسلام فهي اقرب للتحريض ، منه إلى التفكير العملي ، لأن الروهينجا يحتاجون إلى إجراءات ومساعدات مادية وقانونية وليس إلى تجريد » سان سو تشي» من جائزة نوبل للسلام . ولعلها تسير في هذا الطريق .

آخر الاخبار
المزيد
أعمدة
WhatsApp Image 2021-04-15 at 12.10.57 PM (2)
نوافذ: الحياة دون كهرباء
سليمان المعمري -جدران متهالكة تتهشم، حيوانات تنفق، أشجار عملاقة تقتلع من جذورها، أسقف تتطاير تاركة الغرف تحت عين السماء، أبواب كبيرة تتراقص للأمام وللوراء ثم تسقط، أطفال يرتجفون من الرعب، وآخرون يبتسمون غير آبهين ولا منتبهين لما يجري، سيارات تسبح في الوادي كأنها البط، جذعٌ عملاق لنخلة يسقط فوق حافلة...