عمان بريميوم
الاثنين / 24 / ربيع الثاني / 1443 هـ - 29 نوفمبر 2021 م
رئيس التحرير : عاصم بن سالم الشيدي
pray   مواعيد الصلاة
rating
weather
facebook twitter instagram youtube whatsapp


No Image
العرب والعالم

حتى الموت فاتورته باهظة في سوريا..!

25 نوفمبر 2021

دمشق – عُمان – بسام جميدة:

بنظرة ملؤها الحيرة والحزن يتأمل غيث والدته الممدة أمامه والتي تعاني من مرض خطير منذ سنوات وتكاد تلفظ أنفاسها الأخيرة، ويتساءل في قرارة نفسه ماذا يمكنه أن يفعل لها في هذه اللحظات العصيبة، بل وماذا استطاع أن يفعل لها سابقا وهي مريضة، والان وبعد أن يأس الأطباء من حالتها عليه أن يفكر بطريقة أخرى وفي منحى آخر، يقول غيث صاحب الأربعين عاما، افكر كيف يمكنني أن أتدبر تكاليف الموت لوالدتي، بعد أن أرهقتنا حد العجز فواتير المشافي والأطباء، لقد اضطررت مع اخوتي لبيع منزل لنا في الريف كي نتدبر أمرنا ونعالجه كي لا نقصر في حقها، واليوم نتساءل في حال وفاتها هل ندفنها بدمشق أم ننقلها الى مدينتنا البعيدة، وكلا الأمرين مكلف كثيرا بالنسبة لنا. مزعج سؤالي له عن الموت وفاتورته الباهظة وهو في هذا الحال، وقدمت له اعتذاري، ولكنه بادرني بالقول ولايهمك الموت سنة الحياة، ونحن كعائلة نفكر مثلك كيف وماذا يمكن أن نفعل في حال وفاة الوالدة حتى لا يباغتنا الموت ونحن لا نعرف ماذا نفعل.

ندعوا "من القامة للحفرة"

تركت غيث وهو يجري حسابات لم تكن على البال قبل الحرب، فالسوري الذي يقطن بعيدا عن العاصمة دمشق كل شي يبدو له رخيصا حيث المقابر شبه مجانية، بل وبعضها مجاني بالفعل، وعندما تحدث وفاة يكون التعاضد الاجتماعي على أوجه، فلا يشعر أهل المتوفى سوى بمرارة الفقدان ولوعة الموت، وباقي التفاصيل المادية يتحملها الجميع لأنها بسيطة بنظرهم.

اليوم وخلال سنوات الحرب يبدو الموت أكثر إرهاقا من ذي قبل، وما يزيد مرارته عندما يقع الشخص في المرض قبل أن يلقى وجه ربه، وهنا تكون الطامة الكبرى، وبغضة كبيرة يقول أبو مرعي الخالدي من أهالي دمشق، أصبحنا نتمنى أن يموت الشخص دون أن يمر بمرحلة المرض، ونردد دائما الدعاء التالي "يارب من القامة للحفرة" وأن "لا نقع بيد حاكم أو حكيم".. تلك باتت أمانينا، وأي حالة إسعاف للمشافي عليك أن تدفع ما لا تطيقه من مصاريف، المشافي العامة فيها رحمة قليلا ولكنها ليست دائما فارغة أو تستقبلك في كل الحالات، واللجوء للمشافي العامة يعني فيه فجاعة أكثر من الموت، بسبب غلاء الإقامة فيها وثمن الأدوية وغيرها من المصاريف التي تصل الى الملايين من الليرات السورية.

نعيش غرباء ونموت غرباء

تبدلت الأحوال في ظل حرب مقيتة امتدت لعشر سنوات وتزيد، فماذا تبقى من ثوابت يمكن البناء عليها لكي يستعيد المرء توازنه ويستعيد شيئا من حياته المنهوبة خلال حرب عبثية لم توفر شيئا على هذه الأرض. لم يعد للموت تلك الرهبة التي كانت من قبل، كل يوم عليم أن تقدم واجب العزاء لأكثر من مئتي شخص عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وكأن الأمر بات من المسلمات التي لا تفطر القلوب، هكذا يجيب أبو معاذ الذي أنشأ جروب على وسائل التواصل الاجتماعي لزملائه في العمل الذين تناثروا في بقاع الأرض، ويقول في مركز عملنا فقط فقدنا أكثر من 150 شخص خلال الحرب، لم تتح الفرصة لبعضنا بالتواصل إلا عبر هذا الجروب لنترحم على المتوفين، ونتفقد من بقى منهم حيا، وسائل التواصل تعج برائحة الموت، وبجانبي في الغربة سوريين كثر، نعاني من موضوع الموت وحتى المرض، في بلاد المهجر أيضا علينا أن ندفع فواتير المرض الغالية جدا، والموت أيضا صعب، أين ندفن موتانا وكيف، ومع ذلك أصبحنا ندفن في مقابر المسلمين، ونتكلف كثيرا، نعيش غرباء ونموت هنا أيضا غرباء..!

فاتورة الموت

في دمشق يصل كلفة شراء قبر في وسط المدينة الى أكثر من خمسة ملايين ليرة سورية أي حوالي الفي دولار، ناهيك عن كلفة العزاء في احد الأماكن المخصصة لذلك وتصل الى ما يقارب المليون ليرة أيضا، كما ان هناك كلفة التغسيل والكفن وسيارة النقل للمقبرة، ويصل المبلغ لثلاثة الاف دولار، هذا في حال كان الموت طبيعيا ودون الحاجة لدخول المشفى، وأي مشفى خاص يحتاج المريض لدفع ما يقارب 100 دولار إن كانت حالة إسعافية بسيطة والمبيت لساعات، وهذه المبالغ قد يتقدر على دفعها من الميسورين ولكن في حال كان من الطبقة المتوسطة وهم قلة فقد يتدبرون أمورهم ببيع بعض الأشياء المتوفرة لديهم من حلي أو أثاث أو أراضي، أو كان له قريب في الخارج.

أما الشريحة الأخرى وهي تشكل ما يقارب 70 بالمئة من سكان سوريا ويعانون فقرا واضحا حسب البيانات الدولية والأممية وحتى الإحصائيات السورية فهم لا يستطيعون دفع تكاليف المشافي ولا حتى تكاليف تجهيز الميت، ويلجأون غالبا للجمعيات الخيرية والمساعدات التي تأتيهم من الخارج، أو لبيع ماتبقى من حوزتهم من عقار.

ستعود كما كانت

تلك هي واحدة من أقسى نتائج الحرب المدمرة التي لا زالت ريحها تهب على البلاد، وللأسف أحدثت كثير من التغييرات في البنى الاجتماعية وفي الأخلاقيات المتعارف عليها، ولعل من أكثرها قسوة أنه لم يعد للإنسانية قيمة كبيرة في كثير من الأمور، فهناك من يركض خلف الأمور المادية، وأصبح الكثيرون يتاجرون بالمرضى ويتاجرون حتى بالمقابر وبالموت بشكل عام، ولكننا لا زلنا نعول على أن يكون هناك صحوة للذاكرة لكي تعود للحياة قيمها رغم أنف الحرب، ونراهن على ما يملكه الإنسان من قيم محفورة في داخله لكي تتجدد، فالحروب التي تجتاح أي بلاد ترمي بأمراضها وسترحل مهما طالت، لابد أن يعود الضمير وتعود الحياة كما نحب ونتمنى، وأن يعود التعاضد الاجتماعي والألفة والمحبة كما كانت وتبقى سوريا كما عهدناها أرض للتسامح والحضارة، هكذا يختم لنا الدكتور عدنان الناصر الباحث في الشأن الاجتماعي هذه المقالة بهذه الكلمات المتفائلة، لعل وعسى ينهض الإنسان الكامن فينا.

أعمدة
huda
نوافذ: «دينيس» والحكواتي العُماني
عدا ذلك البريق الخاص في عينيها، وذلك الشغف المُحرض على القبض على الحكايات، وعدا هدايا «حيفا» المُبهجة، المنسوجة أو المخطوطة بأيدي الفلسطينيين، فإن ثمّة ما يجعلك مفتونا بقدرة تلك المرأة على أن تحتفظ بروح الطفلة في أعمق ذرة منها، وكأنّما في ذلك حماية ودفاع مستميت، لتتمكن من عبور أسيجة العالم،...