facebook twitter instagram youtube whatsapp


No Image
الاقتصادية

النقد الدولي: الطفرة التضخمية الخارجة عن السيطرة لن تستمر لأكثر من عامين

01 يوليو 2022

تجاوز التضخم الكلي -(سعر جميع السلع والخدمات) والتضخم الرئيسي (ما عدا أسعار الغذاء والطاقة) حتى منتصف عام 2022- كثيرا المستويات المستهدفة في معظم البلدان. وتشير النظريات الاقتصادية المعتادة إلى أن التضخم سيخرج عن السيطرة في حالة تطبيق مزيج محدد من السياسات النقدية والمالية لفترة مطولة. ويرى خبراء صندوق النقد الدولي أن الارتفاع الحالي في معدلات التضخم يأتي نتاجا لخمسة دوافع أساسية، وهي: الاختناقات في سلاسل الإمداد، تحول الطلب من الخدمات إلى السلع، وحزمة التدابير التنشيطية الكلية والتعافي في مرحلة ما بعد الجائحة، وصدمة عرض العمالة، وأخيرًا صدمات إمدادات الطاقة والغذاء الناتجة عن الغزو الروسي لأوكرانيا.

حيث كان للجائحة تأثيران مختلفان على سلاسل الإمداد العالمية. ففي المرحلة الأولى، أدت تدابير الإغلاق العام والقيود على حرية الحركة إلى انقطاعات حادة في مختلف سلاسل الإمداد، مما تسبب في نقص الإمدادات على المدى القصير. وتلاشى الكثير من هذه الانقطاعات، وإن كان الارتفاع الأخير في أعداد الإصابات بسلالة أوميكرون في الصين وغيرها قد أدى إلى تجدد الضغوط على بعض سلاسل الإمداد. أما في المرحلة الأخيرة من الجائحة، فقد شهدت مختلف سلاسل الإمداد اختناقات مستجدة. وحسب تقييم دراسة Rees and Rungcharoenkitkul (2021) التي صدرت مؤخرا، تؤثر الاختناقات الأكثر حدة على المواد الخام والسلع المصنعة الوسيطة ونقل البضائع. ولكن هل تستمر هذه الاختناقات؟ من المقاييس المستخدمة في تقييم أوضاع سلاسل الإمداد العالمية المدة التي يستغرقها شحن السلع بحرا مقيسة بمؤشر صممته شركة فليكس بورت لقياس مدة الشحن عبر المحيطات (Flexport Ocean Timeliness Indicator). وحتى نهاية أبريل 2022، ظلت المؤشرات قرب أعلى مستوياتها على الإطلاق، مما يشير إلى أن الضغوط قد تستمر لفترة أطول على الأقل.

وفي ما يخص تحول الطلب من الخدمات إلى السلع، فقد أدت الجائحة في البداية إلى تحول حاد في طبيعة المشتريات الاستهلاكية، حيث سجل الإنفاق على السلع ارتفاعا هائلا. وبالتالي فإن جزءا كبيرا من الزيادة الأولية في معدلات التضخم يعزى إلى تضخم السلع المعمرة (بما في ذلك السيارات المستعملة)، بينما سجل تضخم الخدمات ارتفاعا طفيفا. وقد تستمر هذه التحولات خلال المرحلة النشطة للجائحة فحسب، وإن كان جزء على الأقل من تحول الطلب من الخدمات تجاه السلع قد يستمر في ظل الطريقة التي أعادت بها الجائحة تشكيل المجتمع. ورغم أن التحول تجاه السلع المعمرة كان ظاهرة عالمية، فإن تأثيره ربما كان ملحوظا بدرجة أكبر في بعض البلدان (بفضل انتعاش سوق السيارات المستعملة في الولايات المتحدة على سبيل المثال).

وفيما يخص تأثير حزمة التدابير التنشيطية الكلية والتعافي في مرحلة ما بعد الجائحة، أوضح صندوق النقد الدولي أنه تم الإعلان عالميا عن تدابير مالية بقيمة 16.9 تريليون دولار أمريكي لمكافحة الجائحة، وكان الدعم المقدم أكبر نسبيا في الاقتصادات المتقدمة. ففي الولايات المتحدة وحدها، تم تطبيق مجموعة من تدابير التنشيط المالي بقيمة 1.9 تريليون دولار أمريكي (خطة الإنقاذ الأمريكية). وأطلقت مجموعة مناصرة لفكرة التضخم المزمن عُرفت باسم "Team Persistent" تحذيرات حيال التدابير التنشيطية الضخمة المقترنة بتيسير الأوضاع النقدية لما قد يسببه هذا المزيج من ارتفاع مزمن في معدلات التضخم. ويُعزى هذا الاسم إلى التحذيرات التي أطلقها لاري سامرز وأوليفييه بلانشار بشأن التضخم في أوائل عام 2021 (راجع دراسة Summers 2021). وعارض مراقبون أُطلق عليهم لاحقا اسم “Team Transitory” هذه الفكرة وأشاروا إلى أن التبعات التضخمية لحزم التنشيط الحكومية ستكون مؤقتة أو طفيفة على الأرجح. ومع نهاية العام، تحولت الشواهد إلى صف الفريق الأول في عدد من البلدان. فقد استغلت الأسر المدخرات التي قامت بمراكمتها في بداية الجائحة (بما في ذلك من التدابير التنشيطية والتحويلات)، مما أدى إلى زيادة مفاجئة في الطلب الكلي وتعاف اقتصادي أقوى من المتوقع. ويتوقف استمرار الطلب الكلي القوي في نهاية المطاف على طبيعة استجابة البنوك المركزية.

ويقول الخبراء فيما يتعلق بالسبب الرابع المتمثل في عرض العمالة: لا تزال الانقطاعات في أسواق العمل نتيجة الجائحة مستمرة حتى بعد مرور عامين على بدايتها. فلا تزال نسب المشاركة في القوة العاملة دون مستويات ما قبل الجائحة في عدد من البلدان. وفي الاقتصادات المتقدمة، شهدت الولايات المتحدة تأثيرا أكبر نسبيا، حيث تراجعت نسب المشاركة بحوالي 1.5% عن مستويات ما قبل الجائحة (انخفاض عدد العمالة بحوالي 4 ملايين تقريبا).

خامسا، صدمات إمدادات الطاقة والغذاء الناتجة عن الغزو الروسي لأوكرانيا. حيث يقول الصندوق إن الغزو قد أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، مما ساهم في زيادة معدلات التضخم عالميا. وتعد روسيا وأوكرانيا من مصدري السلع الأولية الرئيسية، وقد أدت الانقطاعات الناتجة عن الحرب والعقوبات إلى ارتفاع حاد في الأسعار العالمية، ولا سيما النفط والغاز الطبيعي. وسجلت أسعار الغذاء ارتفاعا مفاجئا أيضا. فقد ارتفعت أسعار القمح إلى مستويات غير مسبوقة – حيث تمثل أوكرانيا وروسيا 30% من صادرات القمح العالمية. وقد تؤدي هذه التداعيات إلى استمرار التضخم لفترة أطول من المتوقع. وسيكون التأثير أكبر على الأرجح في البلدان منخفضة الدخل واقتصادات الأسواق الصاعدة، حيث تمثل الأغذية والطاقة النسبة الأكبر من الاستهلاك (التي تصل إلى 50% في إفريقيا). وبالرغم من وجود فروق مهمة عبر البلدان، ارتفع التضخم في جميع أنحاء العالم تقريبا. وفي الوقت الحالي، تتمثل أوجه عدم اليقين الرئيسية في مدى استمرارية ضيق الأوضاع في أسواق العمل واختناقات سلاسل الإمداد، وطبيعة استجابة البنوك المركزية لمعدلات التضخم المرتفعة.

استجابة البنوك المركزية

كيف ستستجيب البنوك المركزية للتضخم؟ إذا كان من الممكن استخلاص دلالات من الماضي لفهم المستقبل، سيكون من المفيد في البداية دراسة سلوك البنوك المركزية قبل الجائحة. فحتى أواخر السبعينات، كانت البنوك المركزية أكثر تقبلا للتضخم. ولكن الخفض الحاد في معدلات التضخم الذي شهدته المملكة المتحدة في فترة حكم مارجريت تاتشر (قبل أن يحظى بنك إنجلترا باستقلاليته التشغيلية)، والذي قام به الاحتياطي الفيدرالي بقيادة بول فولكر، أدى إلى ثورة في كيفية تعامل البنوك المركزية مع التضخم. ولم يمر وقت طويل قبل أن تتبع بنوك مركزية عديدة هذين المثالين الرائدين، مما أدى إلى تراجع التضخم في أنحاء كثيرة حول العالم بحلول منتصف الثمانينات. وتطلب ذلك إجراء إصلاحات مؤسسية كبيرة لتحقيق الاستقلالية للبنوك المركزية وقدرة عدد من البنوك المركزية على مواجهة الرياح السياسية المعاكسة والفوز باستقلاليتها بحكم الواقع. علاوة على ذلك، تم إجراء إصلاحات متنوعة أتاحت للبنوك المركزية تعيين الاقتصاديين وغيرهم ممن تمحورت دراستهم حول أسباب التضخم الكبير الذي شهدته حقبة السبعينات وسبل خفض التضخم، مما يمكن أن يكون له دور في هذه الثورة التي شهدتها البنوك المركزية.

وأشار تحليل خبراء الصندوق إلى أن البلدان التي استطاعت كبح جماح التضخم لم يشهد سوى عدد قليل منها لاحقا طفرة تضخمية مزمنة خارجة عن السيطرة. ويعني ذلك أن عددا قليلا فقط من البلدان سقط مجددا في براثن التضخم بعد الاستفاقة من الموجة التضخمية (أو بعد فترة متواصلة من الاستفاقة امتدت حتى بداية التسعينات). وجاء ذلك مدعوما أيضا بعدد من الإصلاحات المؤسسية التي أتاحت للبنوك المركزية القوة اللازمة لمواجهة الضغط من جانب السياسيين لدفع عجلة النمو من خلال زيادة التضخم في اللحظات المناسبة.

وقال الصندوق إن مدة النوبة التضخمية الحالية ستتوقف على عاملين: أولا، التفاعل بين استمرار ضيق الأوضاع في أسواق العمل واختناقات سلاسل الإمداد واستجابة البنوك المركزية، وثانيا، مدة الحرب في أوكرانيا وتداعياتها على أسعار الطاقة والغذاء والنمو العالمي. وحسب التجارب التاريخية السابقة، لن تستمر هذه الطفرة التضخمية الخارجة عن السيطرة لأكثر من عامين.

وتوقع الصندوق تراجع موقف البنوك المركزية المضاد للتضخم أمام التداعيات الدائمة للجائحة وعدم اليقين بشأن مسار التعافي وإغراءات رفع التضخم لتخفيف أعباء الدين عالميا. وتستند الدعاوى المطالبة بعدم عرقلة مسيرة التعافي قبل الأوان إلى انخفاض نسبة المشاركة في القوة العاملة مقارنة بمستويات ما قبل الجائحة. والسؤال المطروح الآن هو ما إذا كانت دالة الاستجابة قد اختلفت بعد الجائحة. وبينما قد تواصل البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة موقفها المعارض للتضخم، فإن خططها المعلنة – بناء على مخططات النقاط (أو الرسوم البيانية المماثلة) الصادرة عنها في الوقت الحالي – قد لا تتناسب مع متطلبات خفض التضخم. وتشير حسابات تم إجراؤها باستخدام قاعدة تيلور التقليدية إلى أن خفض التضخم في عدد من البلدان يمكن أن يتطلب تطبيق زيادات في أسعار الفائدة قد تصل إلى 7%.

وتذهب إحدى الدراسات إلى أن رفع أسعار الفائدة لمكافحة التضخم ليس إلا أداة خرقاء، ولا سيما إذا كان مصدرها هو سياسة المالية العامة. وتشبِّه تراخي سياسة المالية العامة ورفع أسعار الفائدة للسيطرة على التضخم بسائق يضغط على بدال السرعة وعلى المكابح في آن واحد. وتشير الدراسة إلى أنه إذا ما بدأت الشكوك تتسلل إلى المواطنين بخصوص مدى التزام الحكومة بسداد ديونها دون خصمها من خلال رفع معدلات التضخم، فإن ذلك سيؤدي إلى تدهور حاد في أوضاع التضخم.

أعمدة
No Image
السِّتارة المسرحيّة
ماذا يُمكن أن يجري وراء السِّتارَة المسرحيّة؟ذات يوم في شهر وفَصلٍ غير معلومين حوالي عام 1601م كتب الشاعر والمسرحي الإنجليزي وليم شكسبير رائعته الخالدة البهيّة مأساة الأمير هاملت مازجا فيها أولا بتعبير الأرديس نيكول "عدة عناصر مميزة في وحدة متكاملة ليصور روح المأساة تصويرا تاما [...] ويمكن تسمية هذه العناصر:...