عمان بريميوم
الجمعة / 25 / جمادى الآخرة / 1443 هـ - 28 يناير 2022 م
رئيس التحرير : عاصم بن سالم الشيدي
pray   مواعيد الصلاة
rating
weather
facebook twitter instagram youtube whatsapp


عبدالله العليان
عبدالله العليان

وشهد شاهد من أهلها! ديمقراطية تترنح!

12 يناير 2022

نتذكر ونحن في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، بعد سقوط المعسكر الاشتراكي، الذي يتزعمه آنذاك الاتحاد السوفييتي بتلك الصورة المفاجئة، ألقى العديد من الخبراء والسياسيين لصناع القرار في الولايات المتحدة وفي غيرها من دول المعسكر الرأسمالي، بالتبشير بسقوط الأيديولوجيات الأخرى المعارضة للديمقراطية الليبرالية الغربية، وهذا النصر المؤزر للفكر الليبرالي المؤيد بالديمقراطية، وفشل النظم الشمولية، وهذا يعني -كما يرون- أنه لا طريق لكل الحضارات والثقافات الإنسانية، إلا طريق الليبرالية الديمقراطية، والأم الحنون المؤسسة لهما، وهي الرأسمالية العتيدة، ومن هؤلاء الذين بشروا بكل قوة بهذا الانتصار، البروفيسور الأمريكي الياباني «فرانسيس فوكوياما» وصاحب الأطروحة الشهيرة «نهاية التاريخ وخاتمة البشر»، التي تحولت إلى كتاب بهذا الاسم، وأحدثت هذه الرؤية ضجة كبيرة وجاءت ردود عليها من العديد من المفكرين والباحثين من أنحاء العالم، بين المؤيد وبين الناقد.

وهذا الأطروحة جاءت كردة فعل منحازة على انهيار المعسكر الشرقي الماركسي الذي يقوده الاتحاد السوفييتي آنذاك وليست رؤية واقعية ومنطقية لكنها تنطلق من رؤية أيديولوجية، لظروف سياسية واقتصادية وفكرية، من خلال الحرب الباردة بين المعسكرين التي برزت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية -وهذا ليس مجال حديثنا الآن- وقبل أيام نشرت «صحيفة عُمان»، مقالين من الولايات المتحدة، وهي من أكبر الدول الديمقراطية الليبرالية في العالم، الأول للرئيس التاسع والثلاثين في الولايات المتحدة جيمي كارتر والبروفيسور فرانسيس فوكوياما، اللذين تحدثا عما يجري للديمقراطية الغربية من تجاوزات وإخفاقات وإشكالات مختلفة في الغرب، أو في العديد من دول العالم ومن بينها الهند، التي كانت تتحدث عنها الكتابات والأبحاث بأنها دولة تتمتع بالحريات، وحقوق الإنسان، والمواطنة، وحرية التعبير إلى آخر هذا الأوصاف والمسميات.

فالرئيس الأسبق جيمي كارتر، الذي عُرف عنه المصداقية والإنصاف في مواقف كثيرة وفي أحداث كثيرة، إلا أنه قال في هذا المقال الذي حمل عنوان «نخشى على ديمقراطيتنا»: «لقد استغل الساسة في ولايتي جورجيا -وفي ولايات أخرى منها تكساس وفلوريدا- حالة انعدام الثقة التي تسببوا فيها فسنوا قوانين تمنح الهيئات التشريعية الحزبية سلطة التدخل في العمليات الانتخابية. هؤلاء يسعون إلى الفوز مهما تكن الوسيلة، ويجري إقناع كثير من الأمريكيين بالتفكير على طريقتهم والعمل بها، مما يهدد بانهيار أسس أمننا وديمقراطيتنا بسرعة تحبس الأنفاس.

وإنني الآن أخشى أن ما حاربنا بضراوة لتحقيقه على المستوى العالمي -أي الحق في انتخابات حرة نزيهة لا يعوقها السياسيون المستبدون الساعون إلى زيادة سلطتهم قبل أي شيء آخر- قد بات داخل الوطن على قدر خطير من الهشاشة».

ويضيف جيمي كارتر في آخر فقرة من هذا المقال الشديد النقد لبعض الممارسات الغريبة عما كانت عليه الأسس الديمقراطية، فيما يجري لها وما عُرف عنها أنها الأعرق على المستوى العالم في التعاطي الإيجابي في إجراءات التصويت والفرز والشفافية وقبول النتائج، فيقول: «إن أمتنا العظيمة تتمايل الآن على شفا هاوية ماضية في الاتساع. وإذا لم نتحرك فورا، فإننا معرضون لخطر حقيقي بنشوب صراع أهلي وبفقدان ديمقراطيتنا العزيزة. لا بد أن ينحي الأمريكيون الاختلافات ويعملوا معا قبل فوات الأوان».

فهذا البوح بألم من رئيس سبق وإن دخل البيت الأبيض بنجاح رائع، وليست له الآن نظرة أخرى للمنافسة في هذه السن، وربما قد يعتقد البعض أنه يريد بهذا النقد المنافسة السياسية، أو من أجل منطلقات حزبية ضيقة، لكنه يعتبر نفسه مراقبا عن بعد بما جرى في بلاده من تجاوزات في الانتخابات الأخيرة أثناء الهجوم على الكونجرس بهدف تغيير النتيجة بالقوة، وهذه كانت تجري ولا تزال في بعض دول العالم الثالث، أو البلدان التي تنعت بـ«الاستبدادية».

أما البروفيسور فرانسيس فوكوياما، فكتب مقالًا أيضا في ذلك اليوم نفسه، وحمل عنوان «يوم واحد فقط صرف أنظار العالم عنا».. يقول فوكوياما في مقاله: «كان الهجوم الذي تعرض له الكونجرس في السادس من يناير 2021 من قبل حشد تحرك بإلهام من الرئيس السابق دونالد ترامب بمثابة واقعة مشؤومة لا سابقة لها في السياسة الأمريكية. فالولايات المتحدة لم تخفق منذ الحرب الأهلية في تحقيق الانتقال السلمي للسلطة، ولم يتعمد مرشح من قبل أن يطعن في نتائج انتخابات توافرت الأدلة على أنها كانت حرة ونزيهة.

لا يزال صدى ذلك الحادث يتردد في السياسة الأمريكية -لكن أثره لا يقتصر على الداخل فقط. فقد كان له أيضًا أثر كبير في المستوى الدولي، مثلما كان إشارة إلى انخفاض كبير في قوة أمريكا ونفوذها العالميين».

وهذا القول يعد أكبر ضربة لصاحب كتاب «نهاية التاريخ»، عند الديمقراطية الليبرالية التي رآها خاتمة الفلسفات السياسية لكل الأمم والحضارات، ويضيف البروفيسور فوكوياما في هذا المقال، وكأنه يخجل مما قاله قبل نصف قرن عن توقف التاريخ عن هذه الديمقراطية الغربية فيقول: «إن لدى الولايات المتحدة قدرا هائلا من القوة الاقتصادية والعسكرية، ولكن القوة غير قابلة للاستعمال في غياب إجماعي سياسي داخلي على دور البلد الدولي. ولو لم يعد الأمريكيون مؤمنين بالمجتمع الليبرالي المتسامح المنفتح، فإن قدرتنا على الابتكار والقيادة بوصفنا القوة الاقتصادية الكبرى في العالم سوف تتضاءل هي الأخرى.

لقد أكد السادس من يناير -عند اقتحام الكونجرس لتغير نتيجة التصويت الذي فاز فيه الديمقراطيون ـ انقسامات أمريكا وعمَّقها، ولهذا السبب ستكون له عواقب تتردد أصداؤها في العالم كله في السنين القادمة».

ولا شك أن هذا النقد من داخل النخب السياسية والفكرية الاستراتيجية، يؤكد أن ثمة مشكلات كانت خافية، أو غير ظاهرة للعيان، بدأت تطرح نفسها بقوة، وعلى مستوى الشعب، وهو ما جرى يوم السادس من يناير 2021، التي فاز فيها «جو بايدن بالرئاسة الأمريكية»، وهذا بلا شك حدث أيضا في بعض الولايات الأمريكية، التي كما أشار الرئيس الأسبق جيمي كارتر، في مقاله المشار إليه آنفًا، فيما حدث، عندما قال: «لقد استغل الساسة في ولايتي جورجيا -وفي ولايات أخرى منها تكساس وفلوريدا- حالة انعدام الثقة التي تسببوا فيها فسنوا قوانين تمنح الهيئات التشريعية الحزبية سلطة التدخل في العمليات الانتخابية.

هؤلاء يسعون إلى الفوز مهما تكن الوسيلة، ويجري إقناع كثير من الأمريكيين بالتفكير على طريقتهم والعمل بها، مما يهدد بانهيار أسس أمننا وديمقراطيتنا بسرعة تحبس الأنفاس».

وأمس الأربعاء أثار الرئيس الأمريكي جو بايدن، هذا الأمر، في خطابه بولاية جورجيا، حيث دعا إلى: «تغيير قواعد مجلس الشيوخ من أجل السماح بتمرير تشريع بشأن حقوق الأقليات في التصويت، خاصة في الولايات التي يسيطر عليها مسؤولون جمهوريون». مضيفا في هذا الخطاب «أنه يعتقد أن التهديد الذي يداهم الديمقراطية الأمريكية خطير للغاية، وعلينا إيجاد طريقة لتمرير مشروع قانون حق التصويت ومناقشته، ونجعل الديمقراطية تنتصر».

ما يجري في الولايات المتحدة، أن ثمة حراكًا فكريًا وسياسيًا لبعض النخب السياسية، لمراجعة النظم الديمقراطية القائمة، ومحاولة تغيير المعادلة السياسية الراهنة، منها استبعاد الأقليات من التصويت التي هي حق بموجب الدستور بحسب ما قاله جو بايدن، التي قام عليها النظام السياسي الأمريكي، منذ مؤسسها القانوني والمحامي الرئيس: «توماس جفرسون عام 1800، وهذه مجازفة كبيرة، لولايات المتعددة الأفكار والديانات والعرقيات، ولا شك أن المخاطر قائمة، عندما يبدأ التراجع من النخب الأمريكية الكبيرة، وهذا الأمر المؤشر خطير، فهل ينجح جو بايدن في وقف هذا المخطط في مهده؟ أم تنجح هذه المخططات، التي بلا شك تلعب على المال السياسي منذ قرن أو يزيد؟ لا شك أن المتغيرات الفكرية والسياسية قد تحصل وقد حصلت عبر التاريخ، وثمة مخططات من بعض الولايات للدعوة للاستقلال، وهذا قضية في مخاضها السياسي، وهناك عقول استراتيجية سيكون لها الدور الإيجابي في تسكين بعض الممارسات الخاطئة التي تشكل خطرًا على الديمقراطية الليبرالية، إنما مقولة فوكوياما في اعتبار الليبرالية الديمقراطية نهاية التاريخ، مجرد حلم من أحلام اليقظة، قيلت مع الزهو والانتشاء بسقوط الاتحاد السوفييتي.. ولله الأمر ومن بعد.

عبدالله العليان كاتب وباحث في القضايا السياسية والفكرية: مؤلف كتاب «حوار الحضارات في القرن الحادي والعشرين».

أعمدة
عبدالرزاق الربيعي-01
هوامش.. ومتون: زفيريللي.. المجد على كرسيّ متحرك
في أكتوبر2015، كنت بدار الأوبرا السلطانيّة بمسقط مدعوّا مع مجموعة من الإعلاميين لمؤتمر صحفي نظّمته الدار لصنّاع أوبرا «توراندوت» للموسيقار الإيطالي بوتشيني، بحضور عدد من أبطال العرض، والموسيقيين، والفنيّين، وكان مخرج العرض الكبير يبلغ من العمر (92) فظننا من الصعب عليه حضور المؤتمر، ولم نبدأ، ولم يطل انتظارنا، فقد أطلّ...