facebook twitter instagram youtube whatsapp
عبدالله العليان
عبدالله العليان

لماذا الصدام والصراع يتقدمان على الحوار والتفاهم ؟

15 سبتمبر 2021

بعد انتهاء الحرب الباردة في بداية التسعينات من القرن الماضي، التي كانت ساخنة بين المعسكر الرأسمالي الليبرالي الغربي، والمعسكر الاشتراكي في شرق أوروبا، وبعد عامين تقريبًا من سقوط المعسكر الشرقي، أصدر البروفيسور الأمريكي أطروحته الشهيرة صموئيل (صدام الحضارات)، وأكد فيها أن على الغرب الرأسمالي ألا ينام قرير العين بمجرد سقوط هذا المعسكر أو ذاك، وعليه أن يكون مستعداً ويقظاً، فهو يرى في أطروحته أن سقوط المعسكر الاشتراكي المضاد للنظام الرأسمالي، الذي كان يريد تقويضه والقضاء عليه، وهذا لا يعني أنه ليس هناك خطر مقبل يهدد الغرب، ومن هذه المنطلقات فإن صمويل هنتجنتون أراد أن يحذر من أن المستقبل القادم قد يواجه الغرب فيه مخاطر من الإسلام بالتحالفات مع ثقافات معادية للقيم الغربية في نظره كما قال، وأن مكمن الخطر فيه تهديد الليبرالية وقيمها في الحرية والديمقراطية، ولا شك أن هنتجنتون يعرف الحقيقة كمفكر استراتيجي، وأحد الذين يقدمون التقارير لصناع القرار في الغرب، إن العرب والمسلمين، ليسوا في مستوى قدرة الغرب وقوته ونفوذه السياسي وهيمنته، وكذلك الإمكانية الاقتصادية والاستراتيجية الضخمة التي يملكها، فالمقارنة غير دقيقة، ولذلك كان الحذر من القوة الإسلامية المقبلة، بالتحالف مع ما سماها «الصين الصاعدة تكنولوجيا»، أو بين الثقافة الإسلامية والثقافة الكونفوشيوسية، مقاربة لا ترقى للمصداقية في توقعها، فمنذ بزوغ الإسلام وحتى الآن، لم يحصل تقارب بين الثقافة الكونفوشيوسية والثقافة الإسلامية، ولذلك فإن هذا التحليل يراد منه إعطاء القدرة الإسلامية التي يعرف أنها لا تتناسب ومقدرة الغرب في مناحي كثيرة، فالدفع بقضية التحالف بين الثقافتين المتباعدتين من حيث الواقع والتجربة الواقعية غير دقيقة في الخبرة التاريخية.

وهلل اليمين المتطرف في الغرب الليبرالي، لهذه الأطروحة المتعلقة بصدام الحضارات وصراعها، التي تحولت بعد ذلك إلى كتاب تحت مسمى: (صدام الحضارات.. إعادة صنع النظام العالمي). ومما قاله هؤلاء ـ دعاة الصراع والصدام ـ أن: الهلال الأحمر الشيوعي الذي سقط، بعد هزيمته الفكرية والفلسفية وانتصار النظام الرأسمالي الليبرالي في الحرب الباردة، فهناك الخطر الذي يجب الاستعداد له هو «الخطر الأخضر» ويقصدون به الخطر الإسلامي، ولذلك يجب منازلته والصدام معه لتحجيمه، ولإيقاف خطره وتأثيره على الغرب وحضارته، ووقف زحفه! مع أن ما جرى للمسلمين في البوسنة والهرسك من جرائم ومظالم بشعة ومهولة لم يشهد لها مثيل في هذا القرن من اضطهاد لمواطنين طالبوا بالحرية مثلما حصل لدول عديدة تنتمي للاتحاد اليوغوسلافي، مما يؤكد بالدليل الواضح، أن ما جرى لهم كان مجرد أحقاد وكراهية لا دخل لها بالصراع ولا النزال بين الحضارات، كما قال هنتجتنون وليسوا قادرين على ذلك، ولا دخل لما جرى لا للمسيحية ولا للإسلام فيما حصل من اضطهاد وقتل بمئات الآلاف، لكن لا تزال رواسب الماضي من الحملات المتبادلة منذ قرون هي التي تغذي هذه المقولات التي تشيع مخاطر الإسلام على الغرب.

والشيء الذي يدعو للاستغراب والتعجب أنه قبل صدور أطروحة صدام الحضارات لهنتجتون، أصدر البروفيسور الياباني/ الأمريكي أطروحته الشهيرة (نهاية التاريخ)، التي تحولت إلى كتاب أيضاً حمل عنوان: (نهاية التاريخ وخاتمة البشر)، واستغربت الأوساط السياسية والاستراتيجية في الغرب من تناقض هذه الأطروحات من بلد واحد، وقد أشرت في بعض كتاباتي الماضية مع بروز الكتابات عن نهاية التاريخ وصدام الحضارات في التسعينات من القرن الماضي ومما قلته: إن أطروحة نهاية التاريخ التي بشّرت بانتصار الرأسمالية الغربية بعد سقوط المعسكر الشرقي وتفكك الاتحاد السوفييتي وعند صاحبها أن التاريخ توقف عند الديمقراطية الليبرالية، ولذلك يرى فوكوياما أن التاريخ قد أغلق تماما أمام الأيديولوجيات المغايرة للرأسمالية الغربية.

لكن هنتنجتون ناقض زميله في أطروحته (نهاية التاريخ وخاتمة البشر)، واعتبر أن التاريخ لم يتوقف أمام انهيار المعسكر الشرقي وانتهاء الإيديولوجية الماركسية والاشتراكية وأصدرـ كما أشرنا آنفاً ـ الأطروحة الشهيرة (صراع الحضارات) قال فيها: إن الصراع المقبل سيكون صراع حضارات، وتنبأ أن القوى الصاعدة التي ستشكل خطرا على الغرب ستكون من التحالف بين الحضارة الإسلامية والكونفوشسية! وسادت في العالم ضجة كبيرة على نظرية هنتنجتون في الأوساط العالمية والأكاديمية على وجه الخصوص وجاءت مئات الردود على هذه المقولة الخطيرة التي تدعو إلى الصدام والصراع، بدل التفاهم والحوار بين الأمم والحضارات.

ولا شك أن أطروحة فوكوياما تعبر عن فخر وانتشاء بنهاية المعسكر الشرقي الذي شكل خطرا فكرياً وعسكرياً على الغرب الرأسمالي، بعد التوحش والمظالم الاجتماعية من الرأسمالية مع بداياتها، ومع أن هذه أطروحة فوكوياما ليست دقيقة في السجل التاريخي للأمم والحضارات، فالصعود والسقوط سمة تاريخية للحضارات منذ قرون، ولا يمكن أن تبقى حضارة أو قوة دولية في مكان الصدارة للأبد، كما أن الأفكار والنظريات قابلة للتراجع والفشل عند الممارسة الفعلية والعملية، والبعض تنبأ للولايات المتحدة بأن يصيبها الهرم والتراجع مثلما حصل للاتحاد السوفييتي، وهذه سنّة إلهية في البشر، كما أن النظرية الشيوعية لم تأت من كوكب آخر ـ كما قال العلامة هادي المدرسي فـ: «إن الشيوعية لم تكن نبتا شيطانيا جاء به الجن من كوكب آخر، بل هي بعض نتاج النظام الرأسمالي ذاته الذي يقدم للعالم كله اليوم، وكأنه طريق الخلاص، بل الخلاص ذاته».

وهذا يعني أن النظامين، وإن كانا يختلفان في الرؤى الفكرية والفلسفية، كونهما أفكار من داخل القيم الغربية المسيحية، ولذلك الفلسفات بحسب رؤية أصحابها تنطلق من توجهات فكرية مغايرة، لكن الأمر ـ كما يقول المدرسي ـ مختلفاً في التقييم: «فكل نظام يوجد نقيضه، وإذا كان النظام الشيوعي الذي عاش ثلاثة أرباع القرن لم يقدم النقيض الأرقى، فلا يعني أبدا أن النظام الرأسمالي هو غاية المنى وذروة الطموح الإنساني، بدليل بسيط هو أن الإنسان في ظله ما زال يحلم بالتغيير وما زال يحاول التغيير سلما، حيث ما أمكنه والثورة حيث لا تجدي أشكال الاعتراض والرفض الديمقراطي».

وهذا الشعور بالخطر- مع اختلاف القدرات- ربما يكون شعور بالذنب من الغرب نفسه بما فعله بالأمم الأخرى التي أخضعها لهيمنته، والخوف من الانتقام، وهذه رؤية غير دقيقة، والحاجة للتقارب والتفاهم هو الذي يحجم الصراعات والتوترات، ولكن الإشكال الذي يبرز الآن في العالم اليوم الشعور بالهوية وتعزيزها بدل اندماجها وتقاربها مع الهويات الأخرى.. وللحديث بقية.

أعمدة
No Image
بشفافية: نثق بمنجزاتنا
كمية كبيرة من السلبية تحيط بنا، مصحوبة بحالة من التذمر والنقد والامتعاض تغلف جدار أي حدث أو حديث أو تصريح أو مشروع، غياب للثقة في عدد من الجوانب، وتنامي الروح السلبية أكثر من الإيجابية، خاصة إذا ما زار أي أحد فضاء العالم الإلكتروني، هناك تدور رحى معركة من الانهزامية وسط...