عمان بريميوم
الجمعة / 25 / جمادى الآخرة / 1443 هـ - 28 يناير 2022 م
رئيس التحرير : عاصم بن سالم الشيدي
pray   مواعيد الصلاة
rating
weather
facebook twitter instagram youtube whatsapp


محمد جميل احمد
محمد جميل احمد

في دالة تعبيرات العقل اللغوي للمجتمع!

12 يناير 2022

فيما تظل هناك إمكانية لتجديد الكثير من القوالب الجاهزة والأفكار المُنَمَّطَة التي تنعكس في كلام الناس بصور آلية لامتناهية لتؤكد هويةً ما، أو تنفيها، من هويات المجتمع؛ تبقى، كذلك، علامات مصاحبة لتلك الأفكار والقوالب وتصب في ذات الاتجاه. فحين تتخيل بعض النخب المستنيرة في المجتمع: أن مجرد إدراكها لذاتها كنخب مستنيرة سيكون كافيًا للظن بأن علامات التخلف قد زالت من المجتمع الذي يعيشون فيه (إذا كان مجتمعًا متخلفًا مثلًا) - وفقط نتيجةً حصريةً لعلاقات محدودة بينهم كمستنيرين - سنجد أن علامات التخلف، مثلًا، في ذلك المجتمع ستكون لها أكثر من دالة قائمة على التقدير الخاطئ لتلك النخب المستنيرة فيما تظنه من تصور جمعي للمجتمع.

في تلك اللحظة فقط؛ يمكن للمتأمل والباحث، من بين تلك النخب المستنيرة ؛ أن يقتنع بأن الترديد الكثير لتلك القوالب والأفكار المنمطة التي ينتجها المجتمع ويعيد إنتاجها، تؤكد له باستمرار: أن لحظة إقلاع مجتمع ما من حالة تخلف إلى حالة تقدم، أو العكس، هي لحظة لا يخلقها الوهم ولا تتصورها عقول المثقفين المنعزلة، بقدر ما هي لحظة تجلٍ ظاهرة في تلك التعبيرات والقوالب التي تحكم التصورات الذهنية الجاهزة لنمط تفكير عامة الناس!

هنا يمكن القول؛ إنه كلما تعمق المرء في ملاحظة سياقات وعلامات تلك القوالب والأنماط لدى عامة الناس في المجتمع، في كونها دوالَّ رمزيةٍ ما على حالة ذهنية للمجتمع سيدرك كذلك أن ثمة كثيرًا من سرديات يتم تعويمها عن حالات متوهمة للمجتمع في لحظة ما من تاريخه الحديث، فيما هي ليست حقيقية لكن تم تصويرها على أنها كذلك! اليوم؛ يتحسر كثيرون على ما يسميه البعض بـ« الزمن الجميل» (غالبًا ما يُقَصَدُ به؛ حال المجتمعات العربية في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن العشرين) حيث كان ظاهر أحوال الناس في المجتمع أكثر تقبلًا لبعضهم البعض، وأكثر إيمانًا بالحياة المدنية الحديثة، وأكثر انفتاحًا على الآخر، والتسامح مع كثير من القضايا العصرية، كما كانت تمثيلات المجتمع، في تلك الحقبة تمثيلات معبرة عن هوية ومعنى أصْلِيَيَن في مساحات من التعبير الفني (الغنائي) إلى جانب ما يوازي ذلك في السينما والمسرح والأدب لكن أولئك المتحسرين اليوم قد لا يُتعِبُون أنفسهم بالإجابة عن سؤال بسيط، وهو سؤال نعتقد أن غياب الإجابة عنه بموضوعية ستهدر الكثير من معنى الإجابة الجادة ليس على سؤال الأمس فحسب وإنما عن واقع اليوم كذلك!

والحال؛ أنه إذا كانت « جمالية» ذلك الزمن تنطوي على هوية ذاتية لمعناها أليس من المعقول أن النتيجة اليوم هي: تمثيلات أكثر تطورًا في التعبير عن معناها للمجتمعات العربية بصورة أكبر وأشمل وأعمق من تلك الحالة التي كانت عليها ذات المجتمعات في عقود: الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن العشرين؟

وهنا سنجد أنفسنا تمامًا أمام جدلية التقدم والتخلف.

فبما أن فكرة التقدم تعني: اضطرادًا في التحسن المستمر لأحوال الحياة في المجتمع باتجاه المستقبل بصورة أكثر تطورًا وثقةً من الحقبة التي قبلها؛ سنجد أن وضع الناس الآن في المجتمعات العربية عن وضعهم العام خلال ذلك « الزمن الجميل» لا يعكس أي استيعابًا لفكرة التقدم.

وبالعودة إلى دلالة تعبيرات القوالب الجاهزة والأفكار المنمطة، التي ذكرناها في بداية المقال؛ سنجد أن تعبير الناس عن أنفسهم بما يكشف مدركات العقل اللغوي لأحوالهم هو الأكثر مصداقيةً ودلالةً على وصف حال الناس في اللحظة التاريخية التي هم فيها.

وهكذا سنجد، أيضًا، أن المجتمعات التي اضطردت في أحوال حياة الناس فيها؛ مصاديقُ فكرة التقدم؛ سنجد أن تلك المجتمعات هي الأكثر تعبيرًا في أنماط القول فيها عن حالة التقدم تلك.

ففي المعجم الخاص للتعبيرات الفردانية (أي تلك التي يعبر فيها الفرد في المجتمع المتقدم من خلال عقل لغوى ذاتي)، وفي القدرة على ترهين اللغة وتحديد علاقاتها الوظيفية بدقة في التعبير ؛ يمكن لكل باحث أو متأمل؛ إدراك اللحظة التاريخية لذلك المجتمع، أي بالحكم في كونه مجتمعًا متقدمًا وحديثًا.

بطبيعة الحال؛ ثمة كثير من البنى التحتية التي تنتج لحظة حضارية دالة على رقي المجتمع من خلال ملاحظة قوالب العقل اللغوي لتعبير البشر فيه كأفراد عن ذواتهم؛ كالتعليم والحرية وغيرهما من القيم.

لذلك، شئنا أم أبينا؛ فإن الكثير من تمثيلات العقل اللغوي يمكنها؛ عكس لحظتنا الحضارية، وفقط، من خلال تعبيراتنا الأكثر دلالة على ذاتنا الجماعية وأحوالها من أي ضرورة لبرهان قياس خارجي!

محمد جميل أحمد كاتب من السودان

أعمدة
عبدالرزاق الربيعي-01
هوامش.. ومتون: زفيريللي.. المجد على كرسيّ متحرك
في أكتوبر2015، كنت بدار الأوبرا السلطانيّة بمسقط مدعوّا مع مجموعة من الإعلاميين لمؤتمر صحفي نظّمته الدار لصنّاع أوبرا «توراندوت» للموسيقار الإيطالي بوتشيني، بحضور عدد من أبطال العرض، والموسيقيين، والفنيّين، وكان مخرج العرض الكبير يبلغ من العمر (92) فظننا من الصعب عليه حضور المؤتمر، ولم نبدأ، ولم يطل انتظارنا، فقد أطلّ...