facebook twitter instagram youtube whatsapp


محمد جميل احمد
محمد جميل احمد

فيسبوك.. المستقبل المجهول لمصائر الحرية!

22 يونيو 2022

بات من المؤكد اليوم؛ أن بوسع كل متأمل في ظاهرة فيسبوك إدراك أن هذه الظاهرة هي على التحقيق؛ لاتزال في أطوار لا يمكن معها الحكم الكلي المحيط بطبيعتها، وربما لا أحد، بمن فيهم مخترع فيسبوك ذاته «مارك زوكربيرغ» يعلم، في المدى القريب، ما يمكن أن تؤول إليه مصائر هذه الظاهرة التي صمدت على الأقل أكثر من غيرها لأكثر من 18 عامًا (ظهر موقع فيسبوك عام 2004)، الأمر الذي ربما يمنح انطباعًا للمتأمل أن الإشكالات التي يطرحها فيسبوك على الحريات والأمن المجتمعي وغيرها، ستبدو أكثر تفاقمًا في المجتمعات التي هي أقل تمكنا في بنياتها المتصلة بقوة الدولة وازدهار المجال العام ببنيات مؤسسية في المعرفة والقانون والحريات والتعليم والإعلام، كما هو الحال في مجتمعات الغرب.

وبالرغم من المفارقة التي يطرحها استخدام فيسبوك، التي تعكس وجهًا مزدوجًا للتسطيح ونقيضه الظاهر؛ أي من حيث اقتضاء مستخدم الفيس لمطلق المعرفة بأوليات الكتابة، وفي الوقت ذاته ما تؤدي إليه نتيجة هذه المعرفة الأولية اللازمة لمهارة الفيس؛ من إدمان على هذه المنصة، وما تفرضه تحديثاته المتعددة الوجهة والمكان على مدار الثانية عبر أخبار وحوادث تفرض تسطيحًا لا يكاد ينجو منه أحد سعيًا وراء تلك التحديثات. كل ذلك ربما كان جزءًا صغيرًا من هوية عالم افتراضي لا يزال يتشكل، كجزء من العولمة التي أصبحت اليوم تفرض إكراهاتها على الكثير حتى أصبحت تتغول على مهام الدولة الحديثة ورعايتها للمجتمع، بعد أن بلغت ميزانيات بعض الشركات العابرة للقارات أحيانًا أكثر من ميزانيات بعض الدول الأكثر فقرًا في هذا العالم.

إن ظاهرة التسريع والتسطيح التي بدأت تتبلور مع إيقاع اللهاث وراء وسائل التواصل الحديثة ومنابر منصات السوشيال ميديا، وتتحكم في حياة الكثيرين؛ إذا ما أصبحت اليوم، في بداياتها، إكراها يضغط على متحولي ثورة الاتصالات والمعلوماتية، فإننا لا ندرك طبيعة ما ستكون عليه أجيال الغد!

ففي ظل الضغط الذي تفرضه وسائل التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك، فيما يظل التعامل معها قائمًا على مثل هذا التسريع فسيبدو اختفاء القدرة على القراءة الطويلة والعميقة (وهي ضرورة للمعرفة الإنسانية في كل زمان ومكان) إحدى بديهيات أجيال الغد وهنا ستكون الكارثة أكثر خطورةً على مستقبل الأجيال.

إن من أهم الإيهامات التي يغزو بها فيسبوك عقول البسطاء من مدمنيه؛ إيهامهم بأن ثمة سوية واحدة اليوم في استخدامات وسائل التواصل الاجتماعي في كل العالم – وهذا صحيح من حيث المبدأ ومن حيث العموم - لكن ما سيخفى عن أولئك البسطاء؛ هو أن فيسبوك ليس ظاهرة منقطعة عن جملة من الوسائل المتصلة به في الدول التي تمتلك بنيات مؤسسية قادرة على أن تتقاطع معه وتضع له حدودًا لا من حيث قوانينها فحسب، بل كذلك من حيث وعي الشعوب في بنيات تلك الدول المتقدمة، وعي يمنعهم من ذلك «الإيمان الغيبي» بفيسبوك بحيث لا يمكن تكييف هويته في الدول المتخلفة كدول العالم الثالث.

ولعل أبرز علامات ذلك اليوم، ما أصبح عليه حال كثير من المجتمعات العربية في ردود فعلها العنيفة على ناشري محتوى خطاب الكراهية مثلا في منصة فيسبوك وقصور ضوابط النشر فيه على تعيين حدود للحريات والمسؤوليات، ما يؤدي إلى استخدامات سالبة لا يعلم حدود تأثيرها على مجتمعاتنا في الواقع إلا الله.

هذا فضلا عن حال زائفة من الرضا عن النفس يشعر بها كثيرون من الذين أدمنوا فيسبوك، كما لو أنهم يعيشون تعويضًا بديلا عن الحياة الطبيعية. لاسيما من خلال الترصد للتفاعلات واللايكات التي تمنح ذلك الشعور من الأهمية!

وكما أسلفنا في بداية المقال، فإن النهايات التي ينطوي عليها مصير موقع فيسبوك لا يمكن لأحد أن يتنبأ بها على نحو التحديد، لكن الآثار التي يتركها هذا الموقع على عادات القراءة والبحث تنحو بوضوح لميل البعض إلى استسهال حتى الأمور الجادة التي تحتاج إلى قراءة عميقة وهنا يكمن الخطر.

وإذ لا يبدو فهمنا اليوم محيطا بظاهرة فيسبوك –وهو بالفعل كذلك– فإن المؤشرات السلبية التي تبرز على سطحه من حيث عدم الالتزام بشروط الحرية وسلامة الأمن المجتمعي؛ قد تتحول في المستقبل إلى مؤشرات خطيرة ومدمرة لأمن وسلامة المجتمعات!

أعمدة
No Image
مكيافيللي.. الأمير.. المكيافيللية؟
ظلت هذه الكلمات تتردد على مسامعنا في الوثائقيات مذ كنا أطفالا، ثم رافقتنا في قراءتنا للأدب والسياسة وشتى أفرع علوم الاجتماع والإنسان. والكتاب الذي بين أيدينا اليوم هو كتاب الأمير للسياسي الإيطالي نيكولو ماكيافيللي -حسب نطقه بالإيطالية- بترجمة محمد لطفي جمعة مرفقا بتقديم ودراسة للدكتور ياسر عبدالحسين والذي طبعته دار...