facebook twitter instagram youtube whatsapp


فريد زكريا
فريد زكريا

عقوبات بايدن ضد روسيا سَيفٌ ذو حَدَّين

14 مايو 2022

ترجمة قاسم مكي -

تستحق إدارة بايدن تقديرا عظيما على العقوبات القاسية التي تمكنت من فرضها على روسيا ردا على غزوها لأوكرانيا. فالعقوبات كما أشار جاري كلايد هوفباور وميجان هوجان في مقال لهما في مارس «هي الأكثر شمولا ضد قوة كبرى منذ الحرب العالمية الثانية». ويمنحها الكاتبان في مقياس يتدرج من واحد إلى عشرة الدرجةَ الثامنة على الأقل. (نُشِر المقال المذكور على موقع معهد بيترسون للاقتصاد الدولي تحت عنوان «ما مدى فعالية العقوبات ضد روسيا» بتاريخ 16 مارس- المترجم).

لكن الطبيعة غير المسبوقة لهذه الإجراءات تثير مخاوف حول العالم بتسليح الولايات المتحدة قوَّتَها المالية (تحويلها إلى سلاح). ويمكن أن يقود ذلك بمرور الوقت إلى تدهور هيمنة الدولار التي تمنحها نفوذها المالي الفائق في المقام الأول.

ظللت أسمع بهذه المخاوف مباشرة من ثلاثة مصادر أثِق بها. أول هذه المصادر أخبرني مؤخرا في نيودلهي عن حوارٍ دار على أعلى المستويات في حكومة الهند. كان موضوع الحوار: كيف نضمن أن الولايات المتحدة لن تفعل أبدا للهند ما فعلته لروسيا؟

المصدر الثاني من بروكسل حيث كُلِّف موظفو المفوضية الأوروبية (حتى وهم يعملون مع واشنطن على إنفاذ العقوبات) بإيجاد سبل لتقليصِ دور الدولار في واردات بلدانها من الطاقة.

المصدر الثالث مراقبٌ آسيوي لشؤون الصين تكهن بأن الإغلاقات البالغة القسوة في شنجهاي (شملت تقنين توزيع الغذاء والسلع الأساسية) قد تكون جزءا من مسعى بواسطة بكين لتجربة سيناريو تواجه فيه عقوباتٍ اقتصادية من واشنطن (ربما بعد غزوٍ صيني لتايوان).

يحتدم الجدل في أرجاء العالم حول ما إذا بدأت الهيمنة الشاملة للدولار على النظام المالي العالمي في الاضمحلال. حتى بنك جولدمان ساكس وصندوق النقد الدولي حذَرا من أن ذلك قد يحدث حقا.

أنا، شخصيا، أمِيل إلى وجهة النظر المعاكسة وفحواها على وجه التحديد أنك يمكنك أن تهزم الدولار إذا كان لديك بديل فعال. واقع الحال، هذا البديل لا يزال غير موجودٍ حتى الآن.

لكن من الواضح أن بلدانا عديدة من بينها قوى معادية مثل الصين وروسيا ودول صديقة كالهند والصين تسعى بشدة لتقليل إمكانية تعرضها إلى نزوات واشنطن. لم تحقق أيٌّ من هذه الجهود الكثير من النجاح حتى الآن. لكن ما يجدر ذكره أن حصة الدولار من الاحتياطيات العالمية للنقد الأجنبي تدهورت من 72% إلى 59% خلال العقدين الماضيين. يعود هذا في جزء منه إلى أن الولايات المتحدة أقل ثباتا في استخدام امتيازها غير العادي (المتمثل في سطوة الدولار داخل النظام المالي العالمي- المترجم) وصعوبة التنبؤ بهذا الاستخدام.

في العقدين السابقين للغزو الروسي ارتفع معدل استخدام واشنطن للعقوبات بأكثر من 900% لأسباب مختلفة. وكان العديد من هذه الإجراءات العقابية إفراطا في ردِّ الفعل ويلزم التراجع عنها.

بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر طبّقت واشنطن عقوبات مزعجة جدا كان القصد منها تعقب الأموال التي تذهب إلى الإرهابيين. وعاقبت بشدة البنوك التي لم تلتزم بكل العقوبات المالية الأمريكية. لقد فرضت عقوبات على إيران وفنزويلا وكوريا الشمالية وكوبا وبلدان أخرى. وكثيرا ما كان ذلك ببساطة إرضاء لنقَّاد محليين أرادوا أن «يفعلوا شيئا» دون أن يدفعوا الكثير مقابل ذلك.

أخفق هذا النوع من الحرب الاقتصادية في تغيير الأنظمة بهذه البلدان. غير أنه تسبب في شقاء واسع النطاق للناس العاديين. لكن العقوبات ضد روسيا استهدفت تغييرَ السياسة المتَّبعة وليس النظام. لذلك من الممكن أن تكون أكثر فاعلية.

ارتفعت وتيرة العقوبات الاقتصادية بحِدَّة إبَّان إدارة ترامب التي انسحبت من جانب واحد من الاتفاق النووي الإيراني ثم هددت بفرض عقوبات على أية شركة تتعامل تجاريا مع إيران على الرغم من التزام طهران بذلك الاتفاق الذي أبرِم في إطار أممي.

ثم هنالك الغرامات التي قررتها محليا الجهات التنظيمية والقضائية مثل معاقبة البنك الفرنسي بي إن بي باريبا بدفع غرامة بلغت 9 بلايين دولار تقريبا في عام 2014. تنجح هذه العقوبات فقط بسبب قوة الدولار.

أنا أؤيد العقوبات ضد روسيا لكن على الرئيس بايدن تقديم خطاب لشرحها. يلزمه توضيح أن الغزو الروسي لأوكرانيا يشكّل الاعتداء الأكثر خطورة على النظام العالمي المرتكز على قواعد لعقودٍ خلَت. وإذا نجحت (روسيا في عدوانها) قد يتداعَى هذا النظام. ذلك هو السبب في أن واشنطن تعمل مع حلفائها لفرض هذه العقوبات غير العادية.

على الرئيس بايدن أن يشرح بالتفصيل الأساس القانوني للإجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة وحلفاؤها. فكيف يمكن بالضبط للحكومات الاستيلاء على ممتلكات خاصة لمالكها الحق القانوني في امتلاكها حتى إذا كان أوليغارشيا (ثريَّا) روسيّا؟ كيف يضمن الناس عدم إساءة استخدام هذه السلطات؟ على بايدن تأكيد أن الولايات المتحدة ستتخذ مثل هذه الإجراءات في المستقبل فقط عندما تكون هنالك انتهاكات سافرة للقانون الدولي بحجم ما فعلته روسيا.

يحافظ الدولار على دوره الحيوي في النظام العالمي لأن الولايات المتحدة لديها أكبر اقتصاد في العالم. كما تملك أيضا أسواق الدَّين الأكثر سيولة. وعملتها تتقلب دون قيود (مُعوَّمَة). وهي تعتبر، وهذا مهم جدا، بلدا يرتكز على حكم القانون ولا تتخذ إجراءاتٍ اعتباطية وأحادية. لكن هذا المقياس الأخير لم تستوفه الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة.

على بايدن وهو يخوض هذه المعركة ضد روسيا أن يتحقق من عدم تجريف القوة المالية العظمى والفريدة للولايات المتحدة.

فريد زكريا مفكر سياسي أمريكي يكتب عن الشؤون الخارجية في جريدة واشنطن بوست

أعمدة
No Image
غريب لا تعرفه ولن تلتقيه يومًا
شبّه محمد نظام حياته بصعود سُلَّم، يقف فيه طويلا في درجة واحدة في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى يقفز على درجات عديدة مرة واحدة، دون أن يعرف إن كان هذا القفز صعودا أم نزولا، وفي أيهما يكمن الرحيل. كان هذا الفنان التشكيلي العُماني العاشق للفنّ، المهجوس بتفكيك الأشياء إلى عناصرها...