facebook twitter instagram youtube whatsapp


توماس فريدمان
توماس فريدمان

زيارة بيلوسي الطائشة تماما إلى تايوان

03 أغسطس 2022

ترجمة: أحمد شافعي

أكن الكثير من الاحترام لرئيسة مجلس النواب الأمريكية نانسي بيلوسي، لكن زيارتها لتايوان هذا الأسبوع، معارضة رغبة الرئيس بايدن، سيكون عملا تام التهور والخطورة منعدم المسؤولية.

لن ينجم عن هذه الزيارة أي خير. فلن تكون تايوان أكثر أمنا أو ازدهارا نتيجة لهذه الزيارة الرمزية المحضة، التي قد ينجم عنها الكثير من الشرور. منها أن الرد العسكري الصيني قد يفضي إلى الزج بالولايات المتحدة في صراعين غير مباشرين مع روسيا النووية والصين النووية في الوقت نفسه.

ولو أنكم تحسبون أن حلفاءنا الأوربيين ـ الذين يواجهون حرب وجود مع روسيا بشأن أوكرانيا ـ سوف ينضمون إلينا في حال نشوب صراع مع الصين بشأن تايوان بسبب هذه الزيارة التي لا داعي لها، ستكون هذه قراءة خاطئة مزرية للعالم.

لنبدأ بالصراع غير المباشر مع روسيا، وكيف تخيم زيارة بيلوسي لتايوان حاليا عليه.

ثمة لحظات في العلاقات الدولية يكون المرء فيها بحاجة إلى تثبيت عينيه على المغنم. والمغنم اليوم واضح وضوح الشمس: لا بد أن نضمن أن تكون أوكرانيا قادرة في الحد الأدنى على تخفيف غزو فلاديمير بوتين المجاني، وفي الحد الأقصى على صد هذا الغزو الذي يمثل في حال نجاحه تهديدا مباشرا لاستقرار الاتحاد الأوربي بأكمله.

وللمساعدة في خلق أكبر احتمالية لصد أوكرانيا غزو بوتين، عقد بايدن ومستشاره لشؤون الأمن الوطني جيك سوليفان سلسلة اجتماعات شديدة الصعوبة مع القيادة الصينية، مناشدا فيها بكين ألا تدخل الصراع الأوكراني من خلال إمداد روسيا بالمساعدات العسكرية، وبخاصة الآن وقد تقلصت الترسانة العسكرية لبوتين بعد خمسة أشهر من حرب طاحنة.

لقد قال بايدن شخصيا لشي جينبنج ـ بحسب مسؤول أمريكي رفيع ـ إن بكين سوف تخاطر في حال دخول الصين الحرب في جانب روسيا بفقد القدرة على الوصول إلى أهم سوقين لصادراتها وهما الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي. (والصين من أفضل بلدان العالم في تصنيع الطائرات المسيرة، وهي أكثر ما تحتاج إليه قوات بوتين في الوقت الراهن).

ووفقا لكل المؤشرات، حسبما قال لي مسؤولون أمريكيون، استجابت الصين ولم تقدم عونا عسكريا لبوتين، في الوقت الذي تمد فيه الولايات المتحدة والناتو أوكرانيا بالدعم الاستخباراتي وبعدد كبير من الأسلحة المتطورة التي ألحقت ضررا جسيما بجيش روسيا، وهي حليف الصين الواضح.

في ضوء ذلك كله، بأي منطق على وجه الأرض تختار رئيسة مجلس النواب أن تزور تايوان عامدة إلى استفزاز الصين الآن لتكون زيارة من أرفع مسؤول أمريكي إلى تايوان منذ زيارة نيوت جينجرتش في عام 1997، حينما كانت الصين أضعف كثيرا من الناحيتين الاقتصادية والعسكرية؟

والتوقيت نفسه سيئ لا يمكن أن يوجد ما هو أسوأ منه. فيا عزيزي القارئ: حرب أوكرانيا لم تنته. ولا أكتمك سرا حين أقول إن المسؤولين الأمريكيين قلقون من القيادة الأوكرانية بأكثر مما يظهر منهم. فالثقة غائبة غيابا عميقا بين البيت الأبيض والرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي، بقدر يفوق كثيرا مما يجري إعلانه.

وثمة أمور طريفة تجري في كييف. ففي 17 يوليو، أقال زيلينسكي النائب العام وقائد هيئة المخابرات الداخلية ـ في أكبر هزة لحكومته منذ الغزو الروسي في فبراير. هي هزة تماثل أن يقيل بايدن ميريك جارلاند وبيل بيرنز في يوم واحد. ولكنني لم أر إلى الآن من التقارير الإخبارية ما يقدم تفسيرا مقنعا لما وراء تلك الأمور جميعا. وكأننا لا نريد أن نمعن النظر إلى ما وراء الستار في كييف خشية احتمال أن تقع أعيننا على فساد أو شذوذ، بعد كل ما استثمرناه هناك (وسأكتب المزيد عن أخطار ذلك في يوم آخر).

في الوقت نفسه، لم يزل مسؤولون أمريكيون كبارا يعتقدون أن بوتين مستعد كثيرا للنظر في استعمال سلاح نووي صغير ضد أوكرانيا في حال رؤيته أن جيشه يواجه هزيمة محققة.

باختصار، هذه الحرب الأوكرانية غير منتهية فعلا، وغير مستقرة فعلا، وغير خالية فعلا من المفاجآت الخطيرة التي قد تظهر فجأة في أي يوم. ومع ذلك، وفي غمار ذلك كله، نخاطر بصراع مع الصين على تايوان، بسبب زيارة عشوائية تافهة من رئيسة مجلس النواب؟

ومن ألف باء الجغرافيا السياسية ألا تسعى إلى حرب على جبهتين مع القوتين العظميين الأخريين في وقت واحد.

والآن، لننظر إلى احتمال نشوب صراع غير مباشر مع الصين، وكيف يمكن أن تتسبب فيه زيارة بيلوسي.

وفقا لتقارير إخبارية صينية، قال شي لبايدن في مكالمة هاتفية الأسبوع الماضي، ملمحا إلى التدخل الأمريكي في الشؤون التايوانية، من قبيل زيارة بيلوسي، إن "كل من يلعب بالنار سوف يحترق بها".

أوضح فريق بايدن للأمن الوطني لبيلوسي ـ النصيرة القديمة لحقوق الإنسان في الصين ـ لماذا لا ينبغي أن تذهب الآن إلى تايوان. لكن الرئيس لم يتصل بها مباشرة ليطلب منها عدم الذهاب، وذلك في ما يبدو خشية أن يقال إنه لين تجاه الصين، فيفسح مجالا للجمهوريين كي يهاجموه قبل انتخابات التجديد النصفي.

وليس أدل على خللنا السياسي من أن يعجز رئيس ديمقراطي عن ردع رئيسة مجلس نواب ديمقراطي عن التورط في مناورة دبلوماسية يراها فريق أمنه الوطني كله ـ بدءا بمدير المخابرات المركزي إلى رئيس قيادة الأركان المشتركة ـ زيارة تفتقر إلى الحكمة.

من المؤكد أن ثمة حجة ترى أن بايدن يجب أن يتحدى شي، ويدعم بيلوسي حتى النهاية، ويقول لشي إنه في حال تهديده لتايوان بأي شكل من الأشكال فإن الصين هي التي "سوف تحترق".

وقد ينجح هذا. بل أنه قد يمنح شعورا طيبا ليوم. وقد يفضي أيضا إلى الحرب العالمية الثالثة.

في رأيي، كان يجدر بتايوان أن تطلب من بيلوسي عدم المجيء في هذا الوقت. وإنني أكن إعجابا كبيرا لتايوان وما حققته من اقتصاد وديمقراطية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد زرت تايوان مرات عديدة على مدار السنوات الثلاثين الماضية وشهدت بنفسي إلى أي مدى تغيرت تايوان في تلك الفترة، ولقد كان التغير كبيرا.

ولكن أمرا واحدا لم يتغير في تايوان مطلقا: الجغرافيا.

لم تزل تايوان جزيرة صغيرة، سكانها الآن ثلاثة وعشرون مليون نسمة، وتقع على بعد قرابة مائة ميل من ساحل الصين العملاقة، ذات المليار والأربعمائة مليون نسمة، والزاعمة بأن تايوان جزء من الوطن الصيني. والبلاد التي تنسى مواقعها الجغرافية تقع في مآزق.

ويخطئ من يرى هذا دعوة مني إلى المهادنة. فأنا أعتقد أنه من مصالح الولايات المتحدة الحيوية أن تدافع عن تايوان الديمقراطية في حال تعرضها لغزو صيني مجاني.

لكن لو أن صراعا سينشب بيننا وبين بكين، فليكن على الأقل في الوقت المناسب لنا، وليدر حول ما يعنينا. وما يعنينا هو السلوك الصيني متزايد العدوانية في نطاق واسع من الجبهات ـ بدءا بالتدخلات السيبرانية وحتى سرقة الملكية الفكرية والمناورات العسكرية في بحر الصين الجنوبي.

والآن، ليس هذا بالوقت المناسب لاستفزاز الصين، وبخاصة أنه وقت حساس في السياسة الصينية. فشي على وشك أن يمدد لأجل غير مسمى دوره قائدا للصين في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي المتوقع في خريف هذا العام. وقد أوضح الحزب الشيوعي الصيني دائما أن إعادة توحيد تايوان بالصين هي "مهمته التاريخية"، كما أكد شي، منذ توليه الحكم سنة 2012، التزامه بتلك المهمة من خلال مناورات عسكرية عدوانية حول تايوان.

وبهذه الزيارة، سوف تمنح بيلوسي الفرصة لشي كي يصرف الأنظار عن إخفاقاته التي تتمثل في استراتيجيته الفاشلة لمحاولة إيقاف انتشار كوفيد-19 باللجوء إلى إغلاق مدن الصين الكبرى، والفقاعة العقارية الهائلة التي تنفقئ حاليا وتهدد بأزمة مصرفية وجبل الدين الحكومي الهائل الناجم عن دعم شي المطلق للصناعات المملوكة للدولة.

إنني أستبعد كثيرا أن تكون القيادة التايوانية الراهنة في أعماق قلبها راغبة في زيارة بيلوسي الآن. وكل متابع للسلوك الحذر الذي تتبعه الرئيسة التايوانية تساي إنجوين ـ المنتمية إلى الحزب التقدمي الديمقراطي المناصر للاستقلال ـ منذ انتخابها في عام 2016، لا بد أن تسره جهودها المستمرة للدفاع عن استقلال تايوان مع عدم إعطاء الصين ذريعة يسيرة للقيام بعمل عسكري ضد تايوان.

ومن أسف أنني أخشى أن الإجماع المتنامي في الصين تحت قيادة شي هو أنه لا حل لمسألة تايوان إلا الحل العسكري، لكن الصين تريده وفقا لجدول مواعيدها هي. ويجب أن يكون هدفنا هو ردع الصين عن أي محاولة عسكرية إلا وفق جدول مواعيدنا نحن، أي إلى الأبد.

لكن الطريقة المثلى لتحقيق ذلك هي تسليح تايوان بحيث تصل إلى ما يسميه المحللون العسكريون بوضع "الشيهم" أي البلد المزود بالكثير جدا من الأشواك الصاروخية، بحيث لا ترغب الصين مطلقا في وضع يدها عليه، على ألا يقول هذا البلد أو يفعل ما من شأنه أن يستفز الصين فترى أنه لا بديل عن وضع يدها عليه الآن. والسير في أي طريق آخر غير النهج المتوازن سيكون خطأ رهيبا، له عواقب هائلة لا يمكن التنبؤ بها.

توماس فريدمان كاتب عمود في الشؤون الخارجية بجريدة نيويورك تايمز ومؤلف كتاب «من بيروت إلى القدس».

أعمدة
No Image
اقتصاد العربة
hamdahus@yahoo.com قررت أن آخذ جهاز الحاسوب المحمول وكتابا مستغلة موعد عمل كنت قد حددته في أحد مقاهي مدينة مسقط الجميلة، اخترت لي مقهى جميلا هادئا يديره شباب عمانيون، يمنحني التعامل مع الشباب العماني طاقة وبهجة، وأشعر بأريحية أكثر لتلك الطاقة التي تبعث في المكان، أحب أن أتلقى التحية العمانية...