facebook twitter instagram youtube whatsapp
بدر الهنائي
بدر الهنائي
أفكار وآراء

دمقرطة تقنيات التواصل وانعكاساتها على قطاع الإعلان في السلطنة

04 مايو 2021

يطول الحديث وتتفرع النقاشات حول مظاهر تأثير انتشار تقنيات التواصل والدور الذي تؤديه في تغيير أساليب العيش وديناميكية الاقتصاد والأعمال بل وحتى اعتبارات السياسة داخل الدول أو بينها حول العالم. غير أنه قد يكون من المفيد التعمق في نطاقات دقيقة لمعرفة أوجه تأثير تلك التقنيات على قطاعات أو صناعات محددة - مثل قطاع الإعلان - وضمن حيز جغرافي واجتماعي واحد وهو سلطنة عمان. وقبل الولوج في ذلك يمكننا إلقاء نظرة على التطور المتسارع في انتشار تقنيات التواصل - أو ما يمكن تسميته دمقرطة democratization - حيث ساهمت في ذلك عوامل رئيسية مثل اتساع رقعة تغطية شبكات الإنترنت الثابت والمتنقل، وتطور تقنيات الاتصال وصولا إلى الألياف البصرية والجيلين الرابع والخامس والتي تقدم سرعات اتصال عالية، بالإضافة إلى العوامل التجارية مثل انخفاض أسعار الهواتف الذكية وتنوعها وتوفرها بخيارات شراء متعددة، وكذلك تراجع أسعار خدمات الاتصالات بشكل ملحوظ، وأخيرا اكتساب تطبيقات التواصل حصصا سوقية أكبر إلى جانب ظهور تطبيقات جديدة سريعة الانتشار والتأثير.

إن المستوى العالي لانتشار تقنيات التواصل يعني شيئين في سياق حديثنا عن قطاع الإعلان، أولهما أن هنالك المزيد من المحتوى الذي يمكن تقديمه (وهو المرسل في علم الاتصال والعرض في علم الاقتصاد)، يقابل ذلك رغبة متزايدة على استهلاك ذلك المحتوى (وهو المستقبل في علم الاتصال والطلب في علم الاقتصاد). وإذا أردنا استكمال بقية عناصر علم الاتصال في السياق ذاته فإن من المهم الالتفات إلى حقيقة أن هنالك تنوعا غير مسبوق في القنوات (أو الوسائط الإعلانية) بالرغم من أنها تقع ضمن تصنيف واحد كشبكات للتواصل، وهو ما حدا بوكالات شراء الوسائط الإعلانية الرقمية إلى ابتكار منهج الإعلان البرمجي Programmatic Advertising والذي تقوم فيه الخوارزميات المعدة مسبقا بعملية الشراء بطريقة موحدة وتلقائية عبر مختلف شبكات التواصل وفقا لمعايير السعر والتوقيت والمنصة وخصائص الجمهور المستهدف. وفي الوقت الذي قد يبدو أن ذلك التنوع قد ساهم في تعقيد عملية الإعلان، إلا أنه يمكننا القول بأنه ساهم في المقابل في دقة تشريح الجمهور المستهدف أولا واستهدافه ثانيا وقياس مدى فاعلية الإعلان كنتيجة نهائية. أما فيما يتعلق بالرسالة وهي العنصر الرابع في عملية الاتصال فإن أبرز التطورات التي شهدتها في ظل انتشار تقنيات التواصل هي أنها أصبحت ذات طبيعة حوارية Conversational وتدعو بشكل عام إلى التفاعل أو على الأقل لاتخاذ فعل مثل النقر أو الشراء أو المشاركة أو الاشتراك.

وبالعودة إلى الحيز الجغرافي والاجتماعي فإنه يمكن القول بأن قطاع الإعلان في السلطنة لم يكن بمنأى عن تلك الزعزعة Disruption التي شهدها القطاع حول العالم، بل أن هنالك خليطا من العوامل التقنية والمجتمعية والثقافية والتجارية ساهم في تسريع ذلك التغيير وتجسيد خمسة مظاهر له خلال الأعوام الخمسة الماضية. أول تلك المظاهر كان ثورة الشركات المحلية الصاعدة في وجه الشركات (أو الشبكات) العالمية التي انحسر دورها بشكل ملحوظ مؤخرا، حيث كرست الشركات المحلية نفسها عبر شبكات التواصل لتعكس قيم المرونة والإبداع والعمق المعرفي بالثقافة المحلية واجتهدت في صناعة المحتوى الإعلاني الذي يلامس ذائقة الجمهور ويحفز التفاعل وفي أحيان كثيرة يكون ذا كلفة أقل مما تحويه بطاقات التسعير الخاصة بالشركات العالمية. كما بدأت مؤخرا ممارسة جديدة تتمثل في تكامل الشركات العالمية مع شركات محلية يكون دور الأخيرة في ذلك التكامل إضفاء الفهم المحلي والمرونة الكبيرة في إنتاج الأفكار الإبداعية بالإضافة إلى المعرفة الكبيرة بأنسب الوسائط الإعلانية والفاعلين في سوق المحلي.

أما المظهر الثاني فكان امتداد دور صانعي المحتوى عبر شبكات التواصل ليتداخل مع الأدوار التي يمكن أن تؤديها وكالات إعلانية متكاملة، وذلك يحمل بحد ذاته دلالات مختلفة أبرزها أن الشركات المعلنة قد لا تمتلك بالضرورة المعرفة أو القدرة أو حتى الهمة في تنفيذ أنشطة إعلانية بمستوى جيد فتلجأ بسبب ذلك إلى حل سهل وهو التعاقد مع صانعي المحتوى، وقد تبرر الشركات المعلنة ذلك بأنه بما أن صانعي المحتوى قد أثبتوا قدرتهم على إيصال رسائلهم والتأثير في الجمهور عبر المحتوى الذي يقدمونه، فإنه يمكن اعتبار ذلك ضمانا لإيصال رسائل الشركات المعلنة والتأثير في الجمهور. في المقابل قد ينظر المتخصصون في قطاع الإعلان إلى صانعي المحتوى بأنهم دخلاء على هذه الصناعة وربما ينتج عن ذلك تأثيرات جانبية سواء في الجوانب العلمية أو المهنية أو التجارية. وقد تتماهى هذه الممارسة مع مفهوم التسويق عبر الفاعلين Influencer Marketing حيث إنه ومع تشابه شكل المحصلة النهائية للطريقتين، إلا أن الأخيرة تتبع المنهج العلمي وتكون مبنية على أسس من البحث والتخطيط انتهاء إلى النتائج المستهدفة من تلك الممارسة.

ويلامس المظهر الثالث البعد الثقافي للمجتمع، حيث إنه وبسبب انتشار تقنيات التواصل ظهرت مفردات وعبارات يتداولها المستخدمون للتعبير عن مفاهيم مختلفة، ولم يقتصر ظهور تلك المفردات والعبارات على محادثات المستخدمين، بل امتد حضورها ليصل إلى اللغة المستخدمة في الإعلان - أو ما يسمى تحرير الإعلانات Copywriting - وهو موضوع يحتمل وجهات نظر متباينة بحيث يمكن اعتباره مواكبة لأحدث توجهات التواصل أو اكتساب الشركات المعلنة لخصائص شخصية تقربها أكثر من جمهورها المستهدف، بينما قد ينظر إلى الموضوع برمته على أن من شأنه الإسهام في تدني مستوى اللغة أو توظيف الحس الإبداعي فيها من جهة، أو أنه لا يتناسب بالضرورة مع الهوية المؤسسية للشركة المعلنة. ويمكن استحضار أسهل مثال على ذلك والذي يقوم فيه أحد البنوك العاملة في الصيرفة الإسلامية باستخدام إحدى المفردات الشائعة في شبكات التواصل وهو ما لا يتناسب مع الصورة الذهنية لمثل هذه المؤسسات عموما.

أما المظهر الرابع لذلك التغيير فهو تحول الحملات الإعلانية لمبدأ الرقمي أولا Digital First، وحتى لو لم تكن الحملات محصورة على المنصات الرقمية، حيث يلاحظ في العديد من الحملات الإعلانية - وخصوصا في أحد أنشط مواسم الإعلان وهو شهر رمضان المبارك - أنها تحمل عناوين على هيئة وسوم، ويكثر استخدام الوسائط الرقمية فيها ويتكامل الرقمي مع غير الرقمي بالإضافة إلى توظيف المحتوى التفاعلي من أجل الإسهام في تعزيز الانتشار وإيصال الرسالة وتحقيق بعض الإحصائيات الإيجابية حول الحملة.

وأخيرا قد يكون المظهر الخامس من البديهيات في ظل انتشار تقنيات التواصل، وهو أن الجميع يعلن والجميع يقوم بصناعة الإعلان. بمعنى أنه أصبح بإمكان أي نشاط تجاري أن يعلن عن خدماته أو منتجاته نظرا لسهولة الوصول إلى الوسائط الإعلانية حتى من خلال الهاتف الذكي، كما أن خيارات الأسعار والقدرة على الاستهداف الدقيق والنتائج القابلة للقياس تجعل من الإعلان ممارسة مفضلة. وفي المقابل فإن توفر تطبيقات ومنصات صناعة المحتوى والنشر والترويج مكنت الجميع من صناعة الإعلان سواء على مستوى الشركات المعلنة أو على مستوى الأفراد إما لغرض توفير النفقات بالنسبة للشركات أو القيام بأعمال حرة Freelancing بالنسبة للأفراد.

وسواء أكان أثر دمقرطة تقنيات التواصل على الإعلان في أنها عززته أم زعزعته، فإن ذلك التغيير بات واقعا ملموسا اليوم. غير أن ما يمكن أن تساهم به الجهات المعنية في سبيل الارتقاء بهذا القطاع وضمان تغيره للأفضل هو ممارسة الدور التنظيمي بما يسهم في تحقيق بعض الأولويات الوطنية مثل توطين الوظائف وتمكين قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والحفاظ على الهوية الوطنية والثقافية وتحسين بيئة ممارسة الأعمال.

* مهتم بالاتصالات الاستراتيجية والهوية المؤسسية

أعمدة
WhatsApp Image 2021-04-15 at 12.11.00 PM
كرسي للأفلاج في جامعة نزوى: التعريفات
محمود الرحبي -تفاعل بالفرح والتساؤل كل من وصل إلى مسامعه خبر تأسيس أول كرسي لدراسة الأفلاج في العالم خصت به جامعة نزوى، وأول كرسي في جامعة خاصة في عمان، كرسي بحثي يختص بدراسات « عالم المياه الأثري» وقد تم اختيار الباحث العماني الدكتور عبدالله الغافري، المحاضر في نفس الجامعة- والذي...