facebook twitter instagram youtube whatsapp


د عبدالله باحجاج
د عبدالله باحجاج

جديد النسخة الثانية لمهرجان الربع الخالي

25 يناير 2023

كلما نبحث بعمق في السياحة الصحراوية في سلطنة عمان عامة، وفي محافظة ظفار خاصة، نرى نتيجة واحدة فقط، وهي أنها تشكل أحد المكونات الأساسية لمستقبل البلاد، ولماذا هنا التخصيص الجغرافي؟ للحدث السنوي الثاني لمهرجان الربع الخالي الذي انطلق أمس بمنطقة الخذف بولاية ثمريت بمحافظة ظفار، ويستمر حتى 3 فبراير المقبل، وكفى بهذا النوع من السياحة مستقبلًا جاذبًا إذا ما سارعنا في تحويل مقوماتها ومميزاتها إلى صناعة سياحية مستدامة على مدار العام، وفي فصل الشتاء تكون ذروة جاذبيتها الداخلية والعالمية، كونه -أي فصل الشتاء- يتزامن مع إجازة المدارس، ومع حركة السياحة الدولية التي يكون لسلطنة عمان منها نصيب متعاظم، وقد تكون المسارعة هنا في إحداث التحول السياحي، هي قضيتنا الكبرى لدواعٍ تشكل شغلنا الشاغل، وهي اجتماعية خالصة، فإحداث التطورات الاقتصادية/ السياحية ذات الأبعاد الاجتماعية ينبغي أن تتزامن مع التحولات المالية الكبرى في البلاد لصناعة التوازن أو على الأقل التخفيف من التداعيات المالية. وينبغي التفكير السياسي في هذه التزامنية، ونكون لها موجهات متشددة، عوضا أن تطغى التحولات المالية على المرحلة الوطنية، وتتراكم تداعياتها، وتجعل انشغالات المجتمع ذات مقارنة ثنائية بين ماضٍ يسحب منه الحاضر مكتسباته دون النفاذ لدواعي الإصلاحات، وتعطيل المستقبل ينبغي أن يعاد النظر فيه سريعا، وذلك في ضوء الوضع المالي للأفراد والأسر بعد خيار الضرائب والرسوم ورفع الدعم الحكومي عن قطاعات حياتية أساسية والغلاء.. إلخ، من هنا، تأتي السياحة كمصدر دخل لتحسين الدخول الاجتماعية، وشغل الباحث عن عمل بوسيلة عمل ولو مؤقتة، تشغله، وقد يجد فيها ذاتيته المالية.. إلخ. كما أن السياحة في عمومها تشكل أحد مصادر دخل الحكومة المستدامة.

ونجد عنصر الزمن في استكمال أساسيات مهرجان الربع الخالي قضية تطرح نفسها، فبعد عام من نسخته الأولى، لم يسفلت سوى 5 كيلومترات فقط من أصل 25 كيلومترا للطريق الترابي الذي يربط منطقة شصر بمنطقة الخذف مركز المهرجان، وبعد مرور هذا العام، لم يضمن خدمات الاتصال والإنترنت في المنطقة بصورة دائمة، وحتى مؤقتا، لم يتم تأمينه حتى كتابة هذا المقال، وقد كان الطريق والاتصال والإنترنت من المطالب العاجلة التي حثثنا عليها في آخر مقال قبل أربعة أشهر تقريبا، وهي من أساسيات نجاح مهرجان الربع الخالي، وقد كانت من بين معوقات الإقبال السياحي للنسخة الأولى، فماذا وراء هذا التأخير؟ وحسب علمنا أن هناك ثلاث جهات حكومية قد تشاركت في تمويل سفلتته.

وهنا نؤكد مجددا على أهمية إقامة هيئة اقتصادية شبه مستقلة، وتكون تابعة للمحافظ إشرافيا لضمانة نجاحها، هي من بين المقترحات العاجلة التي طالبنا بها في مقال سابق، ودونها، فإن البطء والإنجاز الغارق في البيروقراطية سيشكلان من أسباب عدم استحقاق الإنجازات في أوقاتها المناسبة، وسيكون من المسّلم به، تقسيط الاستحقاق وفق النسخ السنوية، وهذا أسلوب تفكير، وفلسفة عمل لم يعدا صالحين للمرحلة التنافسية الإقليمية والعالمية في كل مناحي الحياة، والسياحة كمصدر دخل للمجتمع والحكومة خاصة، وكوسيلة للتنمية الشاملة عامة، وطبيعة البيئة الصحراوية بكل مقوماتها وكنوزها المادية والمعنوية، في أمّس الحاجة لهذه الهيئة لتخطط وتنظم وتدير القطاعين الزراعي والسياحي، ففي المجال الزراعي قد بيّنا الأهمية الاستراتيجية للنجد في محافظة ظفار ودوره في الأمن الغذائي، أما المجال السياحي فهو مستقبل البلاد، لذلك يحتاجان لهيئة متخصصة وموحدة عوضا عن التعدد المؤسساتي.

وأهمية السرعة الزمنية للسياحة الصحراوية تستعجل إقامة بنية أساسية تربط تفاصيلها في إطار تعدد أمكنتها، وهذا طموح كيف ومتى سنحققه في ظل العجز عن سفلتة «25» كيلومترا، ولم ننجز الآن سوى «5» كيلومترات فقط ؟ فمثلا، لا يمكن الحديث عن سياحة صحراوية متكاملة دون أن ترتبط منطقة المهرجان في الخذف برملة جديلة التي هي أعلى كثيب رملي في العالم، حيث يصل ارتفاعها إلى 455 مترا فوق مستوى سطح البحر التي يقصدها السياح والزائرون من داخل البلاد وخارجها، ولا ترتبط بمنظومة المواقع التاريخية، وبعض العيون الأساسية التي تتواجد في الصحراء.

والزائر لمنطقة شصر بولاية ثمريت لن يجد فندقا واحدا فيها يلجأ إليه بعد متعة نهار طويل في الصحراء بين الشواطئ الذهبية، صحيح هناك مخيمات، لكن، هل تم الآن تطويرها وتجويدها، وحل قضية تطاير الأتربة ؟ لذلك هناك حاجة لتشجيع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على إقامة فنادق من 3 و4 نجوم في الصحراء، وربطها بحركة الفنادق في صلالة لإثراء السياحة الشتوية في محافظة ظفار التي تتزايد في هذا الفصل الذي يتزامن مع مهرجان صحراء الربع الخالي، خاصة بعد التوجيه السامي مؤخرا برفع الإقراض لبنك التنمية من مليون ريال عماني إلى خمسة ملايين ريال عماني، مما قد يعزز الاستثمار في السياحة الصحراوية المستدامة.

ونتفق مع رؤية مروان بن عبدالحكيم الغساني مدير السياحة في محافظة ظفار بالبعد الغائب من الاهتمام بالسياحة الصحراوية، فهو ليس جزئيًا ولا منفصلًا عن غيره من القطاعات، وإنما يدخل في سياق التنمية الشاملة، وما أحوج الصحراء لهذا النوع من التنمية الآن بالذات في مرحلة النهضة المتجددة، فشبه تداخل البيئات الثلاث في ظفار «الساحل، المدينة، الريف النجد/ الصحراء» يفرض على التخطيط التعامل معها بمنظور التنمية الشاملة، ومن ثم صهر كل المفردات من بينها السياحة في منظومة الترابط والتكامل والتزامن، وهذا حتى الآن غائب، بدليل، التفكير في إقامة المهرجان قبل عام في الخذف قبل سفلتة 25 كيلومترا من الطريق الترابي يسهل الوصول لمنطقة المهرجان، وبدليل فكر تقسيط الاستحقاقات وفق تدرج نسخ المهرجان، وبدليل سفلتة «5» كيلومترات من «25» كيلومترا.

من هنا، لا ينبغي أن ينظر للسياحة الصحراوية على أنها ترفيه فحسب، أو أنها قد أصبحت من مصادر دخل الدولة فحسب، أو أنها سياحة موسمية فقط، أو أنها خاصة بالأجانب فقط، وإنما أصبحت أداة للتنمية الشاملة، ونخص بالذكر، الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، مما يجعلها سياحة ينبغي أن تتصدر اهتمامات «المركزية واللامركزية» لذلك، فهي تحتاج إلى استراتيجية وسياسات للتطور المدروس لصناعة التنمية المستدامة في البيئة الصحراوية، من بنية أساسية «منظومة طرق رابطة لأهم مقوماتها السياحية، وكمخيمات متطورة، وفنادق وطرق تربط المقومات السياحية بعضها البعض،.. إلخ» وكذلك تدريب وتأهيل المرشدين من الشباب للإرشاد الصحراوي، وهنا سنجد في مثل هذه التحولات المتكاملة فرص عمل جديدة ومتعددة وكبيرة للشباب، وستحول وجه الصحراء شكلا وجوهرا، وربما الكل يتمنى أن يكون له سكن دائم فيها.

اسألوني عن الحياة في الصحراء، ربما نكون من أكبر المحظوظين الذين يستمتعون بها منذ إحالتنا للتقاعد، وقد اكتشفت فيها سرين، الأول: طعم السكون والهدوء والصمت والإضاءة الصافية للشمس في الصباح، والاستمتاع بالليالي القمرية وغير القمرية، حيث النجوم في ظلمة السماء.. إننا هنا في حضرة استدعاء الحياة في الصحراء تعجز الكلمات عن التعبير.. وسنتركها للتخيل في ضوء ما سبق، والثانية: الطمأنينة النفسية في الصحراء وحتى ونحن نتوغل في قلب الصحراء على رمالها الذهبية.. دون قلق على أمن الصحراء سواء من البشر أم الحيوان أم من التراب.. كل شيء يشعرك بالأمن والأمان حتى في جنح الظلام، لذلك سياحة الصحراء تستحق كل الاهتمام.

أعمدة
No Image
هوامش ومتون :مناظرات آسيوية بلسان عربي
حين تكون اللغة العربية لغة الحوار الذي يجمع شبابا قدموا من آسيا والتقوا في مسقط ليتناقشوا ويتناظروا بشتى الموضوعات السياسية والاقتصادية والفنية والرياضية، وغيرها، فهذا تعزيز للغة الضاد باعتبارها لغة الحوار الحضاري والفكري على مدى عصور.من هنا غمرني شعور بالسعادة والفخر حين جعل منظّمو البطولة الآسيوية للمناظرات اللغة العربية لغة...