facebook twitter instagram youtube whatsapp


محمد جميل احمد
محمد جميل احمد

بين الكلمة والصورة

25 يناير 2023

أصبح عالمنا، بفعل التواصل الذي توفر عليه اليوم، عبر العولمة وثورة الاتصالات والمعلوماتية؛ عالما باديا للعيان، ومكشوفا أمام جميع الناس، كما لم يبد من قبل.

فالتواصل بين البشر، وقدرة الناس البسطاء على رؤية الحقائق وفهمها، من خلال ما يستعرضه عالم اليوم من أوضاع وحقائق بات أبلغ من أي بلاغة للكلام.

فاليوم لا يفيد الادِّعاء ولا تفيد البلاغة النسقية، في الحديث عن الذات الجمعية، مهما كان وصفها الاعتباري، ومهما كان الكلام عنها جميلا ومنمقا؛ نظرا لأن خطاب الصورة من ناحية، ووسائل التواصل الاجتماعي من ناحية ثانية، ربطت عالمنا الحديث وكشفت ما فيه بوضوح لم يسبق إليه.

إن خطاب الصورة وخطاب التواصل الذي فشا بين البشر اليوم لا يعكس فقط مدى التطور الذي بلغه البشر، وإنما يعكس مستوى آخر، ويرسل رسائل عديدة لمجتمعات البشر على نحو بالغ التأثير والوضوح.

ولعله، ليس من الصدف أن يشهد العالم ثورات وانتفاضات منذ مطلع الألفية في أكثر من مكان في العالم، وهذا إن دل فإنه يعكس بوضوح ما يفيد بأن ثورة المعلوماتية والاتصال والعولمة التي تحول إليها العالم ليست ثورة للتواصل فقط، وإنما كذلك للمعرفة التي تتيح لكل فرد من البشر، حتى ولو كان بسيطا، إدراك حقائق معينة ملموسة في واقعه الحقيقي وفي الواقع الذي يرى وقائعه في ذلك العالم عبر الإنترنت.

وعلى ضوء ذلك، يمكننا أيضا القول؛ إن ثورة المعلوماتية والاتصال أنهت عصر الأيديولوجيا؛ لأن ما كشفت عنه من حقائق بدا عبر وسائط الصور المباشرة دالا بذاته على معطيات كثيرة كانت غائبة عن الناس.

وإذا كان الحديث عن الأفكار، كالديمقراطية والتحديث لدى كثيرين بمثابة قيم مجردة، لا يمكن معرفتها إلا عبر قراءة الكتب، أو لمن يتاح له السفر إلى بلاد الغرب من قلة من المحظوظين، فإن عامة الناس كانت ترى في واقعها المباشر ما يقنعها بالانكباب عليه، ومعالجة تحدياته المحلية في مختلف ضروب الحياة.

اليوم، وفقط، بفعل صور وسائط التواصل الاجتماعي، بدا رؤية الكثير من الحقائق عن أحوال العالم في كل مكان من الكرة الأرضية أمرا بالغ السهولة والتيقن من مصداقيته في الوقت ذاته، فلم يكن الأمر كما كانت تعرضه أفلام السينما التي كان يشاهدها الناس، مدركين بأنها تمثيل لا يعكس الواقع الحقيقي، لكن اليوم أصبح أغلب الناس في المنطقة العربية وفي كافة أنحاء العالم موقنين بحقائق كثيرة لم يروها مباشرة، لكن انتقال الصورة المباشرة رسخ لديهم وعيا بمصداقية ما يرون.

وكما كشفت ثورة المعلوماتية والاتصال للناس ما كان بعيدا عنهم من أحوال وحيوات وتجارب وحقائق، كذلك كشفت لهم ما كان قريبا منهم من أحوال حياتهم، فأصبحوا بقدرتهم الذكية قادرين على فرز الطيب من غيره، ميالين إلى أن يكون الحال أكثر مصداقية في التعبير عنهم، وهكذا بدأت تترسخ في وعي العاديين من الناس في أكثر البلدان الفقيرة بآسيا أو إفريقيا، كثير من الحقائق.

لقد أدرك الناس حقائق واقعية فقط بفعل المشاهدة المباشرة؛ كتطور المخترعات والوسائل الميسرة للحياة في البلدان الغربية التي شاهدوها عبر وسائط التواصل الاجتماعي، إلى جانب قدرة كل فرد منهم على نسج صداقات وصلات مباشرة مع كل شخص في العالم بحيث يمكنه التعرف عليه عبر تلك الوسائط.

هكذا سقط الكثير من الأوهام بمجرد تبلور خطاب الصورة الحية والبث المباشر الذي أصبح متاحا لكافة البشر عبر وسائط مجانية في التواصل الاجتماعي مثل الفيسبوك وغيره من منصات التواصل.

ولعل ذلك ما يفسر لنا اليوم؛ سر تدفق اللاجئين من بعض بلدان آسيا وإفريقيا إلى بلدان أوروبا الغربية والولايات المتحدة وكندا، تحدياً، على الرغم من احتمالات خطر الموت المحقق عبر القوارب البائسة التي يعبرون البحر عليها، وبالرغم مما يدركونه من اختلاف اللغة واللون والدين والأرض، لكن قوة المصداقية التي انعكست لهم من أحوال تلك البلاد عبر وسائط التواصل الاجتماعي والإنترنت حيال كثير من الحقائق في تلك المجتمعات الغربية كاحترام القانون، واحترام الحقوق والحريات، وإتاحة الفرص للعمل والتعليم المجاني والمساواة وغير ذلك؛ كله يؤكد لنا اليوم المقولة التي تقول: «الصورة خير من ألف كلمة»، ناهيك عن الصور المباشرة الحية التي تنقلها وسائط التواصل الاجتماعي عن تلك البلدان، فضلاً عن سهولة نسج الصداقات عبر منصات الوسائط العالمية المتاحة للتواصل بين كافة البشر!.

أعمدة
No Image
هوامش ومتون :مناظرات آسيوية بلسان عربي
حين تكون اللغة العربية لغة الحوار الذي يجمع شبابا قدموا من آسيا والتقوا في مسقط ليتناقشوا ويتناظروا بشتى الموضوعات السياسية والاقتصادية والفنية والرياضية، وغيرها، فهذا تعزيز للغة الضاد باعتبارها لغة الحوار الحضاري والفكري على مدى عصور.من هنا غمرني شعور بالسعادة والفخر حين جعل منظّمو البطولة الآسيوية للمناظرات اللغة العربية لغة...