facebook twitter instagram youtube whatsapp


د. سعيد توفيق
د. سعيد توفيق

القدس والهوية في الأغنية العربية

21 يونيو 2022

في السادس من ديسمبر سنة 2017 أصدر ترامب- رئيس الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك- قرارًا إمبرياليًّا يتمثل في الاعتراف بالقدس عاصمةً لدولة إسرائيل التي كانت في البداية مجرد كيان نشأ بقرار إمبريالي آخر في القرن السالف، يُعرَف بوعد بلفور، وهو الوعد الذي وُصِف بأنه «وعد من لا يملك لمن لا يستحق!». كان قرار ترامب بمثابة وعد بلفور جديد أكثر فجاجة وعدوانية؛ لأنه لم ينتصر لمن لا يملك فحسب، بل أراد أن يجرد من يملك من هويته ذاتها. أثار هذا الحدث عندي سؤال الهوية الذي طالما شُغِلت به، وأظن أنه قد أجج أيضًا مشاعر العرب والمسلمين عمومًا في كل مكان، باعتباره تهديدًا للهوية ذاتها.

القدس ليست مجرد موقع جغرافي يقع كنقطة على خريطة «منطقة الشرق الأوسط»، بل تقع في قلب تلك المنطقة التي كانت تُسمى بلاد الشام. غاب اسم «الشام» أو تم تغييبه؛ لأنه يحمل لغة العرب وعبق التاريخ العربي، وليذوب في عنوان عريض جغرافي محايد، لا يحمل أي دلالة تاريخية. ذاك هو مناط الأمر. تظل القدس بقعة مقدسة في نفوس العرب مسلمين ومسيحيين؛ ففي ربوعها تكمن الكنائس القديمة، وهي تحتضن المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين، ومن أجلها دارت معارك طويلة في مواجهة الحملات الصليبية التي كانت تهدف إلى الاستيلاء عليها. ولذلك فإن محاولات إسرائيل في تهويد القدس هي محاولات تهدد الهوية العربية وتُدخِل المنطقة في صراع الهويات الدينية.

هذه المكانة الخاصة للقدس بالنسبة إلى الهوية العربية هي التي جعلت القدس موضوعًا أثيرًا في الأغنية العربية. فالواقع أن الأغنية هي أكثر الفنون تعبيرًا عن الهوية، لأنها تجسد بشكل مكثف الصلة الحميمة الكائنة بين اللغة والهوية، وهي الصلة التي تتبدى بوجه خاص في الأغنية الوطنية. وقد يستدعي مفهوم الوطن في الأذهان ذلك المعنى الواسع له الذي اقترن عندنا بالوطن العربي بوجه عام (ويكفي أن نتذكر هنا أن من بين هذه الأغاني التي ما زالت تحيا في الوجدان، أغنية «وطني الأكبر» أو «وطني حبيبي»، تلك الأغنية التي تتغنى بالوطن العربي نفسه وبحلمه الكبير، والتي لحنها عبد الوهاب، وأنشدها باقة من كبار المطربين العرب).

الروح الحقيقية للوطن التي تتجلى في الأغنية أشبه بمفهوم الروح الكلي بالمعنى الهيجلي: إنه روح يسري في الوجود، قد يتجلى في الفرد أو في الجزئي، ولكنه لا يمكن اختزاله في الفرد كما لو كان مساويًا له. وعلى هذا يمكن القول إن الأغنية الوطنية الحقيقية هي دائمًا الأغنية التي تتغنى بالوطن وليس بالفرد. ومن هنا أيضًا يمكن القول بأن أسوأ الأغاني الوطنية لعبد الحليم حافظ هي التي أنشدها لأجل الزعيم جمال عبد الناصر، وتغنى فيها باسمه وبإنجازاته؛ في حين أن أعظم أغانيه هي تلك التي تغنى فيها من أجل الوطن، خاصة بعد النكسة، كما في أغنية «عدى النهار»، تلك الرائعة التي تظل حاضرة في الوجدان باعتبارها تجسيدًا لحالة الأمل والعزيمة التي تنبثق من انكسار الروح.

على أن ما نسميه «بالأغنية الوطنية» ليس هو الشكل الوحيد للتعبير عما هنالك من صلة وثيقة بين الأغنية والوطن. فكل أغنية حقيقية لا بد أن تجسد شيئًا من روح الوطن الذي يتبدى في اللغة (لغة الأغنية)، وفي موسيقاها، وفي تصويرها لمعاني الأشياء ولكيفية الشعور بها؛ ففي هذه التفاصيل الصغيرة تكمن روح الوطن وتتجلى من خلال الأغنية. ولذلك فإن أغاني فيروز- على سبيل المثال- تشكل شيئًا من عالمنا وإحساسنا بالحياة؛ لأنها تغنت بلغة تستجمع الحس والوجدان العربي وتكثفه في لحظة جمالية. يتبدى هذا في أغانيها العاطفية مثلما يتجلى في أغانيها الوطنية. ومما يُضفي على أغانيها الوطنية قيمة فنية، أنها لم تغن يومًا من أجل شخص أو زعيم أو مناسبة خاصة، بل كانت تغني دائمًا من أجل الوطن والعروبة. يكفي أن نـتأمل أغنيتها الشهيرة «زهرة المدائن» التي تتغنى كلماتها بالقدس باعتبارها تجسيدًا للهوية، وباعتبارها غايةً وآملًا للحلم العربي.

الأغاني الوطنية عن القدس كثيرة، ولكن أغنية فيروز تظل حالة خاصة: الأغنية هنا تختزل الكلام والمسافات؛ لأنها تستخدم اللغة بطريقة شاعرية مكثفة تجسد هويتنا العربية في اللغة ومن خلالها، وتجسد المكانة الروحية للقدس في نفوسنا ودلالتها التاريخية في وجودنا.

في ضوء هذا كله ينبغي أن نتأمل أغنية فيروز، ونفهم السبب في استدعائها في تلك اللحظة الراهنة من وجودنا؛ ونحن نستدعيها لنذكر أنفسنا بأصلنا وهويتنا المنسية التي نتوق إليها منذ زمن طويل.

والحقيقة أن ما ذكرته الآن ربما يثير لدينا التساؤل التالي: إذا كانت الأغنية الوطنية الحقة تعبر عن الهوية وروح الوطن وآماله وأحلامه؛ فهل يظل الحلم العربي قابعًا في الغناء؟ هل لم يبق لنا سوى الأغنية كي نتأسى بها على هويتنا الضائعة أو المنسية؟! ذلك مجرد تساؤل ورد على خاطري. وهو تساؤل يستحق تأملات أخرى عديدة.

د. سعيد توفيق أستاذ علم الجمال والفلسفة المعاصرة بجامعة القاهرة ومؤلف كتاب «ماهية اللغة وفلسفة التأويل»

أعمدة
No Image
مكيافيللي.. الأمير.. المكيافيللية؟
ظلت هذه الكلمات تتردد على مسامعنا في الوثائقيات مذ كنا أطفالا، ثم رافقتنا في قراءتنا للأدب والسياسة وشتى أفرع علوم الاجتماع والإنسان. والكتاب الذي بين أيدينا اليوم هو كتاب الأمير للسياسي الإيطالي نيكولو ماكيافيللي -حسب نطقه بالإيطالية- بترجمة محمد لطفي جمعة مرفقا بتقديم ودراسة للدكتور ياسر عبدالحسين والذي طبعته دار...