facebook twitter instagram youtube whatsapp


بيورن لومبورج
بيورن لومبورج

العالم الثري.. والنفاق المناخي

22 يونيو 2022

ترجمة: أحمد شافعي

كشفت استجابة العالم المتقدم لأزمة الطاقة العالمية عيانا بيانا ما يعتري موقفه تجاه الوقود الحفري من نفاق. فالبلاد الثرية تنصح البلاد النامية باستعمال الطاقة المتجددة. بل لقد مضت مجموعة الدول السبع الشهر الماضي إلى إعلان أنها لن تستمر في تمويل مشاريع تنمية الوقود الحفري بالخارج. في الوقت نفسه، تتوسل أوروبا والولايات المتحدة إلى البلاد العربية لزيادة إنتاجها من النفط. وتعيد ألمانيا فتح محطات الطاقة العاملة لديها بالفحم، وتنفق أسبانيا وإيطاليا بسخاء على إنتاج الغاز في أفريقيا. وطلبت بلاد أوروبية كثيرة من بتسوانا التنقيب عن مزيد من الفحم لدرجة أن البلد سوف يزيد صادراته منه إلى أكثر من الضعف.

لقد أثرى العالم المتقدم من خلال استعماله الكثيف للوقود الحفري الذي لم يزل يوفر الطاقة بأغلبية ساحقة لأغلب اقتصاداته. فطاقة الشمس والرياح لا يمكن الاعتماد عليها، وذلك ببساطة لأن هناك ليلا وغيوما وأياما ساكنة الريح. وتطوير قدرة البطاريات على التخزين لن يساعد كثيرا: ففي العالم اليوم من البطاريات ما يكفي لتعويض متوسط استهلاك الكهرباء لمدة 75 ثانية. وعلى الرغم من الزيادة السريعة في المعروض من البطاريات فإن المتوفر منها في العالم بحلول عام 2030 لن يغطي إلا أقل من إحدى عشرة دقيقة. وفي كل شتاء في ألمانيا، حينما يصل إنتاج الطاقة الشمسية إلى حده الأدنى، تتوافر طاقة رياح قريبة من الصفر لما لا يقل عن خمسة أيام، أي أكثر من سبعة آلاف دقيقة.

وهذا ما يجعل الألواح الشمسية والتوربينات الهوائية عاجزة عن توفير أغلب الطاقة اللازمة لتحويل البلاد الفقيرة إلى الصناعة. لا يمكن أن تتوقف المصانع وتبدأ مع الريح، وإنتاج الصلب والسماد يعتمد على الفحم والغاز، وأغلب طاقة الشمس والرياح لا تستطيع أن توفر الطاقة اللازمة لتشغيل مضخات المياه، والجرارات، والآلات التي ترتقي بالشعوب من الفقر.

لهذا السبب لا يزال الوقود الحفري يوفر أكثر من ثلاثة أرباع الطاقة في البلاد الثرية، بينما توفر الرياح والشمس أقل من ثلاثة في المائة. ومتوسط استعمال شخص في العالم المتقدم للطاقة الناتجة عن الوقود الحفري في اليوم الواحد يزيد عما يستعمله 23 شخصا من الأفارقة الفقراء.

غير أن أثرياء العالم يحاولون خنق التمويل للوقود الحفري الجديد في البلاد النامية. ويقدَّر أن ثلاثة مليارات ونصف المليار من أفقر شعوب العالم يفتقرون إلى مصادر للكهرباء يمكن الاعتماد عليها. وبدلا من إمدادهم بالأدوات التي ساعدت البلاد الثرية على التقدم، تصدر البلاد الثرية تعليماتها في بهجة للبلاد النامية بتجاوز الفحم والغاز والنفط والتوجه مباشرة إلى المملكة السعيدة الخضراء ذات الألواح الشمسية والتوربينات الهوائية.

ولكن هذه الجنة الموعودة أكذوبة قائمة على تفكير تفاؤلي وتسويق أخضر. وانظروا إلى تجربة قرية دهارناي الهندية التي حاولت منظمة جرينبيس -السلام الأخضر- في عام 2014 تحويلها إلى أول مجتمع معتمد على الطاقة الشمسية في الهند.

حظيت جرينبيس باهتمام متوهج من الإعلام العالمي حينما أعلنت أن دهارناي تأبى «الاستسلام لشرك صناعة الوقود الحفري». ولكن في اليوم الذي بدأت فيه الكهرباء الشمسية في القرية، نفدت البطاريات في غضون ساعات. ويتذكر أحد الصبية عجزه عن عمل الواجب المدرسي في الصباح المبكر لعدم توافر طاقة كافية للمصباح الوحيد لدى أسرته.

تمت مطالبة أهل القرية بعدم استعمال الثلاجات أو أجهزة التلفاز لأنها ترهق النظام. وليس بوسعهم استعمال مواقد الغاز بل عليهم الاستمرار في حرق الخشب والروث الذي يتسبب في تلوث للهواء خطير على صحة المرء بقدر تدخين علبتي سجائر يوميا، بحسب منظمة الصحة العالمية. وفي أرجاء العالم النامي، يموت الملايين قبل الأوان كل عام بسبب التلوث داخل البيوت.

في أغسطس 2014، دعي جرينبيس أحد كبار الساسة في الهند ـ وسرعان ما أصبح رئيس وزرائها ـ لإبداء إعجابه بعمل المنظمة. فقوبل بحشد من رافعي اللافتات الهاتفين بأنهم يريدون «كهرباء حقيقية» لتحل محل «الكهرباء المغشوشة».

وحينما ربطت دهارناي أخيرا بشبكة الكهرباء الأساسية، العاملة بطاقة الفحم في المقام الأكبر، سارع أهل القرية إلى التخلص من وصلاتهم الشمسية. وتوصلت دراسة أكاديمية إلى السبب الكبير في ذلك وهو أن كهرباء الشبكة تكلف ثلث تكلفة الطاقة الشمسية. وأهم من ذلك أنها كانت وفيرة في واقع الأمر بما يكفي لتشغيل أجهزة التلفاز والمواقد. واليوم علا الغبار الكثيف نظام الطاقة الشمسية المهجور في دهارناي، وتحول موقع المشروع إلى حظيرة للماشية.

من المؤكد أن للطاقة الشمسية بعض الاستعمالات، من قبيل شحن الهواتف المحمولة أو تشغيل مصباح، ولكنها في الغالب باهظة وتعمل ضمن حدود معينة. وقد توصلت دراسة في أكثر ولايات الهند ازدحاما سكانيا وهي أوتار براديش إلى أنه حتى مع الدعم الكبير، لا يستطيع أن يجعل المصابيح العاملة بالطاقة الشمسية جديرة بتكلفتها بالنسبة لأغلب الناس. وحتى في البلاد الثرية مثل ألمانيا وأسبانيا، ما كان ليتسنى تركيب الطاقة الشمسية لولا الدعم.

لذلك، على الرغم من كل ما يقال في العالم الثري عن النضال المناخي، فإن البلاد المتقدمة لم تزل مستمرة في الاعتماد في الغالب على الوقود الحفري، ولعقود قادمة. وتقدِّر الوكالة الدولية للطاقة أنه حتى في حال تنفيذ جميع السياسات المناخية الحالية، لن توفر الطاقة المتجددة إلا ثلث الطاقة في الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي بحلول عام 2050. وليس العالم النامي بغافل عن هذا النفاق. فلقد وصف نائب الرئيس النيجيري ييمي أوسينباجو الوضع ببلاغة في قوله: «ما من بلد في العالم استطاع أن يقوم بالتحول الصناعي معتمدا على الطاقة المتجددة» ولكن ينتظر من إفريقيا أن تفعل ذلك «في حين أن جميع من عداها في العالم يعرفون أننا بحاجة إلى صناعات تعمل بالغاز من أجل الاقتصاد».

بدلا من أنانية قطع طريق التنمية على البلاد الأخرى، ينبغي على البلاد الثرية أن تفعل ما يليق بها وتستثمر استثمارا ذا معنى في الابتكارات اللازمة لجعل الطاقة الخضراء أكفأ وأرخص من الوقود الحفري. وبذلك يمكنكم حقا أن تحملوا الجميع على التحول إلى بدائل الطاقة المتجددة. أما الإصرار على أن يعيش فقراء العالم دون طاقة وفيرة يعتمد عليها ويمكن تدبرها ففيه إعلاء للتشدق بالفضيلة على حياة الناس.

بيورن لومبورج رئيس مركز «إجماع كوبنهاجن» والزميل الزائر لمعهد هوفر في جامعة ستانفورد، ومؤلف كتاب «إنذار كاذب: كيف يكلفنا ذعر التغير المناخي تريليونات، ويضير الفقراء، ويعجز عن إصلاح الكوكب».

ترجمة خاصة لـ $عن «وول ستريت جورنال»

أعمدة
No Image
مكيافيللي.. الأمير.. المكيافيللية؟
ظلت هذه الكلمات تتردد على مسامعنا في الوثائقيات مذ كنا أطفالا، ثم رافقتنا في قراءتنا للأدب والسياسة وشتى أفرع علوم الاجتماع والإنسان. والكتاب الذي بين أيدينا اليوم هو كتاب الأمير للسياسي الإيطالي نيكولو ماكيافيللي -حسب نطقه بالإيطالية- بترجمة محمد لطفي جمعة مرفقا بتقديم ودراسة للدكتور ياسر عبدالحسين والذي طبعته دار...