facebook twitter instagram youtube whatsapp


عائشة الدرمكي
عائشة الدرمكي

الدراية الإعلامية في حرية الرأي

14 مايو 2022

جاء في مقدمة التقرير العالمي 2021 ـ 2022 (الاتجاهات العالمية في حرية التعبير وتطوير وسائل الإعلام) الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) "أن القدرة على نشر معلومات مضللة على نطاق واسع وتقويض الوقائع المثبتة علميا هي خطر وجودي على البشرية. وفيما ندافع بقوة عن الحق في حرية التعبير في كل مكان، يجب أن نشجِّع المجتمعات أيضا على التوصل إلى رأي مشترك مدعوم بالتجارب بشأن المنفعة العامة للحقائق والعلم والمعرفة".

وإذا كانت وسائل الإعلام الحرة والتعددية والاستقلالية الإعلامية تشكِّل معيارا عالميا مهما وفق ما جاء في المقتضيات الإضافية في (إعلان ويندهوك +30) لعام 2021 بشأن المعلومات بوصفها منفعة عامة، فإن هذه المنفعة لا يمكن أن تتحقق ما لم يكن هناك مصداقية وتحقق لتلك المعلومات؛ حيث يكشف تقرير اليونسكو أن المعايير التي قام عليها هذا الإعلان منذ 1990، تُعدُّ بداية “توسُّع ملحوظ في الحرية والتعددية والاستقلال في الأخبار”، مما فتح آفاق تحرير أسواق وسائل الإعلام بمختلف أنواعها، غير أن هذه المعايير أصبحت تتراجع في ظل التحديات الراهنة التي تمثَّلت في المعلومات المغلوطة وانتشارها عبر وسائل الإنترنت المختلفة ، ووسائل التواصل الاجتماعي بشكل خاص.

ولهذا فإن مفهوم (حرية التعبير عن الرأي) أصبح أمام تحديات كثيرة في ظل الإعلام الإلكتروني الذي يعاني من النشر المظلِّل للأخبار والمعلومات والشائعات” فقد كشفت رسالة اليونسكو الصادرة بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة 2021 تحت عنوان (المعلومات كمنفعة عامة. 30 عاما على إعلان ويندهوك) أن هناك مجموعة من التحديات التي تواجه الإعلام فيما يتعلق بالمصداقية ومفهوم حرية التعبير عن الرأي، “فما زالت شركات الإنترنت، مثل وسائل التواصل الاجتماعي، وشركات المراسلة والبحث تتعرَّض للنقد، إذ تحقق الأرباح من تدفقات المحتوى الذي ينقل أحجام هائلة من المعلومات المضللة والمحتويات الأخرى التي يُحتمل أن تكون ضارة لحقوق الإنسان، بما في ذلك ما يتعلق بالجائحة...”، الأمر الذي دفع اليونسكو إلى إطلاق (الأسبوع العالمي للدراية الإعلامية والمعلوماتية)، الداعي إلى أهمية تعزيز مهارات المواطنين وتطويرها بما يمكِّنهم من (إصدار أحكام وقرارات مستنيرة، والانخراط بشكل حاسم في التنمية المستدامة).

وإذا كانت هذه التقارير الدولية وغيرها الصادرة من قِبل منظمات معنية بالشأن الإعلامي في العالم، وإذا كان مبدأ (التحقق من مصدر المعلومات ومصداقيتها) يتقدَّم على أسبقية النشر الإعلامي وسرعته وفق ما ورد في (الإعلان العالمي لأخلاقيات المهنة للصحفيين) الصادر عن الاتحاد الدولي للصحفيين (الكونجرس)، فإن أهمية التحقق من المعلومات أصبح من التحديات التي تواجه الإعلاميين في الوقت الراهن خاصة في ظل الانفتاح الهائل في وسائل التواصل الاجتماعي، ولبس مفهوم حرية التعبير عن الرأي لدى الكثير من المنتسبين لهذه المواقع، وبالتالي عدم قدرة الكثير منهم على التفريق بينه وبين انتهاك حقوق الآخرين أو حتى الإساءة إلى الأوطان.

ولهذا فإن مؤسسة (مراسلون بلا حدود) في (التصنيف العالمي لحرية الصحافة 2022. الاستقطاب يدخل حقبة جديدة)، تبدأ تصنيفها هذا بالقول أنه "يقيِّم ظروف ممارسة النشاط الإعلامي في 180 بلدا، والآثار الكارثية لفوضى المعلومات في عام 2022 (حيث أصبح الفضاء الرقمي معولما وغير منظم، إلى درجة بات يُشكِّل معها أرضا خصبة لانتشار المعلومات الكاذبة والدعاية). غير أن هذا التصنيف نفسه يفاجئنا بمجموعة من المعلومات المبهمة والتي لا تُعبِّر عن قيم معلوماتية قابلة للقياس. فعلى الرغم من المنهجية التي اعتمدها التقرير في قياس المؤشرات وتحديد التصنيف وهي تلك الاستبانات التي تستند إلى إجابات (مئات الخبراء الذين اختارتهم مراسلون بلا حدود من بين المختصين في مجال حرية الصحافة من صحفيين وأكاديمين وحقوقين) ـ حسب ما ورد في مقدمة التصنيف ـ، إلاَّ أن المطالع لما ورد فيه من تقييم لمؤشرات السياق السياسي، والإطار القانوني، والسياق الاقتصادي، والاجتماعي والثقافي، والسلامة والأمن، سيجد أنه تقييم لا يعتمد على المصداقية والشفافية التي يزعمها في مقدمته بقدر اعتماده على ما أسماه بـ (الاستقطاب المزدوج) بين أنظمة الإعلام المتبعة في البلدان المختلفة.

يتفاجأ قارئ هذا التصنيف الذي يتوقع أن يجد فيه الموضوعية والمصداقية باعتبار صدوره من مؤسسة معنية بحرية الرأي وصون الحقوق، بأنه يصف دول منطقة الشرق الأوسط بأنها (لا تزال ترزح تحت مناخ انعدام حرية الصحافة) ـ كما جاء في مقدمته ـ وهو تعبير لا ينم عن موضوعية وتحرٍ لصدق المعلومات، الأمر الذي كان واضحا في تصنيف الدول العربية التي كانت على رأسها الجمهورية التونسية (94)، وما نجده من تفاوت لافت في ملفات الدول يجعل من ترتيبها وفق ما جاء في التصنيف يحتاج إلى تفسيرات مقنعة؛ حيث لا يتوافق ما ورد في التقرير مع أنظمة الحُكم المختلفة في الدول والمبادئ الدينية والأخلاقية التي تقوم عليها، إضافة إلى عدم توافقه مع قيمها الثقافية والحضارية.

ولأن التقرير قد اعتمد على مؤشرات غير واضحة، وبيانات غير قابلة للقياس كما نقرأ ذلك بوضوح في ملفات الدول التي خضعت للتصنيف فإن تصنيف سلطنة عمان في المرتبة (163) بين دول العالم ليس بالمستغرب، فالمعلومات التي تم ذكرها في التصنيف غير متسقة في غالبها مع واقع حرية الصحافة في عُمان التي نصَّ عليها النظام الأساسي للدولة، حيث نجد أن تلك المعلومات لا تستوعب المنظومة الأخلاقية والثقافية التي يتأسس عليها المجتمع العماني من ناحية بل لا يسعها التفريق بين مفهوم (حرية التعبير عن الرأي) وبين احترام وتقدير العائلة الحاكمة وأنظمة الدولة والإسلام والمنظومة الأخلاقية من ناحية أخرى. الأمر الذي يطرح مجموعة من التساؤلات عن أؤلائك الذين أُسند إليهم استمارات تقييم حرية الصحافة في عُمان والذين يزعم التقرير أنهم من (الصحفيين والأكاديميين والحقوقيين)!

إن تصنيف حرية الصحافة في سلطنة عُمان وفق تلك المعطيات التي حددتها (مراسلون بلا حدود) في سياقاتها الخمسة لا يعكس ما يناله الصحفيون والكُتَّاب مؤسسات وأفراد من حريات وتمكين خاصة في المرحلة الأخيرة من عُمر النهضة، والذي أصبح واضحا لكل من يُطالع الصحف اليومية أو حتى يتابع المواقع الإلكترونية المختلفة، ويشهد تنامي المنصات الإعلامية، وزيادة التعددية الثقافية والاختلاف الموضوعي في الآراء، فقد كان على القائمين على هذا التصنيف ـ وهم ممن يؤكدون عن الصدق والأمانة الإعلامية ـ التحقق من المعلومات الواردة في التقرير، والاعتماد على متخصصين ثقات يتميزون بالسمعة الإعلامية والموضوعية التي تأهلهم ليكونوا ضمن فريق جمع البيانات، إضافة إلى ضرورة الاعتماد على التعددية في الآراء لا على الشخصنة بما يتوافق مع افتراضات سابقة، تبدو أنها مستخلصة من مجموعة من مواقع الإنترنت العامة التي تُصرِّح المؤسسة نفسها أنها غير صادقة.

وعلى الرغم من الإشكالات والتساؤلات التي نطرحها هنا في شأن مصداقية التصنيف والمعلومات التي تم الاعتماد عليها فيه، إلاَّ أننا لا نزعم أننا لا نطمح في المزيد من حرية الرأي والمزيد من التنمية الإعلامية والتمكين الإعلامي للمؤسسات والأفراد من ناحية، والعمل على توعية أفراد المجتمع وتثقيفهم بما أسمته اليونسكو بـ (الدراية الإعلامية والمعلوماتية) ليكونوا قادرين على صياغة آرائهم بموضوعية دون المساس بالقيم والأخلاق الثقافية والوطن من ناحية أخرى.

والحق أن هذا التصنيف وغيره من التصنيفات الدولية التي لا تتوافق مع واقع العمل التنموي في سلطنة عُمان يجب أن لا تمر دون تدقيق وتمحيص، إذ علينا أن ننظر إلى مَواطِن الإشكال، والتساؤل (لماذا) كان تصنيفنا هكذا؟ فعلى الرغم من عدم مصداقية الكثير من تلك البيانات والمعلومات، والتي يُعد التصنيف وفقها (غير منصف)، إلاَّ أن علينا النظر إلى التحديات والأسباب التي جعلتنا في هذا الموقع من التصنيف العالمي، فليس من الحِكمة أن يمر دونما دراسة وتقييم بهدف تخطيه إلى تصنيف يليق بالعمل الإعلامي في عُمان ويليق بتلك الأهداف الوطنية التي نتطلع إليها.

إن التصنيفات الدولية تقوم على معايير قد تكون مجحفة وغير صادقة في حق دولنا، ولهذا فإن واجب مصداقية البيانات والتحري عن صدق المعلومات، وبث ما يليق بوطننا، لم يعد من واجب الإعلامي الرسمي أو الخاص وحده بل واجبنا جميعا في الإعلام الجديد الذي أصبح فيه المغردون يبثون المعلومات من كل بقاع الوطن، ويقدمون معلومات قد يفسرها الكثيرون بتفسيرات تضر بمصالح الوطن، فالكثير من تلك التصنيفات تعتمد على ما يُنشر في وسائل الإنترنت المختلفة.

علينا جميعا أن نتَّبع توصية اليونسكو بأهمية التمكُّن من (الدراية الإعلامية والمعلوماتية) لنكون واجهة إيجابية، وأن يكون ما ننشره منفعة عامة لوطننا.

أعمدة
No Image
غريب لا تعرفه ولن تلتقيه يومًا
شبّه محمد نظام حياته بصعود سُلَّم، يقف فيه طويلا في درجة واحدة في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى يقفز على درجات عديدة مرة واحدة، دون أن يعرف إن كان هذا القفز صعودا أم نزولا، وفي أيهما يكمن الرحيل. كان هذا الفنان التشكيلي العُماني العاشق للفنّ، المهجوس بتفكيك الأشياء إلى عناصرها...