facebook twitter instagram youtube whatsapp
Author

نوافذ :فن الكشط والكشف

09 يونيو 2021

أمضي في عشقي المسقطي، فأجد نفسي أتجول المرة تلو المرة في حارات مسقط القديمة، ألقاها حزينة، وقد هجرها أهلها وسلموها للغرباء، فتحولت بعض بيوتها أطلالا، وتحولت ساحاتها، وإن تجملت عبورا للسيارات لا إقامة فيها، وتحول الفضاء الحميم إلى خطوط قياس رسمية جدا.

لكن في زياراتي الأخيرة، لفت انتباهي وجود رسومات جرافيتي، على أكثر من موضع من جدران حارتي القديمة، رسومات فيها إشهار حب أو علامات رفض، أو لربما كان فيها صرخة يقول فيها الغريب ها أنا ذا.

يحدث في عطلات نهاية الأسبوع أحيانا، أن أذهب في جولة، بين قرى الباطنة والشرقية والداخلية، أتحرك بين الحواري، والأزقة وبقايا الأطلال، باحثة عن التنوع والغرابة والدهشة الساكنة في التفاصيل.

باختصار أبحث عن الحياة في أبسط وأقوى تجلياتها، فأجد على الجدران رسومات، بعضها أغان وبعضها سباب، وأخرى رموز لتحديد مناطق نفوذ لا يدركها إلا من وجهت إليه الرسالة، كلمات هي رسائل حب صارخة، وقلوب مكسورة وأسهم كيوبيدية، أحيانا أجد أجنحة هائلة كدعوة للطيران، وأحيانا أجد حمامات بيضاء، وأعلاما ترفرف على نواصي الطين.

أثناء القصف الإسرائيلي لغزة قبل أسابيع، حاول هواة فن الجرافيتي في العديد من بلدات عمان وقراها، أن يعبروا عن تآزرهم مع الشعب الفلسطيني، فأطلقوا فراشيهم وألوانهم ورشاشات الأصباغ، كما يجدر برسامي الجرافيتي أن يفعلوا، أي أن يكشطوا السطح، يغيروه ويعيدون بناء معناه، لإحداث الأثر الأعمق.

فالجرافيتي الذي هو فن تواصل بصري، هو أيضا شكل من أشكال الاعتراض، ومنصة من منصات المقاومة الفنية، التي تتخذ من الجدران والأطلال ومحطات القطارات والأنفاق، أي بمعنى آخر الفضاء العام، مجالا للقول.

لكن للجرافيتي ميزة مثيرة، فالجرافيتي لا يصبح جرافيتي إلا إن كان فعلا سريا وغير مشروع، ومن هنا بالضبط يأتي التأثير الحقيقي، فهو فعل تصد وخروج عن السلطة بكل أشكالها، الاجتماعية، والدينية، والسياسية، إلا أنه في عمان يتخذ الموضوع منحى غريبا ومختلفا.

فرغم التوافق بين الموقف الشعبي والرسمي والديني حول القضية الفلسطينية، إلا أن البلديات، ما لبثت أن قامت بإزالة رسومات الجرافيتي تلك، فعلت ذلك باعتبارها في الأصل فعل تخريب وتشويه.

لهذا فالقضية هنا، ليست قضية قبول أو رفض لموضوع الجرافيتي نفسه، بل هو في الحقيقة صراع على الفضاء، أو صراع على حرية التعامل مع الفضاء العام، وأيضا على تحديد الملكية، فأي تغيير في شكل الفضاء العام، يعتبر فعلا تخريبيا، حتى وإن حمل الجمال والرسائل العالية في طياته.

هو صراع سلطة في المقام الأول، وهذا ما يفعله فنانو الجرافيتي حول العالم، هم يجرون السلطة إلى حالة صراع حول تملك هذا الفضاء، أو ما قد يشار إليه أحيانا بالعدالة المكانية، فحقا من يمتلك هذا الفضاء العام، وكيف يتم تقاسمه، ومن هو القائم على ذلك؟ مؤسسات الدولة؟ أم المواطنون؛ أصحاب المكان؟ هناك صراع قديم جدا، خاصة في الدول التي ما زال طريقها إلى الديمقراطية طويلا، هذا الصراع في الأصل هو حول الخاص والعام، سواء كان في الفضاء أو حتى في المال، إذ أن الحدود غائمة بين الملكيتين، الخاصة والعامة.

ونحن إذ عدنا لمعنى الكلمة، وقد جاءت في الأصل من الكلمة الإيطالية «جرافيو»، التي تترجم إلى العربية بكشط، فإن للكشط في اللغة عدة معان منها الحذف والمسح، وأيضا منها الكشف، فيقال «لأكشطن عن أسرارك» أي لأكشفنها، وهنا نجد أن استخدام هذه الكلمة دقيق للغاية، فحتى وإن تحول فنانو الجرافيتي من استخدام الأدوات الحادة في الكشط، كما كان يحدث تاريخيا، على هياكل المعابد وجدران الكاتدرائيات، واتجهوا لاستخدام الأصباغ والفراشي وأنابيب الرش، إلا أنهم ما زالوا يكشطون الطبقة الرقيقة من الجمال الزائف والمتكلف، الذي يغطي وجوه المدن والمجتمعات، فالجرافيتي فن يقوم على تحدي الزيف، وتحدي فكرة سيطرة السلطة، هو فن الكشف في أقوى تجلياته البصرية، هو الفن الذي يقول بصوت عال ودون مواربة «والله لأكشطن عن أسرارك».

أعمدة
No Image
هوامش... ومتون : شبّاك لميعة
عبدالرزاق الربيعيحين بلغني خبر رحيل الشاعرة لميعة عباس عمارة في سان دييجو الامريكية عن٩٢ سنة، فإن أول شيء فعلته هو إرسال تعزية إلى الصديق غيلان نجل الشاعر بدر شاكر السياب التي كانت زميلة والده في دار المعلمين العالية- كلية الآداب بجامعة بغداد، وملهمته، ومرّ ذكرها بشكل غير مباشر في...