facebook twitter instagram youtube whatsapp
Author

نوافذ: الحياة دون كهرباء

08 مايو 2021

سليمان المعمري -

جدران متهالكة تتهشم، حيوانات تنفق، أشجار عملاقة تقتلع من جذورها، أسقف تتطاير تاركة الغرف تحت عين السماء، أبواب كبيرة تتراقص للأمام وللوراء ثم تسقط، أطفال يرتجفون من الرعب، وآخرون يبتسمون غير آبهين ولا منتبهين لما يجري، سيارات تسبح في الوادي كأنها البط، جذعٌ عملاق لنخلة يسقط فوق حافلة نقل طلاب تستريح في مزرعة. أدعية تتطاير إلى السماء مصحوبة ببسملات وحوقلات. لم يكن هذا فيلم رعب في نتفلكس، وإنما أحداث حقيقية وقعت في تلك الليلة الليلاء من الأسبوع الماضي في ولايتي صحم والخابورة وجزء من ولاية السويق جراء الأمطار الغزيرة المصحوبة ببعض البَرَد وبريح عاصفة بلغت سرعتها في صحم 110 كم في الساعة.

المختلف هذه المرة أن هذه الحالة الجوية بدتْ مباغِتة وغير متوقَّعة، ربما لأن تحذيرات الأرصاد الجوية كانت أقل مما اعتاده الناس من قبل، وهي التي لم تكن تفوتها غيمةٌ شاردة، ولا نسمة واردة. وربما لأن الإعلام بمؤسساته الحكومية والخاصة لم يتوقعها ولم يحسب لها حسابا. في تلك الليلة عرفنا – نحن قاطني صحم والخابورة - قيمة النور والهواء، حتى إنه يمكن تفسير السعادة التي وصفها الحكماء بأنها تبدو صغيرة ولا تكاد تُرى عندما تكون في متناول أيدينا، ولكن بمجرد فقدانها ندرك فورًا كم كانت كبيرة وغالية؛ بأنها الكهرباء!.

لم يكن سهلًا على من اعتاد أن يغفو تحت مكيف (أو مروحة على الأقل)، أن يخلد للنوم بسهولة دونهما، هناك من خرج في الهواء الطلق فارشًا «دوشقه» في باحة الحوش، الهواء ليس باردًا ولكنه على الأقل أفضل من كَتمة الغرف، ما يجعل الأمر يستحق المجازفة، وأقول «المجازفة» لأن المطر والريح يمكن أن يعودا في أية لحظة من الليل. ثمة من اضطر أن يشغّل سيارته –التي لا يستطيع أن يذهب بها إلى أي مكان بسبب الحظر- لينيم في مكيفها طفله الرضيع، وهذه أيضًا مجازفة أخرى. هناك من جرب كل الحِيَل لينام، مِنْ عَدّ النجوم والشهب، إلى تخيّل قطيع غنم يتقافز أمام عينيه من تلك التي سقطتْ فوقها تلك الليلة جُدُر الزرائب، لكنّه دون هواء المكيّف لم يستطع النوم. وثمة بالطبع من نام بسهولة، لا لشيء إلا لأن التعب والإنهاك أخذا منه كل مأخذ.

في الصباح التالي، وفي ضوء الشمس الساطعة، وفيما سيستمر انقطاع الكهرباء ليومين قادمين، تكشف حجم الدمار الذي أصاب البيوت والمزارع والحيوانات والأشجار والطرقات وأعمدة الكهرباء. باختصار كأنه «جونو» آخر قفز إلينا دون سابق إنذار عبر آلة الزمن من عام 2007 وحطّ في ليلة من ليالي مايو 2021. وفيما انشغل بعض الشباب بإماطة الأشجار عن الطرقات للسماح للسيارات بالمرور، والبعض الآخر بنقل الأغنام النافقة إلى مرادم البلدية، والبعض الثالث بإصلاح ما يمكن إصلاحه من تهدمات في البيوت أو المزارع، انشغلت النساء بتفريغ ثلاجاتهن -التي لم تعد تستحق هذا الاسم بدون الكهرباء- من اللحوم والمواد التي تُفسِدها الحرارة، ونقلها إلى أوانٍ كبيرة مفروشة بالثلج المجلوب للتو من المصنع.

من لطف الله أن هذه الأحداث العصيبة حدثتْ في رمضان في ليلة من ليالي الإغلاق الكوروني الذي لا يُسمح فيه بالخروج من المنازل، بل وبدأتْ قبيل التاسعة مساء، موعد بدء الإغلاق الليلي، أي والشوارع في معظمها خالية من السيارات. فماذا لو أنها كانت ليلة رمضانية عادية من ليالي السنين الماضية؟ ماذا لو أن الشوارع كانت مزدحمة بسيارات المتسوقين، أو الزائرين لأقاربهم، أو الذاهبات للخيّاطين لتسلم ملابس العيد!!. مجرد تخيّل هذا السيناريو يجعل المرء يردد على الفور: «الحمد لله الذي قدّر ولطف».

في الليلة الثانية لانقطاع الكهرباء (ولاحظوا أنني بدأتُ أؤرِّخ الأحداث بالظلام) كان الناس قد أفاقوا من الصدمة وبدؤوا يكيفون أوضاعهم وفقًا للظروف الجديدة، خصوصًا أن معظم الردود التي تصلهم على اتصالاتهم لشركة كهرباء مجان كانت أن «العمل جارٍ على إعادة الكهرباء ولكن الأمر سيستغرق بعض الوقت». جُهِّزتْ الشموع، واقتُنيتْ المصابيح ذوات البطاريات، والبعض اشترى مراوح صغيرة بحجم راحة اليد يمكن تشغيلها بشواحن الهاتف المتنقلة. واستطاعت بعض البيوت تدبير مولّدات كهربائية ذات صوت قوي كالتي كانت سائدة في الثمانينيات قبل وصول الكهرباء، وهذه استدعت شراء محوّلات ذات أسلاك طويلة. أما الرجل الذي أنام طفله في مكيف السيارة فقد قرر ألا يكرر التجربة، وبتشجيع من زوجته أرسل الرضيع وأمه للإقامة في بيت شقيقتها الذي لم يُحرم بعد من نعمة الهواء والنور.

في الثامنة وخمسين دقيقة من مساء الخميس، وبعد 48 ساعة كاملة من انقطاع الكهرباء عن قريتي، وبينما نحن نواصل الاستعدادات لقضاء ليلتنا «الظلامية» الثالثة، اندلعتْ الأنوار فجأة في المكان. تعالت هتافات الأطفال، وطارت الحمدلات إلى الله في السماء. كانت فرحة لا تُنسى. هرع الجميع لممارسة حياتهم الاعتيادية شبه المتوقفة منذ يومين، بعد تجربةٍ لا أقول مريرة وإنما مُعلِّمة، خَبِرنا بها كيف تكون الحياة دون كهرباء.

أعمدة
No Image
هوامش... ومتون : شبّاك لميعة
عبدالرزاق الربيعيحين بلغني خبر رحيل الشاعرة لميعة عباس عمارة في سان دييجو الامريكية عن٩٢ سنة، فإن أول شيء فعلته هو إرسال تعزية إلى الصديق غيلان نجل الشاعر بدر شاكر السياب التي كانت زميلة والده في دار المعلمين العالية- كلية الآداب بجامعة بغداد، وملهمته، ومرّ ذكرها بشكل غير مباشر في...