facebook twitter instagram youtube whatsapp


سالم الرحبي
سالم الرحبي

الوحدة في المقهى

06 أغسطس 2022

تُضيء شمس المدينة طاولة خالية في ركن دافئ من المقهى، فيتَّسع الغياب من حولي... طاولة واضحة في الضحى، بمقعدين شاغرين يحدقان في بعضهما منذ بداية النهار، ولا يفضُّ اشتباكهما الدائر سوى القليل من الورد الاصطناعي في آنية صغيرة تتوسط الطاولة.

أحملق الفراغ الذي يتطور ببطء هنا قبل أن ينقض عليَّ، أنا المتحرك الواضح في هجعة الأشياء وغموضها. كل المقاهي التي زرتها وألفتها خلال السنوات الماضية، هنا في مسقط، أو حتى تلك المهجورة التي مررت بها سائحًا في الروايات والسير الذاتية، كانت تحضُرني على الدوام بوصفها أماكن لقاء وائتلاف في فضاء اجتماعي مقنن، وتعبيرًا اجتماعيًا وثقافيًا ينتصر لحُب الجماعة ولكن بحس أكثر فردانية واستقلالية. أما الآن فأنا أمام صورة جديدة للمقهى، صورة مضادة تقريبًا لما درجتُ على تخيله عن الفكرة الحميمية للمقهى كـ«سبلة» جديدة تليق بشروط المدنيَّة الحديثة، فلأول مرة أشعر بأن هذا المكان الهادئ مصمم بعناية لتطوير الوحدة، لا لتبديدها، مكان تجتمع فيه كُتلٌ متنامية من الفراغ الخصب والكسل. هنا أحسُّ بنمو العشب في الهواء المعبأ بالصمت، وأتذكر الشاعر الميت في عز وحدته، رياض الصالح الحسين:

«في المقهى أنام...

في الشارع أبكي».

اليوم، تزدحم مواقع الإنترنت بإجابات متشابهة على سؤال واحد ما زال يأتي بصيغ متفاوتة منذ النقوش المسمارية حتى اللوح الإلكتروني: «كيف أتغلب على الوحدة»؟ لوهلة تبدو الإجابات المكررة والحلول في غاية البساطة، لكن اللجوء إلى الإنترنت بحثاً عن إجابات جاهزة على سؤال غائر وقديم كهذا يمثل بالنسبة لي صدمة ساخرة، وكأن الأمر أشبه بذهاب أحدهم إلى «الصناعية» بحثًا عن قطعة غيار أو لعلاج خلل فني في سيارته. ولكن ألا يطور الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي وحدتنا أيضًا، وبشكل أكثر تطرفًا من أسلوب المقهى؟ أليست التطبيقات التي تحاصرنا قائمة أصلًا على وهم العلاقة بالآخر، ومن خلالها تصبح الوحدة أسلوبًا يوميًا في متابعة الحياة؟!

يدرك المرء أنه وحيد حقًا حين ينتبه للكلام الذي يتأجج في داخله لكنه لا يجد الجليس. يُقلب «جهات الاتصال» في هاتفه كمن يفتش في قائمة الطعام عن وجبة على مقاس جوعه ونقوده، فلا يعثر على اسم لصديق يسعفه بمكالمة أو محادثة كتابية لا بدَّ أن تطول إلى ساعة أو أكثر، وغالبا ما تنقضي في الكلام حول شؤون بسيطة جدًا، وربما تافهة، لأن أزمتنا مع التوافه كبيرة، وهي أكثر تعقيدًا مما نظن، فتلك «الهواجس التافهة» التي نعلكها مرارًا وتكرارًا في أحاديث ومكالمات «الفضفضة» تذكرني دائمًا بأزمة البيئة مع النفايات غير القابلة للتحلل!

أحاول جاهدًا تخيل حالات الوحدة والأرق قبل مواقع التواصل الاجتماعي: ما الذي يفعله رجل وحيد بحاجة إلى الكلام بعد يأسه من العثور على سمير ملائم؟ يقترح الخيال صورًا شتى... لكني أفكر: ربما يبدأ تلقائيًا بالبحث عن نملة مسافرة في بياض الجدار ليحاورها، هذا أحد أتعس الاحتمالات وأكثرها تداولًا على سبيل السخرية من شعور الوحدة، لكن الواقع، لا الخيال وحده، يقول إن هذا الاحتمال يحدث كثيرًا. حتى المتنبي، من رأى في الكتاب «خير جليس» كما قال في بيته المشهور الذي أصبح شعاراً لمعارض الكتاب: «وخير جليس في الزمان كتابُ»، فقد قال أيضًا ذات غربة: «شرُّ البلادِ مكانٌ لا صديقَ بهِ»، والصديق عند المتنبي، كما أحسب، هو صديق اللسان والأذن، القول والإنصات، قبل أن يكون صديق اليد والبطش. لكن شكوى المتنبي من الوحدة تطمئنني قليلًا على حال شاعر معاصر، كيفما اتفق، وهو يشكو من وحدته في المقهى، ما دام أكبر شاعر في تاريخ العربية ما زال يشكو من وحدته، وهو ذائع الصيت الخارج الداخل من مجالس الأمراء.

هناك حالات أخرى، يتوفر فيها الجليس لكن اللغة تستعصي، ربما تتبخر الأفكار، ربما يتلاشى الكلام ويصبح استجداؤه من منابعه عملية مضنية. قد تضحك من تقسيطك للكلام على مدار وقت اللقاء، فقط لأنك تجتهد لإبقاء وتر اللحظة مشدودًا، مهما كان هذا الكلام مجرد نفخٍ في الهواء، لا يعبر عن هواجسك الحقيقية ولا هواجس الآخر، ولا يصيب قرارة الداخل الغامض الذي يبحث عن قراره. هنا أفكر بالصداقة التي تتجرأ على خدش الصمت الثقيل باللغة الحية، أفكر باللغة عندما تصبح مشتركة بين غريبين يفرقهما كل شيء تقريبًا لكنهما يأتلفان على مائدة الكلام، وأفكر بعلاقاتنا الصغيرة التي ننسجها داخل هذا الوقت العابر مع عابرين آخرين على نهر الحياة والكلام. تولد علاقات وتموت أخرى، الكلام يبدل قشوره حتى لا نبقى وحيدين. يخطفنا تماس جديد في علاقة سريعة تبدأ في مصعد كهربائي أو على باب آلة السحب البنكية، فنذهب خلفها لغةً تؤسس للوجود والتعايش المشترك، تحمينا وتصوننا من فتنة الملل، ومن أن يكون كل واحد من رجع صدى لصوته وحده فحسب... لذلك نقرأ في الإصحاح الثاني من سِفر التكوين: «لَيْسَ جَيِّدًا أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ...».

أعمدة
No Image
اقتصاد العربة
hamdahus@yahoo.com قررت أن آخذ جهاز الحاسوب المحمول وكتابا مستغلة موعد عمل كنت قد حددته في أحد مقاهي مدينة مسقط الجميلة، اخترت لي مقهى جميلا هادئا يديره شباب عمانيون، يمنحني التعامل مع الشباب العماني طاقة وبهجة، وأشعر بأريحية أكثر لتلك الطاقة التي تبعث في المكان، أحب أن أتلقى التحية العمانية...