الشركات الدولية وسداد حد أدنى من الضرائب

مصباح قطب –
mesbahkotb@gmail.com –

في بيان لها على موقعها الإلكتروني أعلنت منظمة دول التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) منذ أيام أن المجتمع الدولي وافق على خارطة طريق لحل التحديات الضريبية الناشئة عن رقمنة الاقتصاد. قالت المنظمة في البيان الذي حمل عنوان: « التحولات الناشئة عن رقمنة الاقتصاد» ، إن المجتمع الدولي التزم كذلك بمواصلة العمل من أجل التوصل إلى حل طويل الأجل لهذا الموضوع قائم على الإجماع بحلول نهاية عام 2020.
في التفاصيل فقد اعتمد 129 عضوًا في إطار كل من OECD /‏‏ G20 العلاج الشامل بشأن مواجهة تآكل القاعدة الضريبية وتغيير الأرباح (BEPS) عبر الموافقة على برنامج عمل يضع عملية للتوصل إلى اتفاق عالمي جديد لفرض ضرائب على الشركات متعددة الجنسيات.
وتدعو الوثيقة، التي تمت الموافقة عليها إلى تكثيف المناقشات الدولية حول دعامتين أساسيتين للمواجهة وقد تم ذلك خلال الجلسة العامة التي عقدت يومي 28 و 29 مايو وناقشت طار العمل الشامل، وحضرها 289 مندوبًا من 99 دولة عضو وولايات قضائية و10 منظمات مراقبة. ومن المقرر أن يقدم الأمين العام لمنظمة دول التعاون والتنمية، إلى وزراء مالية مجموعة العشرين المقترحات للمصادقة عليها خلال اجتماعهم الوزاري في الفترة من 8 إلى 9 يونيو في فوكوكا، اليابان. الخبر الجيد أن الأنباء زفت إلينا أن اجتماع اليابان أقر بالفعل فكرة الحد الأدنى للضرائب الذي يجب أن تدفعه الشركات العالمية في البلاد التي تعمل فيها. وقد زف وزير المالية الألماني بنفسه الخبر إلى الميديا في تصريح مقتضب وقال إنهم يجب أن يدفعوا حتى في ألمانيا، والمعروف أن ألمانيا بخاصة ودول أوروبية وغير أوروبية تعانى الأمرين من ضآلة الضرائب التي تدفعها الشركات الرقمية الأمريكية العاملة هناك فضلا عن ممارسات أخرى ضارة.
وذكر موقع « فوا « في خبر من فوكوكا ، باليابان حيث جرت اجتماعات وزراء المالية أن وزراء مالية مجموعة العشرين وافقوا على المضي قدما في تجميع القواعد المشتركة التي ستغلق الثغرات التي يستخدمها عمالقة التكنولوجيا العالمية مثل Facebook لتخفيف عبء ضرائب الشركات.
وزاد « الموقع: تعرضت فيسبوك وجوجل وأمازون وشركات التكنولوجيا الكبرى الأخرى لانتقادات لخفض فواتيرها الضريبية عن طريق حجز الأرباح في البلدان منخفضة الضرائب بغض النظر عن موقع العميل النهائي ، وهي ممارسات يعتبرها الكثيرون غير عادلة».
وتعني القواعد الجديدة أعباء ضريبية أعلى للشركات الكبيرة متعددة الجنسيات ، ولكنها ستجعل من الصعب على دول مثل أيرلندا جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة عبر الوعد بمعدلات ضريبية منخفضة للغاية على الشركات.
المدهش أنه وحسب موقع « فوا» فإن وزير الخزانة الأمريكي « ستيفن منوشين « قال يوم السبت الماضي في الاجتماع «يبدو أن لدينا إجماعًا قويًا». «لذا نحن الآن بحاجة إلى أن نتوصل إلى توافق في الآراء هنا ونتعامل مع الجوانب الفنية لكيفية تحويل هذا إلى اتفاق»
تقول شركات الإنترنت الكبرى إنها تتبع القواعد الضريبية ولكنها دفعت القليل من الضريبة في أوروبا، وذلك عادةً عن طريق توجيه المبيعات عبر بلدان مثل أيرلندا ولوكسمبورغ، التي لديها أنظمة ضريبية خفيفة.
أعود لاشير إلى أن الدعامتين اللتين تحدثت عنهما منظمة دول التعاون الاقتصادي والتنمية هما:
الأول كيفية تقسيم حقوق فرض ضرائب على الشركة بين البلاد التي تباع فيها سلعها أو خدماتها حتى لو لم يكن لها وجود فعلي في ذلك البلد. أما الثاني وهو أنه إذا كانت الشركات لا تزال قادرة على إيجاد طريقة لجني الأرباح من الملاذات الضريبية أو الخارجية ، فيمكن عندئذ تطبيق معدل ضريبي عالمي أدنى يتم الاتفاق عليه . الأخير هو ما تم التوافق حوله حسبما أوردت بعاليه وفي ظني أن وزير المالية الأمريكي أعطى انطباعا ما بالتجاوب مع ذلك على قوة مقاومة أمريكا للقواعد المقترحة لفرض الضرائب على الشركات الرقمية لأن الولايات المتحدة كانت تريد – وحققت ذلك بالفعل – عم الإشارة إلى وجوب وقف الحرب التجارية مع الصين أو ذكر تأثيرها السلبي على الاقتصاد العالمي وهو ما تجنبه بيان وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية بالفعل ، أي أنه كان هناك ما يشبه الصفقة ، وربما كان الوزير قد وافق على أمل أن تعرقل بلاده التنفيذ لاحقا أو تقيده . وحسب مواقع أجنبية فقد قال وزير المالية الفرنسي برونو لو ماير: «لا يمكننا أن نوضح للسكان أنه يتعين عليهم دفع ضرائبهم عندما لا تقوم شركات معينة بذلك لأنهم يحولون أرباحهم إلى مناطق ضريبية منخفضة». كما ذكرت أن بريطانيا وفرنسا كانتا الأكثر صراحة حول الحاجة إلى ما يسمى «الضريبة الرقمية» ، بحجة أن قوانين ضرائب الشركات لم تعد عادلة في عصر توفير الخدمات على نطاق واسع وبيع بيانات المستهلك عبر الإنترنت. ومن المتوقع أن يجتمع المسؤولون من الدول الكبرى مرة أخرى مرتين هذا العام لوضع التفاصيل الدقيقة واللمسات الأخيرة على اتفاق العام المقبل. بذكر أنه في عام 2015 ، قدرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية خسائر الإيرادات من BEPSبما يصل إلى 240 مليار دولار أمريكي ، أي ما يعادل 10 ٪ من عائدات ضريبة الشركات العالمية ، وأنشأت المنتدى الشامل لتنسيق التدابير الدولية لمكافحة BEPS وتحسين القواعد الضريبية الدولية.
وتُظهر بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الجديدة في المنشور السنوي لإحصائيات الإيرادات 2018 أن إيرادات الضرائب كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي (أي نسبة الضريبة إلى الناتج المحلي الإجمالي) استمرت في الزيادة منذ الانخفاض الذي شهدته جميع البلدان تقريبًا في أعقاب الأزمة المالية العالمية
وبلغ متوسط نسبة الضريبة إلى الناتج المحلي الإجمالي في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية 34.2٪ في عام 2017 مقارنة بـ 34٪ في عام 2016 و33.7٪ في عام 2015. يعد رقم عام 2017 هو الأعلى المسجل. وفي أيرلندا- المعروفة بتقديم حوافز ضريبية سخية – انخفضت النسبة من 30.4٪ في عام 2007 إلى 22.8 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2017 ، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى الزيادة الاستثنائية في الناتج المحلي الإجمالي في عام 2015.
باستثناء أيرلندا ، كان أكبر انخفاض في النرويج ، إذ هبطت النسبة من 42.1 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2007 إلى 38.2 ٪ في عام 2017
في المقابل ، كانت أقوى زيادة خلال هذه الفترة في اليونان من 31.2 ٪ إلى 39.4 ٪. والمعروف أن هذه الزيادة أتت محصلة لإصلاحات اقتصادية صعبة لم يكن أمام اليونان مفر من القيام بها لكي تتمكن من سداد ديونها الخارجية.
إن الدروس المستفادة من كل ما تقدم كثيرة أولها أن حصيلة الضرائب إلى الناتج في بلادنا العربية متدنية بغض النظر عن أن دول منظمة التعاون والتنمية تأخذ في الحساب جانبا من المدفوعات التأمينية وهذا غير معمول به في الدول العربية ، وثانيا فهناك طفرة مقبلة في السياسات الضريبية الدولية لا يمكن لبلد أن يعيش بمعزل عنها ويحتاج ذلك إلى استعداد فني قوي وبنية تحتية وقدرة تفاوضية لتحقيق منافع وطنية من تلك التوجهات. وثالثا فإنه إذا كان البعض في دول الخليج ينتقد قيام دول خليجية بالتوجه إلى فرض ضريبة القيمة المضافة وبدء وضع سياسات ضريبية لم تكن موجودة ويشير إلى أن فرض الضرائب هو من أفكار صندوق النقد الدولي « الشرير « ، فظني أن ذلك نقاش يحتاج إلى إعادة نظر لأن الأصل هو كيف يمكن فرض ضرائب عبر سياسات ضريبية متكاملة وعصرية تشجع النمو والتشغيل وتعزز العدالة الاجتماعية وتزيد حصيلة الدولة بما يقلل عجز الموازنات وليس فرض أو عدم فرض الضرائب. ويبقى أخيرا أهمية التعاون العربي في هذا المجال حتى لا تقع الدول العربية فريسة الصراعات الضريبية التي رأينا صورة لها بين دول أوروبية وبين الولايات المتحدة .