وتر: هاتف ذكي.. حكايات غبية

شريفة بنت عـــلي التــوبية –

سجلت حالة انتحار لمراهق لم يتجاوز السادسة عشرة من العمر بسبب أن والديه أخذوا منه هاتفه الذكي، وسجلت حالة انتحار أخرى لطفل بسبب لعبة كان يلعبها عبر الهاتف الذكي، وسجلت حالة تحرش جنسي واستغلال جسدي لطفل من قبل شخص كان يتواصل معه عبر الهاتف الذكي، وسجلت حالات طلاق وخيانات زوجية وجرائم مختلفة مثل السرقة بسبب الهاتف الذكي، تلك حالات سُجلت وهناك حالات لم تسجل رغم وجودها وتأثيرها المباشر والكبير على المجتمع، والمتهم الأول فيها هاتف ذكي، والذي أصبح ذكياً جداً إلى درجة إنه سرقنا حتى من أنفسنا وأصبح بعضنا يعيش حالة من الانفصال النفسي عن محيطه وأفراد عائلته، ومع ذلك فتحنا نوافذنا وأشرعنا أبوابنا وأصبحنا ملك الجميع من خلال ما نعرضه وننشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي في هواتفنا الذكية. ولا تقتصر تلك الحالات على محيط الأسرة فقط، بل هناك قلة في إنتاجية العمل بسبب انشغال بعض الموظفين بالبرامج والمواقع الملحقة بالهاتف الذكي، وهناك حالات تأخر دراسي وعدم القدرة علي التركيز بسببه، وهناك تراجع للمستوى الثقافي لدى الكثير منا لأننا لم نعد نقرأ الكتب بل نكتفي بما يُرسل إلينا عبر حساب الواتساب من رسائل منقولة، تعطّلت لغة الكلام بين البشر ودخلوا في حالة صمت لأن كتابة رسالة أرخص سعراً من الحديث مع الآخر وسماع صوته، ولأن الوقت المتبقي من عمر الانشغال بالهاتف لا يكفي لإجراء محادثة، مات الشوق وتلاشى الحنين بوجود هاتف ينقل لنا حياة المحبوب صوتاً وصورة وتفصيلاً.
أصبحت علاقتنا بهواتفنا أقوى من علاقتنا بشركائنا وعائلاتنا، فتلك العلاقة الغريبة بيننا وبين هواتفنا أوصلتنا إلى مرحلة الإدمان والتعلّق، تجن عقولنا وتفزع قلوبنا إذا غاب، فهو صديقنا الذي نأتمنه على أسرارنا، ودفترنا الذي نكتب فيه حكاياتنا، وصندوقنا الذي نخبئ فيه أدق تفاصيلنا، إنه (عكّاستنا) التي نلتقط بها صور السيلفي بعدسة تفوق عدسة أغلى كاميرات التصوير وبشكل احترافي باهر، وهو سوقنا الذكي الذي يأتي لنا بكل ما نريد ونشتهي ابتداء من طلبات الطعام وحتى الملابس والأشياء الأخرى التي لا يوفرها السوق العادي. إنه ذكي حقاً وهناك من يجيد التعامل معه بذكاء بشكل يفوق ذكاءه، وليست المشكلة في ذكائه، بل فينا نحن وفي تعاملنا الغبي معه، فقط نحن بحاجة لأن نغير طبيعة العلاقة بيننا وبينه لنستعيد أنفسنا وإنسانيتنا وجمال حياتنا، إنه ذكي ونافع إلى درجة أنكم تقرأون مقالي الآن عبر شاشته، أليس كذلك؟