هل تفقد أوروبا بوصلتها السياسية؟

إميل أمين –

إلى أين تمضي أوروبا بعد نتائج انتخابات البرلمان الأوروبي الأخيرة، وهل كانت النتيجة مفاجئة للجماهير الأوروبية وللعالم الخارجي، أم أنها كانت متوقعة؟
الشاهد أن النتائج التي أفرزت تقدما للشعبويين والقوميين وحزب الخضر، حتى وان لم يبلغوا مقاما عاليا، أو يحوزوا الأغلبية المطلقة، لم تكن مفاجئة صاعقة بالنسبة لأحد
فقد أفرزت الأعوام الماضية طغمات مختلفة من الشعوب الأوروبية، وقر لديها أن الاتحاد الأوروبي بات قضية خاسرة، وأنه من الأفضل العودة إلى أزمنة التفكيك عوضا عن السعي في طرق الاندماج، وقد طفت على السطح جماعات وأحزاب تمثل مزيجا من اليمين القومي المتشدد، ومن الجماعات الشعبوية الرافضة لأوروبا بصورتها التنويرية الحالية، عطفا على أنصار حزب الخضر، الرافضين لتوجهات السياسات الأوروبية الحالية.
ما الذي جرى في الانتخابات الأخيرة وما دلالات المشهد على مستقبل القارة الأوروبية وعلى علاقاتها مع العالم الخارجي وبنوع خاص مع جيرانها التاريخيين من العالم العربي وحوض البحر الأبيض المتوسط؟
الشاهد وبدون تكرار ممل أن الانتخابات التي جرت في 21 دولة تمثل الاتحاد الأوروبي، أفرزت تراجعا واضحا لأحزاب الوسط ويمين الوسط، لصالح أحزاب اليمين المتطرف والأحزاب المدافعة عن قضايا البيئة بنسبة كبيرة.
وللقارئ غير المتعمق في أحوال الأحزاب والسياسات الأوروبية يلزمنا أن نوضح الفارق بين توجهات التيارين الحزبيين، فالأحزاب الاشتراكية الأوروبية تتسم بمسحة إنسانية واسعة، بمعنى تقبل فكر الشراكة مع الآخر، وتفتح الأبواب للاندماج، وتنظر إلى الداخل الأوروبي بعين التنوير والليبرالية الأوروبية التقليدية، وتأمل في تعزيز شراكة الأوروبيين مع العالم برمته، لا سيما مع الدول التي لها حدود جغرافية أو ديموغرافية مع الأوروبيين.
وعلى العكس من ذلك يأتي الحديث عن أحزاب اليمين الأوروبي سواء كانت أقصى اليمين أو يمين الوسطى، فهي يليق بها القول إنها تهرب من رحابة الابستمولوجيا إلى ضيق الأيديولوجيا، بمعنى أنها تتمترس وراء جدران الخوف من الآخر، والتعصب والتزمت تجاه المغاير عرقا أو جنسا، دينا أو لونا، وترى المشاهد الحياتية والمواقف السياسية بنظرة حديه أسود أو أبيض.
وتتبنى أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا سياسة متشددة للغاية ضد المهاجرين الواصلين إلى بلدانها، وبعض منهم يطالب بترحليهم إلى أوطانهم، وقطع المساعدات الحكومية عنهم، كما تطالب برفض استقبال لاجئين أو مهاجرين جدد.
والشاهد أيضا أن ملف الهجرة والحد منها قد مثل جزءا رئيسيا في الدعايات الانتخابية لأحزاب اليمين في أوروبا، والتي ركزت على جانبي «تأثر الاقتصاد والأمن « من وصول المهاجرين.
يلزم القارئ أيضا أن يحاط علما بالأرقام وفي أضيق الحدود حتى يدرك التبعات المترتبة على الانتخابات الأخيرة للبرلمان الأوروبي والذي هو مؤسسة برلمانية تنتخب 751 نائبا بطريقة مباشرة، وتتبع الاتحاد الأوروبي، ويشكل البرلمان مع مجلس الاتحاد الأوروبي، السلطة التشريعية بالتكتل الذي يضم 28 دولة.
بلغت نسبة المشاركة في انتخاب أعضاء البرلمان الأوروبي 51%، وتصدر حزب الشعب الأوروبي الانتخابات بحصوله على 173 مقعدا من اصل 751 وهو حزب سياسي أوروبي تأسس في العام 1976 من قبل الأحزاب الديمقراطية المسيحية، وتم توسيع عضوية الحزب ليشمل أحزاب محافظة وسياسية أخرى تنتمي إلى يمين الوسط.
تاليا ومن بعده حل حزب الاشتراكيين الأوروبيين في المركز الثاني بحصوله على 147 مقعدا، وتلاه ثالثا حزب الليبراليين والديمقراطيين من أجل أوروبا الذي حصد 102 مقعد، وفي المركز الرابع حل حزب الخضر الأوروبي، بحصوله على 71 مقعدا، وخامسا تحالف المحافظين والإصلاحيين في أوروبا بحصوله على 48 مقعدا.
في المركز السادس جاءت كتلة «أوروبا الأمم والحريات» بحصولها على 57 مقعدا، وسابعا كتلة «أوروبا الحرية والديمقراطية المباشرة» بحصولها على 56 مقعدا، وفي المركز الثامن حلت كتلة اليسار المتحد الأوروبي، اليسار الأخضر النوردي، بحصولها على 42 مقعدا، فيما انتخب مرشحون مستقلون على المقاعد 45 المتبقية.
يبدو واضحا جدا أن اليسار الأوروبي التقليدي يتقلص، وذلك لصالح امتداد التيارات اليمينية، بوسطها ومتطرفها، وهناك من الأسباب الكثير التي جعلت هذا التطور واقع حال، لا سيما بعد موجات الهجرة والمهاجرين وكذا اللاجئين الذين حلوا بأوروبا في السنوات الأخيرة، وبعد ما سمي أزمنة الثورات العربية منذ العام 2011.
الملاحظة الثانية هي تسارع نمو الجمعات الشعبوية الأوروبية اليمينية، وهنا فإن جزئية مهمة تطفو على السطح، فقد تذرع أنصار اليمين الأوروبي والقوميين وكل الأصوات المنادية بحل الاتحاد الأوروبي، بأن سياسات الاتحاد هي التي قادت عموم الأوروبيين إلى الأزمة الاقتصادية التي ضربت أوروبا، غير أن الأزمة انتهت بالفعل، وأضحت الأسر من الطبقة المتوسطة والعاملة تتعافى من انخفاض قوتها الشرائية، ما يعني أن العامل الاقتصادي لم يعد هو السبب الرئيس في ميل بعض من الأوروبيين إلى سياسات اليمين الأوروبي المتشدد إلى حد التطرف.
لكن تبقى هناك شكاوى من بعض الدول الأوروبية تجاه البعض الآخر تجعلنا نفكر لماذا يكسب اليمين المتطرف أرضا جديدة، وتتقلص مساحة القوى السياسية الأوروبية الأخرى.
الشاهد أن هناك أوروبيين يشكون من عدم تضامن الاتحاد الأوروبي معهم، خذ على سبيل المثال إيطاليا واليونان والى حد ما فرنسا، وهذه تشكل مجموعة تتهم الاتحاد الأوروبي بعدم الاكتراث بما يحدث في الداخل لكل دولة، فعلى سبيل المثال على الرغم من أن إيطاليا قبلت سياسة التقشف، لكنها لم تستفد من الانتعاش الاقتصادي القوي، وعلاوة على ذلك، تخشى البلاد قيام الاتحاد المصرفي بتخفيض مجاله للمناورة من اجل إصلاح نظامها المصرفي المنهار، ونظرا لان فرنسا وألمانيا هما في صميم الاتحاد الأوروبي، فإن سمعة إيطاليا حتى داخل الاتحاد الأوروبي ليست جيدة.
كل هذا يولد الاستياء، وخاصة بين أولئك الذين يشعرون بالإهمال أو الخيانة من قبل أوروبا، والنتيجة هي أن إيطاليا التي كانت داعمة رئيسية للاندماج الأوروبي، أصبحت البلد الأكثر اشتباها في مزيد من الاندماج.
ولعل ما يجعل أصوات اليمين ترتفع مرة أخرى، الأمر الذي يهدد أوروبا أن تعرف من جديد طريقها إلى الأحزاب والحركات الشمولية مثل تلك التي طفت على سطح الأحداث الأوروبية في النصف الأول من القرن العشرين كالنازية والفاشية، هو اعتقاد الكثير من الأوروبيين بانهم ضحايا التضامن الأوروبي.
هؤلاء يمكن للمرء أن يرصدهم بنوع خاص في هولندا والنمسا، فعلى الرغم من أنهم عملوا بجد لتحقيق الرخاء المحلي، إلا انهم يعتقدون بأن الآخرين قد جنوا ثمار هذا الرخاء وليسوا هم انفسهم، وعليه يميلون أيضا للاعتقاد بأن أوروبا يجب أن تركز على تعميق السوق الواحدة، بدلا من تعميق التحالفات المالية والسياسية، وهنا يضحى من الطبيعي أن مقاومة مزيد من التكتل يعزز القوة الناعمة للأحزاب الشعبوية.
هل لعبت الاسلاموفوبيا دورا ما في قلب هذه الأحداث بجانب العنصرية ولا شك؟
الحديث في هذه الجزئية في حد ذاته يطول ويحتاج إلى قراءات مفصلة، غير انه وفي كل الأحوال يمكن القطع بأن ما جرى على الأراضي الأوروبية خلال العقود الماضية من تنامي لجماعات الإسلام السياسي، وبعض الدول الأوروبية مثل بريطانيا بشكل خاص شجعت على ذلك لسبب أو لاخر، شجع على الجانب الآخر نشوء وارتقاء تحولات غير راغبة في المد الاسلاموي على الأراضي الأوروبية.
في هذه الجزئية تحديدا لم يعدم الأوروبيون من يروج بينهم لنظرية «أسلمة القارة الأوروبية»، بمعنى أن هناك مؤامرة على أوروبا من اجل تغيير طبيعتها الديموغرافية، وفي هذا السياق تتجلى نظرية «الإحلال الكبير»، التي روج لها الفيلسوف الفرنسي اليمين «رونو كامو»، وهناك الملايين ولاشك من الأوروبيين من ساروا وراءه، وآمنوا بأن نظريته سليمة، وقد بلغ الأمر حد بعض الأصوات اليمينية المطرفة في الداخل الأوروبي بالمناداة على «شارل مارتل « صاحب معركة «بواتييه» للاستيقاظ مرة أخرى، وكأنهم في حرب ضروس مع العالم العربي والإسلامي.
هنا أيضا ومن سوء الطالع يمكن للمرء أن يؤكد على أن العمليات الإرهابية التي جرت على الأراضي الأوروبية في الأعوام الخمسة الماضية، قد حركت من كتل الوسط المحايد في عموم أوروبا إلى جهة اليمين، وباتت النظرة لأنصار اليمين مقبولة من البعض، ولهذا فاز أنصاره بـ 58 مقعدا هذه المرة.
هناك أسباب أخرى خارجية يمكن أن نشير إليها، وقد كانت فاعلة بصور ما في أحداث نتائج الانتخابات الأخيرة، ونقصد بها الوضع الأمريكي في زمن دونالد ترامب، حيث ارتفع المدى اليميني بصورة واضحة، بل أن رموزا من القيادات اليمينية الأمريكية، مضت في اتجاه أوروبا، في محاولة لتنظيم عمل الشعبويين الأوروبيين، وفي المقدمة من هؤلاء «ستيف بانون» المستشار الذي قاد ترامب إلى البيت الأبيض، قبل أن يعن للأخير التخلص منه.
هل وقعت أوروبا عن بكرة أبيها في براثن هذا التيار المخيف في الحاضر وفي المستقبل معا؟
لا يمكن أن نقول ذلك، إذ لا تزال الكتل الكبرى في البرلمان الأوروبي الجديد قائمة ما بين الديمقراطيين المسيحيين والاشتراكيين المسيحيين أيضا، وحتى أن كانت هناك صعوبات تعوق قرارهما الموحد، بسبب توزع الأصوات وعدم وجود كتلة قوية واحدة قادرة أو قاهر على تنفيذ أجنداتها.
إلا أن ذلك أيضا لا يعني أن اليمين الأوروبي لن يضحى مهددا إذا استمر تقدمه على هذا النحو المتقدم، وهو أمر يرتكن على عدة عوامل مستقبلية، مثل الأوضاع الاقتصادية في الداخل الأوروبي، وإشكالية الإرهاب وتصاعده، والعلاقات مع العالمين العربي والإسلامي، وهي تمضي في اتجاه إيجابي أم تتعقد. مهما يكن من أمر ينبغي علينا في العالم العربي الانتباه إلى أن ما يجري في أوروبا سيكون له حكما ردات أفعال عربيا وإسلاميا، وبنوع خاص على قوة وحضور الجماعات الأصولية والراديكالية، تلك التي باتت ترحب بارتفاع الأصوات المتطرفة أوروبيا، باعتبار أنها تعطيها قبلة الحياة، وتدفعها في طريق مواصلة تطرفها.
الخلاصة.. أوروبا على شفا اختبار كبير ومخاوف من أن تضل بوصلتها توجهها السياسي التاريخي.