ذكريات كتابي الأول وبورخيس ومكتب البريد 2-2

ليلى عبدالله –

مرّ شهر على آخر زيارة لي لمكتب البريد، حتى استجد أمر دفعي لزيارته مرة أخرى وفي ساعة الشمس الملتهبة الثالثة ظهرا، وكنت قد اتخذت هذه الساعة تحديدا للقيام بمعظم مهماتي اليومية إلى الأماكن العمومية؛ الساعة الأهدأ ليس في شوارع رأس الخيمة فحسب بل لأن هدوءها يمنح للمرء حرية من نوع ما في التعاطي مع الأماكن والأشخاص، وهذا ما كان يحدث في كل زيارة أعبرها إلى مكتب البريد. حين ذهبت هذه المرة وجدت الأشخاص عينهم وربما تضاعف عدد الموظفين عن المرة السابقة، وأول الوجوه التي استقبلتها هو وجه موظف الجمارك بـ(تكشيرته) المعتادة التي تومئ بالبلادة ونفاذ الصبر، وحينما تقابلت نظراتنا عرفت لوهلة أنه تعرف علي جيدا وظلت نظراته ترشق خطواتي حتى وجدتني أمام الموظف المتأنق الذي سبق وحمل طردي الثقيل، رحب بي بابتسامة مريحة ثم استدرك بخجل واضح غير أنه من نوع محاذر يتخذه معظم الوافدين حينما يتواصلون مع الخليجيات تحديدا، بادرته بابتسامة أخرى كي أكسر جليد الموقف، وحين فرشت على مكتبه نسخا من مجموعتي القصصية كي ابعثها لبعض أصدقائي المتفرقين في دول عربية وأجنبية، تمّلى بين يديه إحداها ثم قال لي : أتعرفين أنك عنصرية؟!
فاجأني سؤاله ثم قلت له بعفوية: عفوا ..
أعقب بقوله: لقد قرأت مجموعتك وقد أعجبني ما جاء فيها، لكن قصتك (جواري تحت الجلد) عنصرية تماما، تعلمين نحن أهل فلسطين نقدر زوجاتنا كثيرا، حتى شارون السفاح على الصعيد الأسري يقدس زوجته.
فهمت ما يعنيه فقلت له: لست عنصرية، لكن القصة تجانب شيئا من واقع الحياة التي نعيش فيها بوجه أو بآخر ..
ابتسم ثم قال لي: لقد انتقلت مجموعتك من يد إلى يد، وثمة زملاء لي بحثوا عنها في المكتبات ولم يجدوها؟
قلت له: يؤسفني ذلك، لأن المجموعة صدرت في مصر ..
قال لي بتهذيب: هل لي أن أحصل على نسخة أخرى لزميل لي؟
قلت له: بكل سرور، في المرة القادمة إذن ..
ولم يكد حديثنا ينتهي حتى دنا منا رجل في عقده الخامس، ويبدو أنه مدير مكتب البريد، قال لي بعفوية مطلقة: عفوا، أنت ليلى؟ وحين هززت رأسي، قال لي: وصل باسمك مظروف؟
غادرت مكتب البريد بعد أن حددت عناوين الذين وعدتهم بنسخ من المجموعة .. وفي يدي المظروف الذي وصلني من المغرب من المترجم والشاعر عبد السلام مصباح، وهي مخطوطة من سيرة المعتمد للشاعر الشيلي «سيرخيو ماثيياس»..
* * *
كنت قد وعدت إحدى المواقع الإلكترونية بعشر نسخ من مجموعتي، فارتأيت الانتظار حتى تكتمل عناوين من سأبعث لهم القصص. فامتد موعد زيارتي الثالثة إلى مكتب البريد حتى أذنت، وفي التوقيت الزمني المقدس ذاته توجهت إلى هناك، كان الجو في الخارج لطيفا بعد أن تبددت حرارة الصيف اللاهبة إلى مخدعها حتى السنة القادمة، لم أنس أن أحمل في يدي نسخة مخصصة من دون مظروف وعنوان لموظف البريد، والغريب أنني لم أعرف رغم تلك الحوارات والمواقف التي استطالت بيننا اسمه، وهي المرة الأولى من نوعها أتعاطى مع شخص ما ويسقط اسمه من سجل التواصل الإنساني، وهذا التضاد لم انتبه له إلا حينما وجدتني في مكتب البريد وأمام مكتب الموظف المهذب يقتعد رجل آخر، شعرت بخيبة أمل وأنا أتحسس النسخة التي بلا عنوان بين يدي، وضعت أمامه النسخ الأخرى بعناوين أشخاصها المرسل إليهم، ثم وجدتني استفسر عن الموظف السابق الذي كنت قابلته مرتين في المكتب عينه، رمقني بحيرة ثم قال لي: لا أعرف تحديدا من تعنين؟
فاضطررت أن اشرح له هيئته الخارجية التي اذكرها، فأومأ لي عن فهم ثم قال لي بابتسامة لطيفة: آه، لقد عرفته، للأسف مسافر لكنه سيعود بعد شهر ..
بسطت النسخة التي بلا عنوان أمامه وقلت له: هل تحتفظ بهذه النسخة له إلى أن يصل؟
قلب النسخة بين يديه ثم قال لي: هل هو من تأليفك؟
أجبته بالإيجاب ..
قال لي بمرح: إذن هي لي إلى أن يعود ..
تحمّس بعد ذلك فطلب مني عناوين النسخ الأخرى كي يذيلها بنفسه، مع تخفيض تسعيرة الإرسال..
* * *
أكثر النسخ التي وجدت صعوبة في إرسالها هي نسخة كاتب صديق كان من فلسطين:(قد لا يصل يا ليلى) هكذا ردد لي بحسرة . لذا لم أجد حلا سوى شحن النسخة إلى كاتب مقيم في الأردن وتمريرها من يد إلى يد حتى تصل لصاحبها الحقيقي ..
أصبحت معظم الكتب المهداة من الأصدقاء تصلني على صندوق بريدي الخاص الذي افتحه مرة كل شهر .. أو كلما أبلغني أحد موظفي البريد الذين زاملتهم عن وصول كتاب باسمي . مع الوقت استطالت صداقة من نوع خاص بيني وبينهم.
صداقة متواطئة بين كاتب ما ومكتب البريد، فكلاهما يغذي الآخر بطريقة أو بأخرى، يكفي الشعور بالراحة التي يستشعرها الكاتب حين يكون لديه مظروف يريد إرساله إلى عنوان مخصص، أو حين يصله شخصيا مظروف مغلف من مكان ما في هذا العالم، وهو على يقين أن ثمة من يهتم بكل ما يصل إلى عنوانه بل يتجهم جهدا لإبلاغه بذلك.
حين أصدر «بورخيس» كتابه الأول وضع في معاطف الموظفين دون علمهم نسخا منها، وحين لمح مدير الموظفين نسخة من كتابه في يده بادره بسخرية : لا تقل بأنك تبيع هذا الشيء؟ فرد عليه «بورخيس» بعفوية كاتب شاب: «لست مجنونا كي أفعل ذلك»!
لذا فعلت الفعلة البورخيسية نفسها مع كتابي الأول، ووزعت نسخها على أصدقاء وقراء وكتاب لا أعرف معظمهم، وكنت قد وعدت أحد المواقع الإلكترونية بعشر نسخ من كتابي الأول (صمت كالعبث) الذي طبع في مصر، فارتأيت أن أبعث لهم النسخ دفعة واحدة. وفي التوقيت الزمني المقدس ذاته توجهت إلى مكتب البريد. كان الجو في الخارج لطيفًا للغاية بعد أن تبددت حرارة الصيف اللاهبة إلى مخدعها حتى سنة قادمة، لم أنس أن أحمل معي نسخة من دون مظروف وعنوان لموظف البريد كان قد جرى بيننا حوار حين ذهبت لاستلام نسخي من الكتب التي تم شحنها من القاهرة إلى حيث محل إقامتي، وقد أبدى الموظف اهتمامًا بالصندوق الكرتوني المغلّف الذي استلمته كما أبدى رغبةً واضحةً في الحصول على نسخة منها وهو يستحق هذه النسخة مقابل الجهد الذي بذله لحمل الصندوق الذي يحتوي على ثلاثمائة نسخة حتى باب السيارة، والغريب أنني لم أعرف اسمه على الرغم من تلك الحوارات والمواقف التي استطالت بيننا، وهي المرة الأولى من نوعها التي أتعاطى فيها مع شخص ما ويسقط اسمه من سجل التواصل الإنساني، وهو أمر لم أنتبه له سوى حين وجدتني في مكتب البريد وأمام مكتب الموظف المهذب يقتعد رجل آخر . شعرت بخيبة أمل لوهلة وأنا أتحسس النسخة التي بلا عنوان بين يديّ . وضعت أمام الموظف الجديد النسخ الأخرى بعناوين أشخاصها المرسلة إليهم، ثم وجدتني أستفسر عن الموظف السابق الذي قابلته مرتين في المكتب عينه، رمقني بحيرة ثم قال لي : لا أعرف تحديدًا من تعنين؟
فاضطررت أن أصف له هيئته الخارجية التي تذكرت بعض تفاصيلها، فأومأ لي عن فهم ثم قال لي بابتسامة لطيفة : آ، لقد عرفته، للأسف مسافر لكنه سيعود بعد شهر. بسطت النسخة التي بلا عنوان أمامه وقلت له: هل تحتفظ بهذه النسخة له إلى أن يعود؟ قلّب النسخة بين يديه، تملاّها بفضول ثم قال لي: هل هو من تأليفك؟ فابتسمت وفضحتني غمازتيّ.
قال لي بمرح: إذن هي لي إلى أن يعود. تحمّس بعد ذلك، و طلب مني عناوين النسخ الأخرى كي يذيلها بنفسه، مع تخفيض التسعيرة.
ثمة صداقة متواطئة بين الكاتب ومكتب البريد، فكلاهما يغذي الآخر بطريقة أو بأخرى حين يسافر إليه مظروف مغلّف من مكان ما في هذا العالم وهو على اطمئنان أن ثمة جهة تهتم بكل ما يصلها في أي بقعة كان من هذا العالم المترامي، غير أن هذه الصداقة الموطدة في طريقها إلى الزوال على ما يبدو؛ فمن سيكلّف نفسه جهد التوجه إلى مكاتب البريد في حين تتوفر شركات توصل الطلبات إلى حيث مكان إقامة الشخص مباشرة وبأسعار أقل نسبيّا؟!