ما يميز مركز لندن للتحكيم ؟

د. عبد القادر ورسمه غالب –
Email:AWARSAMA@WARSAMALC.COM –

التحكيم الدولي يتم عبر عدة مراكز مرموقة. نذكر منها، مركز لندن للتحكيم الدولي، الذي يعتبر أحد أهم مراكز التحكيم المؤسسي الدولي. وتتم الإشارة له في الكثير من العقود الدولية كمركز تحكيم يتم اختياره طوعا بين الأطراف للجوء إليه للتحكيم. وينحصر اختصاص مركز التحكيم في تطبيق قواعد التحكيم في المنازعات المعروضة أمامها، وتعيين أعضاء هيئة التحكيم وما يرتبط بهذا التعيين إضافة للمسائل المتعلقة بالرسوم. ويرأس السكرتارية الفنية مسجل المحكمة، والسكرتارية مسؤولة عن كل الأعمال اليومية الروتينية في ظل الإشراف العام ورقابة المحكمة. وإضافة لأعمالها الخاصة بتطبيق قواعد محكمة لندن للتحكيم الدولي فإن السكرتارية قد تتابع تطبيق قواعد اليونسيترال للتحكيم أو غيرها من قواعد التحكيم الفردي كلما طلب منها ذلك العمل لأن هذه الجهات قد تلجأ لها لخبرتها في هذا المجال.
ونظرا لتوسع أعمال محكمة لندن للتحكيم الدولي مع شتى الجهات تم إنشاء مكاتب إقليمية في دبي والهند وموريشيوس بالاتفاق مع هذه الدول وأجهزتها العدلية، حيث يتم تطبيق قواعد المحكمة في التحكيم الذي يتم في هذه المكاتب وتتميز هذه القواعد بأنها متطورة ويتم تحديثها باستمرار. ومن القواعد المهمة نذكر مثلا المادة (9) التي تتضمن إجراءات سريعة لتعيين المحكمين خاصة عندما يلجأ أحد الأطراف لتعطيل إجراءات التعيين وبموجب هذه المادة يمكن اتخاذ إجراءات معينة لضمان سرعة الإجراءات والتعيين. كما تتضمن المادة (22) إعطاء صلاحيات للمحكمة بنفسها، أو بطلب الأطراف في بعض الحالات، لضم طرف ثالث للتحكيم عندما يكون ضمه ضروريا. والنقطة المهمة هنا أن المحكمة قد تقرر ضرورة الضم دون الحصول على موافقة كل الأطراف. كما أن المادة (25) تمنح المحكمة سلطات واسعة لإصدار الأحكام المؤقتة التي ترى ضرورتها كالتصرف في الممتلكات مثلا أو الأوامر بخصوص التكاليف وغير هذا من الأحكام الوقتية الضرورية.
من المسائل المهمة التي يجب الإلمام بها أن محكمة لندن للتحكيم التجاري لا تحدد الرسوم والأتعاب وفق قيمة الدعوى اعتقادا منها أن قيمة الدعوى لا تمثل أهمية في هذا الخصوص إذ أن دعوى بمبلغ بسيط قد تأخذ وقتا أطول وجهدا أكثر من دعوى أخرى بمبلغ كبير، ولهذا فإن هذه المحكمة اعتمدت مبدأ التكلفة بواقع الزمن أو عدد الساعات التي يتم فيها حسم الدعوي نهائيا وبهذا فإن التكلفة ترتفع كلما زاد عدد الساعات أو العكس. الجدير بالذكر أن القائمين على أمر محكمة لندن للتحكيم الدولي ينظرون لهذا الموقف كصفة إضافية خاصة تميزهم عن غيرهم من المراكز لأن المبلغ المدفوع يتوقف على الجهد المبذول. ولكننا ننصح الأطراف بأخذ هذه النقطة في الحسبان، لأن هذه المحكمة لم تحدد سقفا لمبلغ الرسوم، بالرغم من أن غالبية مراكز التحكيم المؤسسي لديها جداول الرسوم المحددة وفق قيمة الدعوى ومن هذا تكون مبالغ الرسوم معروفة سلفا ومحددة بصورة قطعية دون اعتبار لعدد الساعات أو الأيام التي انقضت في نظر الدعوى.
أيضا من المسائل الواجب ذكرها أن قواعد محكمة لندن للتحكيم الدولي لم تضع وقتا محددا لإصدار الحكم النهائي، وهذا الوضع يخالف ما عليه الأمر في قواعد هيئات التحكيم الأخرى، حيث تشترط قواعد محكمة التحكيم لغرفة التجارة الدولية بباريس مثلا ضرورة إصدار الحكم النهائي في موعد أقصاه ستة أشهر ما لم تتفق الأطراف على زيادة المدة، وبهذا فإن محكمة تحكيم غرفة التجارة الدولية بباريس يجب عليها التقيد بفترة الستة أشهر وألا يكون الحكم قابلا للطعن بالنقض لتجاوزه المدة المحددة. ومن هذا تتضح مخالفة محكمة لندن للتحكيم الدولي لمبدأ المدة الزمنية المحددة بالرغم من أن المادة (14) من القواعد المحكمة تنص على ضرورة إصدار الأحكام دون تعطيل غير مبرر أو تكاليف غير ضرورية. هذا وتكون الأحكام نهائية وقابلة للتنفيذ ووفق المادة (26) من القواعد فإن الأطراف يتنازلون عن حقهم في تقديم طلب الاستئناف أو المراجعة باعتبار الحكم يتمتع بالصفة النهائية، وهذا بالطبع لا يشمل الحق في التقدم لنفس المحكمة لتفسير حكمها أو تعديله لأسباب مادية أو إجرائية.
من الصفات المهمة التي يتميز بها التحكيم المؤسسي توضيح الإجراءات من بداية الدعوى حتى إصدار الحكم النهائي إضافة لاستقلال المحكمين وحيادهم التام مع التزام السرية التامة وكل هذه المحاور الرئيسية نجدها واضحة في قواعد التحكيم الخاصة بمحكمة لندن للتحكيم الدولي وهي توفر الضمانات المطلوبة لحسن سير الإجراءات وضمان الوصول لأحكام نهائية سليمة بما يضع الثقة الكاملة واطمئنان الأطراف ويؤكد لهم أن نزاعهم سينظر وفق معايير العدالة الدولية وبما يضمن الحقوق والواجبات بين كل الأطراف على درجة واحدة متعادلة. ومن هذا نلاحظ أن وتيرة لجوء الأطراف لمحكمة لندن للتحكيم الدولي في زيادة مطردة وفي هذا توفير لمنفذ قانوني سليم لضمان العدالة الناجزة والإنصاف المنشود.