الـدولـة كشـركة أحيانا

مصباح قطب –
mesbahkotb@gmail.com –

منذ مطلع الثمانينيات وحتى الآن سمعنا وقرأنا الكثير حول الدولة كشركة أو الدولة ككيان لا يجب أن يكون شركة ولكل حجته . في كل الحالات لم يعد ممكنا الا يكون ما هو شركاتي لدى الدولة ، شركة ، وبمعنى آخر فانه وان كان صحيحا أن الدولة أبعد بكثير من أن تكون شركة لها أصول وعليها خصوم وتطمح إلى تحقيق فوائض أو توزيع عوائد ترضي المساهمين أي الشعب ، لكن الدولة في النهاية وأي دولة حتى لو كانت رأسمالية عريقة لديها أصول عامة اقتصادية تعمل وفق قوانين الشركات وبالتالي لا يجب أن يقل مستوى الكفاءة فيها عن القطاع الخاص أو يمكن أن يقل بدرجة قليلة لكن من غير المسموح به أو المقبول أن يصل الفارق إلى أن طرفا يربح هو الشركات الخاصة في أغلب الأحوال وطرفا يخسر في كل الحالات مع انه يعمل في نفس المجالات إلا وهو شركات الدولة المثيلة . وإذا انتقلنا خطوة إلى الأمام فيجب أن نتطرق إلى كفاءة إدارة الأصول في الشركة وفى الدولة معا على اختلاف بينهما فالدولة في إدارتها للأصول تراعي اعتبارات كثيرة اقتصادية واجتماعية وسياسية وبيئية ومستقبلية وجيلية الخ وهى مع ذلك مطالبة بحسن إدارة أصولها مهما كانت طبيعتها ومطالبة أكثر بإدارة الأصول التي تقع تحت مظلة قانونية شركاتية باحترافية مع الالتزام بمحاسبة المسؤولين عن أي هدر أو إهمال أو سوء إدارة أو تربح أو غش أو فساد فيما يخص إدارة تلك الأصول . الشركات يجوز فيها الخلط بين إدارة الأصول وتدوير الأصول أي نقلها من يد إلى يد لتحقيق أرباح مضاربية . مع الدولة لا يمكن قبول ذلك . لا يمكن الجزم أيضا بأن هناك منهجا واحدا لإدارة أصول الدولة فتلك القضية لها أبعاد مختلفة وهناك من يسخط عن منهج ويرضى عن آخر والعكس وبالتالي لابد من بناء توافق وطني كبير حول النهج أولا قبل الشروع في أي بيع أو إيجار أو إسناد عقود إدارة وتشغيل إلى الغير أو طرح حصة في البورصة أو إبرام اتفاقيات طويلة المدى للبناء والتملك والتشغيل وإعادة الأصل وهكذا . وقد انشغل الرأي العام في مصر الأسبوع الماضي بنقاش أراه مفيدا لكل بلد مع اختلاف الدروب . رغم أن الحكومة المصرية أبرمت اتفاقا على برنامج للإصلاح الاقتصادي مدته ثلاث سنوات وينتهي في نوفمبر المقبل ، وعلى الرغم من أن البرنامج يتضمن اتفاقا على طرح حصص من عدد من الشركات العامة في سوق المال وفق جدول معلن وقواعد معروفة ، إلا أن مفاجأة كبيرة وقعت الأسبوع الماضي تمثلت في إعلان تلقى الحكومة عرضي استحواذ على 3 محطات كهرباء ضخمة ( بقدرة 14.4 ميجاوت ) ، كانت قد أسستها شركة « سيمنس» الألمانية المعروفة بتكلفة نحو 7 مليارات دولار ، وقد ورد العرضان من شركة أمريكية وأخرى ماليزية ، وقد ردت الحكومة على ذلك بأنها تدرس العرضين مع أن تلك المحطات لم تدرج من قبل في برنامج الطروحات العامة ما أعاد من جديد إلى ساحة النقاش العام عشرات الأسئلة الساخنة حول متى وأين وكيف ولماذا تبيع الدولة أصلا كهذا ؟ . في بلادنا العربية عموما فإن نقاشا من هذا النوع ما يكاد يبدأ حتى يتحول إلى صراع عقائدي أو شبه عقائدي بين مؤيدي قوى السوق ومؤيدي ملكية الدولة وقد حدث ذلك بالفعل حيث احتفى أنصار الفريق الأول بالتوجه أيما احتفاء واعتبروه اخطر واهم خطوة على طريق التحرير الحقيقي للاقتصاد منذ عقود وفى المقابل استدعى تيار الملكية العامة كل أسلحته لمواجهة هذه الخطوة بالذات وأعاد بعض أطرافه ما كان قد توارى من صفحات خاصة بمحطات الكهرباء في مذكرات «جون بركنز» التي صدرت في 2004 تحت عنوان ( الاغتيال الاقتصادي للأمم.. مذكرات قرصان اقتصادي) . بركنز ذكر أنه كان من مهامه كجاسوس اقتصادي يعمل لحساب بلده الولايات المتحدة توريط الدول النامية في القروض وإعادة توجيه أموال هذه القروض إلى الولايات المتحدة وأشار إلى أن إقامة ثم تملك محطات كهرباء في العالم النامي كان يعد بمثابة تملك بقرة تحلب ذهبا للمالك على مدار عقود .
من حسن الحظ أن صوت الحوار الإيديولوجي في العالم كله خفت وأصبح جانبا معتبرا من الرأي العام يبحث عن الحقائق بعيدا عن العناوين الكبيرة أو الصاخبة والمتحيزة فهو يريد أن يعرف هل في هذا الأمر مصلحة عامة حقا وما الدليل وهل هي مصلحة قصيرة الأجل أم بعيدة المدى وما الأعراض السلبية لصفقة كتلك وهل هي أيضا أعراض عابرة أم ستعيش معنا وما هي خبرات من سبقونا وما الأثر على الدين الخارجي والاستثمار الأجنبي المباشر ، وهل تم حساب كل السيناريوهات للتأكد من أن البيع يحقق عائدا افضل للدولة أم لا ؟ .
في تفاصيل الخبر المصري فانه كان قد جرى افتتاح الثلاث محطات في يوليو الماضي وفي حال قبول أحد العرضين، فإن مصر ستشتري الكهرباء من مشتري المحطات عبر اتفاقية لشراء الطاقة . يشار إلى أن «سيمنس» كانت قد تعاقدت العام الماضي مع الحكومة المصرية على إدارة وتشغيل وصيانة المحطات لمدة 8 سنوات تنتهي عام 2024.
وإذا ما تحقق الأمر الخاص ببيع المحطات ستقطع مصر شوطا كبيرا نحو تخفيف عبء ديون تطوير البنية التحتية في البلاد وذلك حسب وكالة «بلومبرج» والتي تضيف أن الديون المضمونة من قبل وزارة المالية المصرية بلغت نحو 20.4% إلى الناتج المحلي الإجمالي بنهاية 2018، مع استحواذ شركات الكهرباء على نحو 25% من تلك الديون
اننا نلاحظ أن الحكومة المصرية تريد بيع أصل أنشأه أجنبى وبتمويل غالبيته العظمى من بنوك أجنبية ويديره أجنبي حاليا، إلى أجنبي ، وبذلك فإن الهدف الأبرز للبيع ليس الحصول على خبرة فنية ومعرفة تكنولوجية ، ولكن الحصول على سيولة كبيرة يتم خفض الدين الخارجي بقيمتها ، وفي المقابل تتحمل الحكومة ممثلة في وزارة الكهرباء عبء تحويل جانب سيتم الاتفاق عليه مع المشتري من قيمة عقد شراء الكهرباء من المالك الجديد بالنقد الأجنبي ، ولمدة من الواضح أنها ستطول وقد تمتد لعقود هي عمر المحطات .
كما قلت فقد هلل أهل اقتصاد السوق لأن تلك ستكون أضخم عملية بيع أصول عامة في تاريخ مصر الحديثة وكما يقول هذا الفريق دائما فإن الأصول لن تتحرك من بلادنا وستظل قائمة وإن دخول مستثمر إجنبي كبير سيجلب مستثمرين آخرين سواء إلى قطاع الطاقة أو غيرها وسيتحقق الكثير من المنافع للبلاد وفى المقابل عبر تيار آخر عن رفضه أو تخوفه من الصفقة مشيرا إلى انه تم التحذير من قبل مرارا إلى خطورة تزايد الدين الأجنبي ( يزيد عن100 مليار دولار حاليا ) وأن سدادا الدين ببيع أصول لا يعرف حدودا ، كما أنه ليس حلال فالمفترض أن يتطور الاقتصاد ويجلب موارد أكبر بالعملات الجنبية ما يجعل سداد الديون أمرا ميسورا دون لجوء إلى بيوع من هذا النوع .
وقال فريق ثالث لا ينتمى إلى يمين أو يسار انه لا مانع من أن تبيع الدولة أصولا للقطاع الخاص وتربح وتنشئ أخرى وتبيعها وتربح وتنشئ ثالثة وهكذا ، غير ان هذا المثل ليس دقيقا في حالاتنا لأن الدولة تبيع لا لتنشئ الجديد ولكن لتسدد الديون . القضية تسحق مزيدا من النقاش خاصة مع توجه دول عربية كبيرة إلى فتح قطاع الكهرباء والغاز للقطاع الخاص بل أن مصر نفسها تركت الاستثمار الجديد في مجال الطاقة المتجددة والجديدة كلية تقريبا للقطاع الخاص منذ عامين . الحسابات الدقيقة والمنضبطة والعقلانية والشفافة وبعيدة المدى في إدارة أصول الدولة من شأنها أن تجعل اختيار الأصل الذي يمكن بيعه أو تأجيره أو إسناد إدارته إلى آخر عملا أكثر فاعلية وقبولا وكل عام وانتم بخير .