الأيام :الصفقة تقترب، الصفقة تبتعد!

في زاوية آراء كتب عبد المجيد سويلم مقالا بعنوان: الصفقة تقترب، الصفقة تبتعد!، جاء فيه:
الصفقة جاهزة، الصفقة قيد الإنجاز، الصفقة بعد العيد، الصفقة بعد «الانتخابات»، الصفقة بعد «المنامة»، الصفقة مؤجّلة، الصفقة ربما بعد الانتخابات الإسرائيلية الجديدة، الصفقة بعد الانتخابات الأمريكية القادمة. باختصار الصفقة تختنق، الصفقة تحتضر، الصفقة قد تنتحر. إذا كانت إدارة الرئيس ترامب قد نجحت في شيء فهو هذا «الإلهاء» الذي يستمر، بل وهذا «التخدير» الذي حقنت به منطقةً بأكملها. لم يصدقنا البعض عندما قلنا: إن «الصفقة» قد انتهت منذ بدء سلسلة كاملة ومتواصلة من الإجراءات والقرارات. مكتب المنظمة، وقف المساعدات الرسمية، تفليس الأونروا، الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، إلحاق القنصلية بـ «السفارة»، شرعنة الاستيطان وضمّ الجولان، على طريق ضمّ ما يُمكن من الضفة. حُكم ذاتي مقلّص بدلاً من «الدولة»، الإبقاء على غزة مفصولة، سرقة أموال المقاصة، وأخيراً «الحل» الاقتصادي من أجل إنهاء قضية اللاجئين وضخ كل ما يلزم وكل ما هو ممكن من أجل التوطين. مأساة كاملة في ثوب ملهاة خبيثة. الآن يتكشّف لنا جميعاً وعلى رؤوس الأشهاد أنه مع شذرات الشق السياسي في الصفقة التي «ستأتي»، نكون أمام «إنهاء» وتصفية كاملة للمشروع الوطني، ونكون أمام تطبيق فعلي للوطن البديل، ونكون أمام أمة بكاملها مرهونة بكل ثرواتها وجغرافيتها ومواقعها ومواردها للولايات المتحدة، وتكون إسرائيل قد تحولت إلى دولة طبيعية أو صديقة أو شقيقة.
مقابل ماذا؟
لم يسبق في التاريخ المكتوب، ولا حتى الشفوي أن اشترت أمة عبوديتها وهوانها وذلّها بأموالها وثرواتها ومستقبل أجيالها.
وباختصار، أيضاً، الصفقة في جوهرها تمت، والصفقة في شقها السياسي حسمت بالتبني الكامل لكل ما كانت تخطط له إسرائيل، ولكن ما كانت دوائرها الأكثر يمينية وعنصرية تمهد لمسرح متكامل بما في ذلك الممثلون والإضاءة والديكور وضيوف الشرف والمتفرجون. الشق السياسي إذن هو: قطاع غزة، فقير ومحاصر، منفصل ومنهك، يمكن أن ينظر في أمور أوضاعه الحياتية حتى لو وصل الأمر في نهاية المطاف إلى بناء موينئ (تصغير ميناء)، ومهبط يسمى مطار.
الحياة في هذا القطاع محكومة بمساحة ومسافة الصيد، وبزراعة على مياه مالحة، وسكان بالملايين يتكاثرون بسرعة مذهلة على أرض لا تزيد مساحتها على مساحة مطار كبير من مطارات الغرب أو حتى مطارات بعض العرب. أما في الضفة، فستقوم شبكة معقدة من الطرق لفصل المستوطنين عن المواطنين الفلسطينيين، ولتواصل البلديات والمجالس القروية مع بعضها البعض، بحيث تتغير المداخل والمخارج لهذا «التواصل» حسب الاحتياجات الأمنية، وحسب مزاج الجندي الواقف في حواجز الجيش على مفارق هذه الطرق. التواصل بين غزة والضفة «وارد»، من حيث المبدأ وممكن أن يكون بالقلوب والمشاعر إذا ما تعذر عبر الأنفاق والجسور. والشتات إما هاجر أو توطن، وعليه أن يخلي ويفسح المجال كاملاً أمام ذاكرة جديدة وهوية جديدة، وتاريخ جديد، وجغرافيا جديدة. وباختصار آخر، نحن في الشق السياسي من «صفقة» القرن سنكون أمام ثلاث إستراتيجيات على طريق التحقق الكامل: إستراتيجية كي الوعي الفلسطيني، وإستراتيجية تخفيض سقف توقعات الفلسطينيين، ثم إستراتيجية مقايضة الوطن والذاكرة والتاريخ والمستقبل بحفنة من الدولارات. يبدو الصراع في أحد تجلياته الدرامية هو صراع على من سيستيقظ أولاً.
إن استيقظنا قبل فوات الأوان فسيستيقظون حتماً على حلم تبدّد إلى وهم وتحوّل إلى كابوس.