عالم وفكرة: خلفان بن جميل السيابي (ت: 1392هـ)

إدريس بن بابا باحامد –

لا ريب أن لكل أمة من الأمم رجالًا وعلماء يستنيرون بهم إذا احلولكت الظلمات، وتشعبت السبل، وتنوعت المسالك، ليروا بهم النور، فيكونوا مشاعل علم وهدى، ومنارات فكر واقتداء، والأهم من ذلك أن تجد رجالًا شهد لهم التاريخ برسوخ القدم في القيادة والفكر، لا في محيطهم فحسب بل ذاع صيْتهُم ليشمل العالم أجمع، لما تميّزوا به من فكر عالمي، له أصول ومبادئ، ولا يتسنى لنا الحكم بذلك إلا إذا غصنا في غمار تراثهم العلمي، أو على الأقل مؤلفاتهم العلمية، وإن شئت صرًا أكثر فقل في آثارهم وإن كانت نزرًا يسيرًا، إذ العبرة بالأثر لا بالكم والكثرة، ومن علماء الأمة المشهورين بذلك، علماء عمان، لذا حاولت تخصيص بعض الحديث عن بعض الشخصيات العمانية التي تميزت بأفكار عالمية دعت إلى ذلك تحقيقا وتحريضا وبيان أهمية، وهذا من شأنه أن يقرِّب بين الأمم والشعوب، ويؤكد الدور البارز للعلماء المسلمين عموما والعمانيين خصوصا في بث روح التآلف والتكاتف والتعاون، ونبذ العنف والكراهية، وتأكيد معالم الحرية ونبذ العبودية، والدعوة إلى تحقيق التعايش السلمي وإن اختلفت الأجناس والأعراق، والعقائد والأفكار، وسوف يكون الحديث عن علماء من القرون الهجرية الأولى وغيرها إلى أن نصل إلى علماء في وقتنا المعاصر، وهذا لنؤكد أن المنهج السلمي التعايشي سلسلة تميز بها هؤلاء العلماء ولم تنقطع أبدا، يتوارثها الأجيال جيلا بعد جيل، فما على هذه الأجيال إلا الحفاظ عليها، والتأكيد على ما جاء في هذه الأفكار من قيم. وقد ارتأيت أن تكون هذه السلسلة منضوية تحت مسمى (عالم وفكرة).

خلفان بن جميل السيابي (ت: 1392هـ)

«هو العلامة الشيخ خلفان بن جميل السيابي، من أجل علماء عمان في القرن الرابع عشر الهجري. نشأ في سمائل، في أحضان عائلة فقيرة، ولكن ذلك لم يمنعه من الانقطاع إلى العلم والرغبة فيه والاستزادة منه، وكان مفهومه للعلم ذلك المفهوم الرباني الذي عرف به السلف الصالح حيث كانوا يطلبون العلم لوجه الله مخلصين له الدين، فانقطع له طالبًا متفرغًا، وتحصن له بالزهد والورع والتقوى، فكان لا يرى إلا صائمًا نهارًا أو قائمًا ليلا، قليل الكلام، فيه جد وصرامة، ولعل هذا الانقطاع كان له حافزًا لعصامية جادة دفعته إلى المطالعة وحب القراءة بشغف ونهم كبيرين، فانكب على كتاب إحياء علوم الدين للغزالي وقد تأثر به، إذ هو الذي هذبه وشحذ فكره وصفّى ذهنه وسما بروحه، حتى ترقى بعناية الله إلى دراسة أصول الدين والفقه وانكب على كتبهما، واصل دراسته مع العلماء المعاصرين له من بينهم الشيخ نور الدين السالمي فقد تتلمذ له واغترف من معين علمه ردحا من الزمن، إلى أن أصبح عالما مشهورا، وقاضيا معتبرا، ومرجعا للفتوى. تولى وظيفة التدريس زمنا، وشغل منصب القضاء في عدة مناطق رئيسية في عمان. فقد نصبه الإمام الخليلي قاضيا مرتين، مرة بالرستاق، وأخرى بسمائل. كما ولاه السلطان سعيد بن تيمور منصب قضاء مطرح، ثم صور، فكانت أحكامه أحكاما نافذة في جميع المناطق التي تولى فيها الحكم، لا يعقبها رد ولا قدح. ولما طعن في السن وضعفت قوته، وكان وقتها بسمائل، فاستعفى الإمام الخليلي عن القيام بالقضاء فأعفي، وظل مشتغلا بالعبادة والتأليف، إلى أن ضعف بصره. كان مجلسه أينما كان غاصا بالزائرين بين مسترشد ومستفت. هكذا كان طول حياته إلى حين عجزه ولزوم المرض له. معروف بالوقار والرصانة والجد، مما اعتبره بعض الناس تزمتا وشدة .من مؤلفاته: «سلك الدرر الحاوي غرر الأثر»، وهي منظومة في الفقه والأحكام في ثمانية وعشرين ألف بيت، وهي نظم «النيل» ومتنه من تأليف الشيخ عبد العزيز الثميني المزابي الجزائري. وكتاب: «جلاء العمى في ميمية الدماء»، في الأروش والديات والدماء، وكتاب: «فصول الأصول»، في أصول الفقه وقواعده الهامة، وكتاب: «بهجة المجالس» وهي منظومة تحتوي على أسئلة فقهية وأجوبتها، وكتاب: «فصل الخطاب في المسألة والجواب» في أصول الدين والفقه بكل أبوابه المعروفة. (محمد ناصر، سلطان الشيباني، معجم أعلام الإباضية، ترجمة: 281).

فكرته:
« واستصحب الصبر واحذر أن تُرى وجلا واستشعر الحلم والإخبات والوجلا»
(بهجة المجالس، ص 128).
لا يعتقد الإنسان أنه سيعيش في هذه الحياة دون منغصات، دون آلام، دون متاعب، فمن فكر في مثل هذا فإنه يفكر في ضرب من ضرب الخيال، ذلك أن الحياة الدنيا مجبولة على النقص والتعب، وما اسمها إلا دلالة عليها، لكن على المرء أن يعتقد يقينا أن هذه المتاعب والمنغصات والآلام سيتعايش معها ويتفاعل معها بترياق يريح القلب ويشفي الجسد ألا وهو الصبر، وليحذر كل الحذر من أن يرى وجلا مما حصل له، فالشيخ يشير إلى أمرين مهمين هما، استصحاب الصبر؛ لنيل الأجر، وتجنب الوجل حتى لا يُشْمَتَ بِه، فشماتة الأعداء بلاء، وهذه الدنيا لا تبقي على أحد من سره زمن ساءته أزمان، فالعاقل من تحمل وصبر وتفاعل مع ظروفه معالجا إياها بحكمة وروية، متيقنا أن الضجر لن يصلح أمرا، ولن يدفع مصيبة، ولن يرد قدرا، كما أن هدوء الأعصاب والروية في اتخاذ القرارات من شأنها تخفيف حدة الحوادث، والمحافظة على أخف الأضرار، ولنا في سيرة الحبيب المصطفى أروع العبر، وأصدق الأمثلة في استصحابه للصبر وتعامله مع الوقائع والأحداث تعاملا منطقيا، يسربله الرضا بالقضاء والقدر، ويوجهه العمل الصالح والدعاء الخاضع لله تعالى، فمن صبر ظفر. ومن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط.