«بيوت».. حكاية يسردها المذيع المتألق «محمد المرجبي»

د.عزة القصابية –

يزخر تاريخُ عمان المعماري بتصاميم متنوعة تتمثل في المباني الأثرية؛ بأشكالها ومسمياتها وحسب الغرض من بنائها، فهناك القلاع والحصون التي بنيت لتكون مقرا للسلطة، وأخرى لتكون مكانا لإقامة الحاكم وأسرته. وهناك المنازل والمدارس والمجالس العامة والمساجد والجوامع والمقابر. كما شيدت الأبنية الدفاعية، كالأبراج والأسوار لحراسة سكان الحارات والبيوت القديمة.
التفاته ذكية وموفقة من معد ومقدم برنامج «بيوت» محمد المرجبي، عندما حاول أن ينبش في تاريخ «البيوت» العمانية القديمة، ذات الشهرة المعمارية، كونها تشكل إرثا حضاريا يصعب نسيانه ! لقد ظلت أزقة الحارات العمانية متدفقة بمظاهر الحياة الاجتماعية حيث كانت محورا لحياة الناس؛ أطفالا ونساء، ورجالا وشيوخا، الذين عاشوا سويا في بقعة واحدة. والزائر لهذه البيوت الأثرية يشعر بأنفاس وابتسامة وطيبة سكانها تنبعث بين أزقتها وجدرانها ودهاليزها التي لا تزال تتحدث عنهم.
حرص معد ومقدم البرنامج محمد المرجبي على الولوج في عالم البيوت الأثرية، التي تتحدث وتنبض بحس الإنسان العماني الأصيل، وسبق أن قدم برامج مشابهة تتحدث عن الوجود العماني في زنجبار بعنوان «من السواحل».
يمكن اعتبار «بيوت» إضافة جديدة لمنجزات المرجبي في مجال إعداد البرامج الواقعية، وهي نموذج يحتذى بها، كونها تستلهم محتواها من الواقع بكل تفاصيله وقصصه التاريخية والأثرية.
تميزت مقدمة برنامج «بيوت» بوجود شذرات من ملامح الفيلم الوثائقي التوضيحي الذي كتب بسيناريو تلفزيوني، إذ تمكن المخرج وفريق التصوير الاقتراب من الواقع منذ البداية، حيث شاهدنا بعض النسوة والأطفال يتسللون عبر ردهات وأزقة هذه البيوت، وهم يرتدون الزي العماني التقليدي، في محاولة لاسترجاع لو «مقطع قصير» من شريط ذكريات الأمس في هذه المنازل الأثرية.
تمكن برنامج «بيوت» أن ينال استحسان المشاهد عند تناوله لموضوع أثري، بأسلوب يختلف عن البرامج السردية التي كانت تقدم سابقا. إذ تمكن المعد المقدم لبيوت أن يحكي قصة هذه البيوت بأسلوب وصفي ذات الدلالات المكانية والزمانية. وكانت المعلومة تتدفق بأسلوب سلس وواضح، دون أن يشعرنا بالممل. وسعت «عين الكاميرا» إلى التجديد في الشكل والمضمون، إذ تمكنت من التقاط الصورة الحية لنعايش معا الحدث زمانا ومكانا.
وما أحوجنا إلى هذه النوعية من البرامج المتلفزة، التي تسلط الضوء على هذه البيوت التي أصبحت «مزارات سياحية»، بعد جهود مضنية في الترميم والإصلاح، خاصة في ظل هجران السكان للحارات القديمة. وتنتشر «البيوت» القديمة في الحارات العمانية على امتداد خارطة السلطنة شمالا وجنوبا في معظم الولايات العمانية. وتتضمن هذه الحارات المنازل التي شيدت من الطين المحلي ومواد الخام المأخوذة من البيئة العمانية. كما أنها تتشابه في تخطيطها ومحتواها؛ فنجد بها البيوت السكنية والحمامات والمسجد والساحة التي يتجمع بها الأهالي في المناسبات، إضافة إلى «السبلة» التي كانت بمثابة مكان للقاء شيخ القبيلة بالأهالي، كما يتخلل هذه الحارات قنوات الرأي «الأفلاج»، إضافة إلى الآبار.
لقد استهدف برنامج «بيوت» التلفزيوني البيوت العمانية الأكثر شهرة، كالبيوت ذات الصلة بمقر الحاكم، أو البيوت ذات الصلة بتاريخ المنطقة والتي حولت إلى مزارات ومتاحف أثرية يقصدها القاصي والداني.
حرص المقدم المرجبي على انتقاء كلماته الوصفية، فقد كان منذ البداية يقدم نبذة تاريخية عن تأسيس البيت وبعض التفاصيل المعمارية عنه. واتضح أن هناك قاسما مشتركا بين البيوت الأثرية المنتشرة في ربوع السلطنة. إذ نجد معظمها يوجد بها المدخل «المصباح» الذي يقودنا إلى بقية أرجاء البيت. وهناك السبلة، والبرزة وأماكن أخرى لتلقي العلم وحفظ القرآن، ومقر إقامة الحاكم، إضافة إلى السور والأماكن التحصينية وتواجد الحراس.
من الملاحظ أن معظم البيوت التي زارتها كاميرا «بيوت»، نالت فرصتها في الترميم والإصلاح، ومحاولة إنقاذها من الاندثار، لذلك فنحن بحاجة فعلية إلى العمل سريعا لانتشال تراثنا الجميل والحفاظ عليه، و إسعاف ما تبقى منه. شكرا لطاقم العمل التلفزيوني لبرنامج «بيوت» الذي حاول الاقتراب من تفاصيل وجماليات تراثنا المادي المعماري، وآثاره النادرة والقيمة، وتحدث عن تاريخ تأسيسها، ومحاولة الإجابة على سؤال، ما الذي جعل هذه البيوت مميزة عن غيرها، ومن هم أبطالها؟ وما دورهم في خدمة المجتمع العماني؟ تحية لفريق التصوير الاحترافي بقيادة سعيد العبري، والمخرج إبراهيم الشريقي، الذين استطاعوا أن يختاروا اللقطات المناسبة للكاميرا برؤى جمالية، تركز على الأماكن الأكثر قوة في هذه البيوت. والتي يمكن من خلالها إيصال رسالة للمشاهد، مفادها أن هذه « البيوت» كانت بمثابة همزة الوصل بين صاحب البيت والمجتمع، وهي الجسر الذي يصل بين ضفتين؛ السلطة، والشعب، بين الشيخ والقبيلة.
نأمل مستقبلا، أن تستكمل كاميرا برنامج «بيوت»، رحلتها إلى بقية المواقع الأثرية القديمة في سلطنة عمان، لتعيد إليها رونقها الذي عاشه أجدادنا قديما، لتحدثنا عن قصص وحكايات شهد عليها الزمان والمكان. مع الحرص على تقديمها برؤى تلفزيونية جديدة، تعيد إليها مظاهر الحياة من خلال كتابة سيناريو تلفزيوني برامجي شيق، يجعلنا نستشعر بعظمة تاريخ الحضارة العمانية.